dr taha
تقويم التراث

طه عبد الرحمان من التقليد والإتباع إلى التجديد والإبداع

الأربعاء 22 مارس 2017

تقديـــم :
يواجه الفكر العربي الإسلامي اليوم أكثر من أي وقت مضى إشكاليات على درجة عالية من العمق والتعقيد أسئلة تتعلق بقضايا الفكر والنهضة والتراث والحداثة… وغيرها، شكلت كلها نماذج جديدة من البحث والتفكير بغية المساهمة في بناء التصورات، والآراء المساعدة على تخطي أزمات الحاضر ومعضلاته في أبعادها ومستوياتها المختلفة. وتبعا لهيمنة مظاهر التأخر الفكري والعلمي على الواقع العربي الإسلامي تبلورت مشاريع فكرية متعددة، برؤى وتصورات متنوعة تبعا لاختلاف القناعات الفكرية، وتباين المشارب والمصادر المعرفية، لكن كلها تصب في مصب واحد، وتجيب عن سؤال واحد هو كيفية نهوض المجتمع العربي الإسلامي وتحقيقه لشروط التقدم وصناعته.
ومن المفكرين الذين قدموا إسهامات متميزة، وإجابات جوهرية لتساؤلات الحاضر، المفكر المغربي طه عبد الرحمان الذي شكل إنتاجه الفكري مشروعا حضاريا قائما بذاته، لما تضمنه من جدة في الطرح، وإبداع في المفاهيم والمناهج، ظل يتألق ويتجذر في فضاء الفكر العربي الإسلامي المعاصر على امتداد هذه السنين، ومما زاده رسوخا راهنتيه لكل ما يعانيه الفكر الإنساني المعاصر من أزمات. فالمفكر تحسر لما لقيته الأمة العربية الإسلامية في الثلث الأخير من القرن الماضي من العنت الشديد جراء أوضاعها، فلحقها من اليأس والإحباط ما زاد من ضياعها وتيهِها. وتكشَّفَ، خلال هذه الحقبة، ارتهان الشرق لحضارة الغرب الحديث في كل مجالات الحياة؛ وتبعيته له اقتصاديا وسياسيا وثقافيا. ومن تبعات تلك التبعية وقوع كثير من أهل النظر والإبداع في الفكر العربي الإسلامي الحديث في تقليد الفكر الغربي تقليدا أضر بإنسانيتهم وهويتهم الحضارية، وجعلهم يفكرون على مقاسات غيرهم، ويضعون الحواشي على أفكار انتزعت من سياقات لا تمت لواقعهم بصلة إلا على سبيل التمحّل والرغبة في التقليد.
فالمفكر طه عبد الرحمان من مواليد المغرب 1944، تلقى دراسته الإبتدائية بمدينة “الجديدة”، ثم تابع دراسته الإعدادية بمدينة الدار البيضاء، ثم بجامعة محمد الخامس بالرباط حيث نال إجازة في الفلسفة، واستكمل دراسته بجامعة السوربون، حيث حصل منها على إجازة ثانية في الفلسفة ودكتوراه السلك الثالث عام “1972″ برسالة في موضوع ” اللغة والفلسفة: رسالة في البنيات اللغوية لمبحث الوجود”، ثم دكتوراه الدولة عام 1985 عن أطروحته “رسالة الإستدلال الحجاجي والطبيعي ونماذجه”. درس المنطق وفلسفة اللغة في جامعة محمد الخامس بالرباط منذ 1970 إلى حين تقاعده 2005. وهو عضو في “الجمعية العالمية للدراسات الحِجَاجية” وممثلها في المغرب، وعضو في “المركز الأوربي للحجاج”، وهو رئيس “منتدى الحكمة للمفكرين والباحثين” بالمغرب، حصل على جائزة المغرب للكتاب مرتين، ثم على جائزة الإسيسكو في الفكر الإسلامي.
ومن أبرز مؤلفات المفكر طه عبد الرحمان:
(اللغة والفلسفة) (رسالة في البنيات اللغوية لمبحث الوجود) (رسالة في منطق الإستدلال الحجاجي والطبيعي ونماذجه) (المنطق والنحو الصوري) (في أصول الحوار وتجديد علم الكلام) (العمل الديني وتجديد العقل) (تجديد المنهج في تقويم التراث) (القول الفلسفي؛ كتاب المفهوم والتأثيل) (سؤال الأخلاق – مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية) (الحق العربي في الإختلاف الفلسفي) (الحق الإسلامي في الإختلاف الفكري) (روح الحداثة – المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية) (الحداثة والمقاومة). (روح الدين- من ضيق العلمانية إلى سعة الإئتمانية) (سؤال العمل – بحث في الأصول العملية في الفكر والعمل).
ما نؤكد عليه مبدئيا هو أن المشروع التجديدي الذي وضعه المفكر طه عبد الرحمان يتوجه بدءا إلى تحرير المثقف أولا، لأن المثقفين هم طليعة الجماهير العربية الإسلامية، ومحدد ومسار الوعي. فتلخيص هذا المثقف في حالة الإغتراب والإستيلاب التي أركس فيها، هو الطريق الصحيح لعودة الوعي للجماهير لتكشف ذاتها الخاصة، ووضعها العام في المسار التاريخي بدل الغربة عن الفضاء الثقافي الإسلامي أو المجال التداولي العربي الذي تجد فيه الملاذ والقرار. والتخليص الذي يعنيه طه عبد الرحمان يمر عبر إعتناق الفكر العربي الإسلامي من قوالب الفكر الغربي، والخروج عن اتجاهاته حتى يمكن أن يعود له الشعور بالحياد والقدرة على الرؤية الموضوعية، ناهيك عن عملية تحجيم الفكر الغربي ورده إلى داخل حدوده الطبيعية لأنه نشأ في مناخ فكري خاص، اصطبغ بظروف ذاتية معينة.
في مشروعه الفكري أظهر المفكر طه عبد الرحمان احترافية نقدية عالية عز نظيرها لدى الكثير من مفكري زمانه، احترافية تتميز بكثير من الإبداع “إذ ارتأى تبديل فعل التأصيل بالثأثيل درءا للوثة الاسترجاع من دون إغناء أو إثراء المفاهيم”، كيف لا وهو الفيلسوف والمنطقي الذي خبر تراث الأنداد والأجداد معا، واطلع على مظاهر التقليد التي اعتبرها آفة خطيرة تهدد فعل التفكير وتسد منافذ الإبداع بكل أشكاله.
والمشروع في جملته– وهو ما يزال في طور الإكتمال– يقدم للفكر الإسلامي الحديث، وليس من المبالغة في شيء أن أقول للفكر الإنساني عامة، ما به يتم الخروج من نفق التبعية الذي افتقدنا فيه ملامح وجودنا، وعرضنا لمزيد من التلاشي والضياع. والحقيقة الساطعة في هذا المشروع أن صاحبه يضع، بكل اقتدار وخبرة خطة منهجية عملية تمكن المتفلسف العربي من الإقلاع عن التبعية، وتؤهله لأن يحقق أمرين: أن يأتي بما يستشكله هو– باعتباره مفكرا حرا– من واقعه وتراثه وهويته، وثانيهما: أن يبدع ما به يضاهي ما لدى غيره من أفكار ونظريات.
ويمكن أن نوجز أهم الدعاوى الرئيسية في المشروع الفكري لطه عبد الرحمان، في مجالين اثنين:
- فقه الفلسفة الذي طلب فيه تحرير القول الفلسفي من التبعية والتقليد وذلك من أجل تحقيق الإبداع الفلسفي المنشود بإنتاج فلسفة عربية إسلامية أصيلة.
- تأسيس الحداثة الإسلامية، بناء على النقد الأخلاقي للحداثة الغربية، وذلك عبر الجواب الإسلامي على إشكاليات العصر.
هذين المجالين تتفرع عنهما دعاوى متعددة تشكل روح وهيكل المشروع الطاهائي يمكن تحديدها كما يلي:
أولا: الحق في الإختلاف وسؤال المشروعية
وهي الدعوى التي يمكن اعتبارها “عمدة الفكر الطاهائي وذرة سنام عطائه”، من منطلق أنها ترتبط بسؤال المشروعية، أي سؤال الحق في الإختلاف. وتنقسم دعوى المشروعية إلى مشروعين كرس لهما طه عبد الرحمان عملين من أعماله، وهما تحديدا: “الحق العربي في الإختلاف الفلسفي” و”الحق الإسلامي في الإختلاف الفكري”. وواضح أن غاية ما تصبوا إليه دعوى المشروعية هو تحقيق الحرية الفكرية للأمة العربية الإسلامية بتحرير القول الفلسفي من التبعية بحيث يقتدر المتفلسف العربي الإسلامي على إنشاء فلسفته وابتكار مفاهيمه، وإيجاد الجواب الإسلامي للأمة الإسلامية.
ولعل أولى ملامح كونية الفكر الغربي الذي يسعى الغرب إشاعتها بين جميع الفئات البشرية، ومختلف أنحاء المعمورة بشتى الطرق والوسائل، تجلت بالقول بكونية الفلسفة. فهذا ديكارت يرى بأن البناء العلمي الذي تشيده أوربا من أجل العالم كافة، ومتعة التفلسف لها أهميتها الكبيرة لأن الفلسفة هي التي تميزنا عن الأقوام المتوحشين والهمجيين.
هذه الدعوى وما تعكسه من نرجسية مغالية، وتمركز مفرط حول الذات من شأنها أن تطمس وتقبر كل العناصر التي تتعارض معها. وفي سياق نقده للفكر الحداثي الغربي الساعي للهيمنة عمل طه عبد الرحمان على الكشف عن التناقضات الكامنة في صلب هذا الفكر المتمركز حول ذاته، وإبطال دعوى كونية الفلسفة. يقول طه عبد الرحمان “لئن سلمنا بعموم الإعتقاد بين جمهور المتفلسفة بكونية الفلسفة سواء في صورتها الكيانية- أي أن الفلسفة كلية- أو في صورتها السياسية – أي أن الفلسفة عالمية– فلا نسلم بصحة هذا الإعتقاد على رسوخه في النفوس… ولنشتغل بإبطال دعوى كونية الفلسفة وإثبات صبغتها القومية”.
فسواد الإعتقاد بأن الفلسفة كونية في قضاياها ومسالكها تعم الإنسانية، أو في مدلولها العالمي ضد المحلي، هو في الأصل ذو صبغة جغرافية وسياسية. ويورد طه عبد الرحمان جملة من الإعتراضات العامة على دعوى كونية الفلسفة وهي أربع:
- ارتباط الفلسفة بالسياق التاريخي الإجتماعي أي مادامت هناك فروق اجتماعية بين الأمم لابد أن تحمل الفلسفة الواحدة خصوصياتها التاريخية والإجتماعية يقول “إذن لابد أن تحمل فلسفة الأمة الواحدة الخصوصية التاريخية والإجتماعية لهذه الأمة، كما تحمل فلسفة الفرد الواحد خصوصية ظرفه التاريخي ووضعه الإجتماعي.”
- ارتباط الفلسفة بالسياق اللغوي، مبرره أن لكل أمة لسانها الذي وضع به قولها الفلسفي، وبالتالي اختلاف المضامين الفلسفية. وما دام الأدب هو الدائرة الأولى التي تحتضن مطالع الفكر الفلسفي، جاز أن تنعكس الأساليب البلاغية والصور البيانية على المحتويات الفلسفية. يقول طه عبد الرحمان : “إذن يلزم أن يكون لكل لسان أمة فلسفته التي تناسب مقتضياتها البنيوية والدلالية والبيانية.”
وبهذا فإنه لا مبرر لدعوى اللغة الجامعة التي تلغي الإختلافات اللسانية، وضرورة استبدالها بالخصوصية اللسانية التي تنكر وجود كليات بنيوية أو بنيات مشتركة في الوصف.
الإختلاف الفكري بين الفلاسفة، فلا خلاف في أن الإختلاف طبيعة إنسانية فرديا كان أم جماعيا، فداخل الأمة الواحدة يختلف الفلاسفة في أفكارهم وقناعاتهم، وتتباين مذاهبهم واديولوجياتهم، وإذا كان الأمر على هاته الحال بين الأفراد فكيف يكون بين الأمم والأقوام؟ لاشك أن الإختلاف يكون أشد والأمثلة على ذلك كثيرة كالأفلاطونية والأرسطية في الفلسفة اليونانية، والبرغسونية والوجودية في الفلسفة الفرنسية، والغزالية والرشدية في الفلسفة العربية الإسلامية. وفي هذا يؤكد “كلما يجوز أن نتكلم على اختصاص الفرد الواحد من أفراد الأمة بفلسفة ما، فكذلك يجوز بأن نتكلم على اختصاص الأمة الواحدة من أمم العالم بفلسفة ما.”
- التصنيف القومي للفلسفة: لا يخفى على ناظر في دعوى كونية الفلسفة ذلك التقسيم الذي أخضعت له الفلسفة من قبل مؤرخيها والذي اتسم بالطابع القومي، إذ صنفوها على اعتبارات عرقية قومية كالفلسفة الفرنسية والفلسفة الألمانية والفلسفة الإنجليزية، وفي الوقت نفسه يصفونها بأوصاف إجرائية محددة فيقولون: المثالية الألمانية والعقلانية الفرنسية والتجريبية الإنجليزية. يقول: “إن الفلاسفة أنفسهم يلجؤون إلى هذا التقسيم ذي الصبغة القومية مؤثرين نسبة أفكارهم إلى أقوالهم بدل إرسالها من غير نسبة، ولا يبعد أن يكون هؤلاء المؤرخون قد قلدوهم في هذا المسلك التصنيفي.”
كما يقدم طه عبد الرحمان جملة من الإعتراضات على دعوى الكونية السياسية للفلسفة، فمنذ عصر الأنوار مرورا ببعثات التبشير وصولا إلى حملات الإستعمار أخذت أوربا تدعوا إلى الكونية، وفلاسفتها ينظرون للكونية الفلسفية، غير أن هذا التنظير حسب الرؤية الطاهاتية مردود بالاعتراضات التالية:
- رد الفلسفة إلى الفلسفة الأوربية فهذا الإدعاء بأوربية الفلسفة لا طائل منه كونهم حصروا فعل الفلسفة الخالصة في الجنس الأوربي لا غير، وهذا مظهر من مظاهر المركزية الغربية حول ذاتها.
- رد الفلسفة الأوربية إلى الفلسفة الألمانية فكما كان حظ ألمانيا من النهضة الفكرية والفلسفة الحديثة كبيرا جعل فلاسفتها ينزعون الأصالة الفلسفية على جيرانهم، فيكفي ألمانيا فخرا وشرفا بأصالتها الفلسفية بأنها مهد الإصلاح الديني بزعامة مارتن لوثر وهذا ما زاد في ضيق الكونية السياسية للفلسفة، وأن الممارسة العلمية للفلسفة باتت تتمثل في الممارسة الفلسفية الألمانية.
- تهويد الفلسفة الألمانية، والذي تم بأشكال مختلفة، منها تأثر فلاسفة الألمان بفلاسفة التهود، كتأثر ليبنتز بابن ميمون، وإعجاب الألمان واليهود على السواء بترجمة لوثر للتوراة إلى الألمانية، ويقدم طه عبد الرحمان لهذا التهويد للفلسفة كانط كنموذج الذي اجتمعت فيه كل أشكال التهويد إذ يتحدث كانط في كتابه “نقد ملكة الحكم” عن نموذجية التجربة اليهودية في صلتها بالقانون الأخلاقي وإدراكها لسموه، والتوجه الأخلاقي المجرد. وكأن الفلسفة اليهودية قامت بدور الوسيط بين الفلسفة اليونانية والفلسفة الألمانية المتهودة عن طريق استغلال اليهود لغرض الحرية والحقوق إبان الثورة الفرنسية، ونفوذهم إلى دواليب الإقتصاد والتجارة، والشروع في إنشاء قومية تخصهم؛ مستندين بما جاء في التوراة لدعم فكرتهم وترسيخها في النفوس نحو الهيمنة على الإنتاج الفكري، خصوصا بعد اتساع رقعة دعايتهم وانتقالها إلى أمريكا. زد على ذلك تمهيد فلاسفة اليهود لهذا العمل، خصوصا بعد تتويج هذه القومية اليهودية واتخاذها شكلا علمانيا مع الصهيونية. ويورد طه عبد الرحمان جملة من الأسماء لفلاسفة محدثين من أصل يهودي أو لهم صلة بالمصاهرة معهم، أو أظهر أحدهم عطفا عليهم أو ولاء لهم على سبيل المثال: فرويد، برغسون، شيلر، فروم، ليفي سترويس، أدورنو، ماركيوز، تشوميسكي، دريدا…
وأقل ما يمكن أن توصف به العقلانية الغربية بدعوتها في الفلسفة بأنها أمة قد تصلب فكرها -على حد وصف طه عبد الرحمان – كونها تقبل أن تلقي بفكرها إلى غيرها من الأمم الأخرى، ولكنها لا تقبل أن تتلقى أفكار غيرها فأصيبت بوقاحة الإستعلاء، فهي بذلك أمة مستبدة تنفي صفة الإختلاف الفكري مع غيرها، وسقطت بذلك في وقاحة الإنكار وهذه هي صفات الفكر الأحدي وفي هذا يقول “وعلى هذا فإن الخاصية الجامعة للفكر الأحدي هي أن لا اعتبار معه لفكر مخالف في الفضاء العام”.
بناءا على هذه الإعتراضات يرى طه عبد الرحمان أن هذا الفضاء الفلسفي لا عالمية حقيقية فيه، وإنما هو فضاء فكري قومي مفروض، فضاء معمم على الجميع بأسباب لا صلة لها بالفلسفة التي تحيا بالتنوع لا النمطية. ومن هذه الحقيقة وجب وضع خطط خطابية لقيام فضاء فلسفي عربي إسلامي من اجل تحقيق الحرية الفكرية للأمة العربية، وأن نتميز عن غيرنا في المعترك الفكري المقبل، بأن يكون لنا حقنا في الإبداع الفلسفي المختلف، وأن نضع الكيفية التي بها نحقق ذلك الاختلاف وذلك بتحرير القول الفلسفي من التبعية للفلسفة الغربية، بحيث يقتدر المتفلسف العربي على إنشاء فلسفته وابتكار مفاهيمه، وإيجاد الجواب الإسلامي للأمة الإسلامية، وهذا ما فصل فيه طه عبد الرحمان مسألة القول الفلسفي.

بوزبرة عبد السلام