dr taha
المسار العلمي

طه عبد الرحمان.. آخر حكماء المغرب

الإثنين 29 مايو 2017

فيلسوف أحكم عقله بقواعد المنطق، وزكى نفسه بتسابيح الإحسان، كاشفا عن ذاته بعقلانية في الحوار، وبلغة عربية يقلب أصولها الاشتقاقية بين يديه كيفما يشاء..لم يقلد الخلف أو السلف، وإنما كتب مؤلفاته، جامعا شاعرية المعاني بصرامة المباني، فتجلى من بين السطور شامخا بالقول “هذا أنا.. واسمي طه عبد الرحمان” .

طه عبد الرحمان، وللاسم جرسه المشرقي المتجلي، رغم أن صاحبه مغربي من المهد إلى دروب المجد، فهو روداني الأصل، دكالي المنشأ، ومن  جامعات الرباط والدار البيضاء أُعلن نجما في سماء المنطق والأخلاقيات، ولقب ب”فقيه الفلسفة”، فنال الحظوة عند النخبة والخاصة، لكنها لم تشفع له عند عامة خفي عنها أن المفكر الفذ عانى في الفترة الأخيرة من أزمة صحية شديدة .

 

مسار حياة

ولد طه عبد الرحمان في مدينة الجديدة سنة 1944، متنفحا عبق مطالبة المغاربة باستقلال البلاد من نير الاستعمار، وفي عاصمة منطقة دكالة تابع طه دراسته الابتدائية، وبعدها انتقل إلى المدينة المجاورة الدار البيضاء ليكمل فيها دراسته الثانوية، ليحول وجهته صوب العاصمة الرباط حيث حصل على شهادة الإجازة في الفلسفة.

جاب العالم شرقا وغربا، لكنه ظل دائما ذاك الطائر الوفي الذي يعيده الحنين إلى عشه حيث ترعرع، إذ بعد أن اغترف من علوم الفسلفة وفنونها ما شاء الله له أن يغترف، عاد ثانية إلى المغرب خلال السبعينات من القرن المنصرم ليقوم بتدريس الطلبة المنطق في جامعة محمد الخامس بالرباط.

اختار الإبحار ضد التيار الذي كان مهيمنا في الجامعات المغربية، والذي كان يعطي للفلسفة هوية يسارية ويربطها بالمقولات التي تندرج تحت هذا الإطار أو يحصرها في مفاهيم الحداثة الغربية، مؤسسا متنه الفلسفي على الجمع بين التحليل المنطقي والتشقيق اللغوي، خاصة أنه كان أول من درس المنطق وفلسفة اللغة بجامعة محمد الخامس بالرباط، إلا أن تأثره بإمدادات التجربة الصوفية جعل هذا المتن يمتح مفاهيمه الأساسية من التراث الإسلامي ويستعير بعض المقولات من الفكر الغربي المعاصر خاصة في ما يتعلق بنظريات الخطاب والمنطق الحجاجي وفلسفة الأخلاق.

ولليوم، ورغم سنوات عمره الدانية من السبعين، يصر طه عبد الرحمان في صمت وبلا جعجعة، على مواصلة إبحاره الفكري في عوالم تسمو عن كل هذه السفاسف، ليقدم لنا في زمن متقارب كتابين قيمين الأول بعنوان “روح الدين.. من ضيق العلمانية إلى سعة الائتمانية”، والثاني بعنوان “سؤال العمل.. بحث عن الأصول العملية في الفكر والعلم” وكأنه يقول  إنه ما زالت هناك إمكانية للتأمل والتفكير رغم الزمان ورغم جلبة المكان، وأن للفكر والعقل دائما متسع.

يقول عنه الإعلامي عزيز المجذوب “ما زلت أذكر السنة والنصف التي درسني فيها بشعبة الفلسفة بالرباط، أذكر كيف كان يتحرك طه عبد الرحمن في قاعة الدرس، ويلقننا بكل جوارحه دروس المنطق والسيميولوجيا، بل وفي كثير من الأحيان كان ينتابه دوار بفعل الأدوية التي كان يتناولها جراء تدهور حالته الصحية، فيتكئ على طاولة فنشفق على حاله لكنه يصر على مواصلة الدرس بكل إخلاص وتفان، ناقلا إياه بجل اللغات الحية التي يجيدها الفرنسية والإنجليزية والألمانية وحتى اليونانية بشكل يربطنا فعلا بمنابع الفلسفة في بلاد الإغريق”.

 

تواضع فارتفع

لا تخطئ العين تواضع  عبد الرحمان الذي يبتعد عن الأضواء وعيون الصحافة التي تلاحقه أينما حل وارتحل، نافر هو من الأضواء والكراسي البارزة، اعتاد ألا يلتفت، بالرغم من الحظوة العلمية والفكرية الباذخة التي اعترف له بها البعيدون قبل القريبين داخل وخارج البلاد، إلى عدسات المصورين ولا إلى أقلام الصحفيين، فهو يبدو كمن لا يكترث بالظهور جسدا، بقدر ما يعنيه أن يتبدى متجليا خلف سطور كلماته التي تختزل روحه، وتقدم لقارئها زبدة الفكر “الطاهائي”  الذي استخلصه أثناء مساره المعرفي والفلسلفي الطويل.

يقول عدد من طلبته، الذين أضحوا أساتذة ومتخصصين في مجالاتهم الفكرية والثقافية، بأن الرجل سهل وطيع بدون ضعف، ومتواضع من غير ذل، وكم مرة شوهد طه عبد الرحمان في محاضراته التي يلقيها بالجامعات والمراكز العلمية بالمغرب، وقد جلس متواضعا بدون “أبهة” ولا بطولة زائفة كأنه ليس صاحب المحاضرة، بل إنه كثيرا ما يحرص على مغادرة كرسيه في منصة الندوة ليستقبل الوافدين.

عرف عنه وفق إفادات القريبين من محيطه، بأنه كثير التأمل، لا يتحدث إلا لماما، فإن تكلم تشنف له الآذان حبا ورغبة في الاغتراف من فيض علمه ومن حكمته وفكره الذي تشكل مستقلا ناضجا لم يتأثر بطول تفحصه لكتب العلماء والفلاسفة السابقين.

 

الفيلسوف المتصوف

كثيرون يرجعون السلوكيات الراقية للفيسلوف المغربي طه عبد الرحمان إلى مرجعيته وتربيته الصوفية، خاصة في أحضان الزاوية البودشيشية، وهو ما يقر به الباحث منتصر حمادة الذي يعترف بأفضال التربية الروحية التي يزكيها التصوف في بلورة تصورات “فقيه الفلسفة” ومعاملاته في الحياة.

الخطاب الفلسفي والمنطقي في كتاباته لم يكن يوما بعيدا عن القرآن ولا عن حياة المتصوفة، بل من صلبهما خرج وفيهما عرج، وهو ما يظهر في كثير من المفاهيم الفلسفية التي نحتها وهو عاكف على الآيات والسور، حتى لقب بـ”فيلسوف الأخلاق”.

وهو اللقب الذي لم يكتسبه من مجرد فكر أطلقه، وإنما بممارسة جسدها على الأرض، ويلخصها منتصر حمادة في كلمات وصفت الرجل بأنه ممن يؤثرون الله والآخرة، و”أنك إذا اقتربت رأيت ثمة فطرة وبراءة  وابتعادا عن التكلف والتصنع، وروحا شاعرية شفافة يكاد لا يملكها غيره ممن دخلوا عالم الفلاسفة المليء بالغموض، ولعلمت أن جسده بين الناس وقلبه في الملكوت”.

 

في عيون منتقديه

أبدع “فقيه الفلسفة” في ندواته وأمام طلابه في مدرجات الجامعات المغربية، وحرص أن يقدم في مؤلفاته دروسا وافية عن مبدأ “الحوارية العقلانية”، الذي بنى قواعده، ونحت مصطلحاته، في كتابه الشهير”أصول الحوار و تجديد علم الكلام”، مقدما الدليل على أنه الفيسلوف المستعد دائما للنقاش مع أطروحات المخالفين، مهما كانت توجهاتهم، وكانت عقائدهم.

ورغم البراح الفكري الكبير الذي  صنعه طه عبد الرحمان لذاته، فإن عيون منتقديه ترى في تجربته بعض النقائص، ويبقى “فقيه الفلسفة” في نظر المفكر والأستاذ الجامعي موليم العروسي، مهتما بعملية تركيبية يحبذ خلالها أخذ المفاهيم من الفلسفة الغربية محاولا سلخها، والسلخ هنا ليس بمعناه القدحي المجازي، وإنما بمعناه الحقيقي الذي يرمي إلى تحييد الجلد الغربي عن الفكرة وإلباسها لبوسا آخر ذي صبغة عربية إسلامية، وهي نفس طريقة تفكير محمد عابد الجابري ومفكرين آخرين، لا يتفق معهم العروسي على بنودها، لأنه لا يؤمن بوجود عقل جهوي وإنما بوجود عقل كوني، فالإنسان هو الإنسان بغض النظر عن انتمائه الجغرافي، ولهذا لا يمكن الحديث عن عقل عربي إسلامي متفرد، العقل الإنساني واحد، “هذا هو خلافي الوحيد مع طه عبد الرحمان”،  يضيف موليم العروسي “وربما هو الذي جعلني اليوم أتوقف عن متابعة جديده الفلسفي، بعدما كنت مدمنا على النهل من فكره أيام كانت فلسفة اللغة والمنطق صلب كتاباته، أما حين خرج عن هذا المجال فلم يعد يهمني، وخرج فكره من دائرة اهتمامي ولم  أعد أتابعه لأني لن أستفيد من أطروحاته المتناقضة مع مجال فكري”.

أما إنسانيا فيؤكد العروسي أن عبد الرحمان  مر بمراحل متعددة، مرحلة أولى متشنجة جدا في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات كان لا يقبل فيها الرأي الآخر، أما الآن فمع وصوله إلى هذه المرحلة العمرية  أصبح أكثر هدوءا وقدرة على استيعاب الغير.

وعن كتاباته يقول موليم العروسي “الكتاب الوحيد الذي أثارني هو فلسفة المنطق”، أما كتابه من العلمانية إلى الإئتمانية” فلم أستطع أن أتابع صفحاته بعدما تبين لي أن طه عبد الرحمان ابتعد عن الفلسفة ودخل في باب الاختباء وراء المجاز، وهذا له إيجابيات لكنه لا ينبغي لفيلسوف أن يبني كتابا بأكمله على المجاز، وإلا سيتحول إلى كاتب بلاغة.

وتابع العروسي “أعتبر طه عبد الرحمان فقيرا زاهدا متصوفا بالممارسة لكنه ليس متصوفا بالفكر، فلا بد له من شيخ يخضع له ولا يمكنه أن يتحمل لوحده معاناة مواجهة المطلق”.

رأي لا يتقاسمه معه الناقد المغربي سعيد يقطين الذي يرى في طه عبد الرحمان فيلسوفا فذا ورأسمال حقيقيا للثقافة المغربية، ورمزا من ارموز الحياة في الثقافة المغربية، مشيدا بكتاباته العلمية والدينية  التي تلقى صدى واسعا في المشرق قبل المغرب.

أما إنسانيا فيشهد يقطين أن الرجل يضع حدودا في علاقته من الآخرين، بسبب المرض الذي جعله يبتعد عن الناس إضافة إلى عامل التصوف والعزلة التي تدخل في تكوينه الشخصي.

كما يشهد أنه رغم مروره بفترات عصيبة في حياته، ظل يشتغل بوفاء وصل حد القسوة على الذات، لتحصيل المعرفة من جذورها، أما المشكلة الحقيقية التي يراها يقطين في تجربة طه عبد الرحمان فهي ارتباطه بالزاوية البودشيشية، وهو الارتباط الذي جعل كثيرا من الناس يتحدثون بما لا يعرفون، جعل البعض يتخذون في حقه مواقف جاهزة ولا يلتفتون إلى الجوانب الأخرى الفكرية والمعرفية التي يقدمها، وهذا عيب من عيوب التلقي الثقافي التي يعاني منها المغاربة،  بحيث ينظرون إلى المفكر من خلال صور جاهزة مكونة عنه، ولا يلتفتون إلى عطاءاته ولا يقرأونها بموضوعية، وهذا الأمر كان يغيظ عبد الرحمان كثيرا ويحوله أحيانا إلى إنسان قلق.

وفي الغرض ذاته، يقول الكاتب محمد برادة: “عرفت طه عبد الرحمان أستاذاً وفيلسوفا، الميزة الكبرى التي تميّزه هو أنه لا يشعرك على الإطلاق أن لديه علما يريد أن ينقله إليك، وإنما هو على استعداد دائم لأن يتعلم معك”.

كيف لا وقد أسس على مدى أزيد من ثلاثين عاما مشروعا فكريا متكاملا كان منطلقه فيه الاشتغال بالآليات المنطقية، ومنتهاه تأصيل الإبداع الفكري بما يجعل الأمة العربية الإسلامية أمة منتجة يضاهي إنتاجها ما يصدر عن غيرها ويساهم في بناء التجربة الفكرية للإنسان.

ومع أن كتابات طه عبد الرحمان تستعصي على غير المتخصصين في فقه الفلسفة، فالآراء تتوافق على أن فكره لا يمكن إلا أن تنحني له الهامات أينما حل وارتحل، وقد حصل من ضمن ما حاز عليه جائزة المغرب للكتاب مرتين، وجائزة الإسيسكو في الفكر الإسلامي والفلسفة عام 2006، كما أنه عمل أستاذا زائرا في العديد من الجامعات المغربية، وتقلد عضوية الكثير من الهيئات والجمعيات الفلسفية في الداخل والخارج، وشكل علامة فارقة ومفصلية في التنظير الفلسفي العربي الراهن فاستحق أن يكون أحد القامات الرفيعة في سماء الفكر والمعرفة في المغرب والعالم العربي والإسلامي.

 

رجاء بطاوي
المصدر: أسبوعية “مغرب اليوم”، الدار البيضاء، العدد 219 (السلسلة الجديدة)، من 20 إلى 26 سبتمبر 2013.