dr taha
دراسات عن طه

ورقة د. عبد الوهاب شعلان حول علاقة النص والعقل عند طه عبدالرحمن

الثلاثاء 7 يونيو 2011

النص والعقل : نحو عقلانية إسلامية*
يمكن اعتبار ما يكتبه الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن يندرج في سياق التأصيل الحضاري للعقلانية ، فعبر مشروعه الهام يحاول طه عبد الرحمان أن يضع الأسس الكبرى التي يمكن أن تحكم تجربة ” الحداثة الإسلامية ” كما يصفها . فهو مشغول بهم التنظير ووضع القواعد المنهجية الرئيسية في التعامل التراث والنصوص والظواهر. يحاول الباحث أن يبلور أطروحة أصيلة في تجديد العقل الإسلامي ، منطلقا من روح الحداثة وليس من تجربتها في النموذج التاريخي الغربي .
ولعل ما يميز عمل الباحث عن مشاريع الفكر العربي المعاصر الأخرى هو قدرته الكبيرة على التنظير والمنهجية وهيكلة الأسس والقواعد التي تضبط تجربة الفهم والنظر في النصوص ، يلحظ عبد الرحمن هيمنة مفهوم العقلانية في كتابات المفكرين العرب بمصطلحاتها المختلفة : ” العقل ” ، و ” العقلية ” ، و ” التعقيل ” ، و ” المنهج العقلاني ” … ودون أن يخوض في ما خاض فيه كثير من الدارسين من تبشير بهذه النزعة ، واعتبارها الخلاص من الانسداد والتخلف ، وغيرها من شعارات الكتابات النضالية ، سلك عبد الرحمن مسلك التقعيد النظري ، فهو ينحو إلى تقسيم العقل إلى : عقل مجرد ، وعقل مسدد ، وعقل مؤيد ، ويرى أن العقل المجرد هو » عبارة عن الفعل الذي يطلع به صاحبه على وجه من وجوه شيء ما ، معتقدا في صدق هذا الفعل ، ومستندا في هذا التصديق إلى دليل معين « (1) ، أما المسدد فهو » الفعل الذي يبتغي به صاحبه جلب منفعة أو دفع مضرة ، متوسلا في ذلك بإقامة الأعمال التي فرضها الشرع « (2) ، ويكون المؤيد » عبارة عن الفعل الذي يطلب به صاحبه معرفة أعيان الأشياء بطريق النزول في مراتب الاشتغال الشرعي « (3).
وهكذا يهيكل الباحث أقسام العقل ضمن الأبعاد الكونية والدينية والروحية . ويمضي عبد الرحمن في هذا المسار ، واضعا مقدمات لكل قسم وحدودا ، مركزا على آفات كل عقل ، مما لا يسمح المقام في التفصيل فيها بشكل مستفيض .
وفي سعي منه لإرساء نزعة عقلانية أصيلة ، يحاول طه عبد الرحمان تفكيك الأسس والمنطلقات الفلسفية والمنهجية لما سماه ” بالقراءات الحداثية المقلدة ” التي تنتهج مسالك الحداثة الغربية خاصة في قراءة النص القرآني ، ويذكر من أعلام هذه القراءات الحداثية المقلدة الذين اهتموا بتفسير الخطاب القرآني في ضوء فتوحات الحداثة الغربية ومنطلقاتها الفلسفية والفكرية ، يذكر محاولات محمد أركون ، وعبد المجيد الشرفي ، ويوسف صديق ، ونصر حامد أبو زيد ، والطيب تيزيني ، وحتى حسن حنفي في تأويله الموضوعاتي للقرآن (1) . وبعمل منهجي دقيق يفكك طه عبد الرحمن خطط هذه القراءات وأصولها واستراتيجياتها ، كاشفا عن ” هدفها النقدي ” وآلياتها التنسيقيـــــة و ” عملياتها المنهجية “.
يحفز الباحث في خطط هذه القراءات ليبين منطلقاتها الأصيلة القائمة أساسا على ” التأنيس ” أو ” الأنسنة ” (2) أي رفع جانب القداسة عن النص الديني ، وخطة التعقيل أو العقلنة (3) بتجاوز البعد الغيبي ، وخطة التأريخ أو الأرخنة (4) أي التعاطي مع النص القرآني في ضوء تحولات التاريخ والثقافة . ويذهب الباحث إلى تفكيك العمليات المنهجية الخاصة بكل خطة ، ثم يمضي إلى نقد هذه القراءات وبيان جوانبها التعليمية التي تتناقض مع ادعائهم الحداثة والإبداع والإضافة .
إن هذه الخطط التي استلهمها أصحاب القراءات الحداثية الغربية للنص القرآني إنما تكشف عن وجه لإحداثي ، بل مناقض لأصل الحداثة القائم على الإبداع وتجاوز الأنماط والأشكال والرؤى السائدة ورفض المسلمات والمنطلقات القبلية ، وإذ يدعو هؤلاء الحداثيون إلى إعادة فهم وتفسير النص القرآني في ضوء العقلانية والحداثة ، فإن خطابهم لا يعد و أن يكون استنساخا لتجربة تاريخية معينة هي تجربة المجتمع الغربي في حقبة معينة . وعلى هذا الأساس يلاحظ الباحث أن هذه الخطط ليست سوى إعادة إنتاج تجربة عصر الأنوار في أوروبا أي تجربة مرت عليها قرون . لقد أنبنى الفكر التنويري الغربي على أسس ثلاثة هي : مركزية الإنسان والعقل والانطلاق من العالم الدنيوي ، ومثل الأساس الأول مواجهة لمركزية الإلهي ، والأساس الثاني لمحورية الغيب والميتافيزيقا ، والأساس الثالث لهيمنة التصورات الأخروية إبان القرون الوسطى .
وهكذا تبدو هذه الخطط – في نظر الباحث- فروعا عن هذه الأسس الأنوارية الكبرى (1) بشكل يخلو من الإضافة والأصالة والإبداع.
وبعد تفكيك أسس العقلانية التقليدية ، يقدم طه عبد الرحمن تصوره لما سماه ” الحداثة المـــبدعة” أو ” الإبداع الموصول ” من خلال إعادة النظر في هذه الخطط انطلاقا من روح الحداثة ، وبالتفاعل مع البعد الحضاري الإسلامي ، بحيث أن كل واحدة من هذه الخطط » تزاوج بين تفاعل الديني الراشد والفعل الإبداعي الجديد « (2)
إن عمل طه عبد الرحمان ينهض على رهان التأسيس والتأصيل ، ويروم أن يكون محاولة عميقة وأصيلة في تكريس وعي إسلامي حضاري مبدع . وهو بشكل أخر يسعى إلى ترشيد فهم النص القرآني والشرعي عامة بما يتماشى وخصوصياته المقدسة والمتعالية ، وبما يضمن كذلك التفاعل الخصب مع فتوحات المعرفة المعاصرة وإنجازات الحداثة ، شرط استيعاب روحها ومضامينها الإنسانية الأصيلة ، وليس التعلق بأشكالها التاريخية العابرة .**

(1) طه عبد الرحمان ، العمل الديني وتجديد العقل ، المركز الثقافي العربي ، بيروت – الدار البيضاء ، ط3 ، 2000 ، ص 17 .

(2) المرجع نفسه ، ص 58 .

(3) المرجع نفسه ، ص 121 .

(1) طه عبد الرحمان ، روح الحداثة : المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية ، المركز الثقافي العربي ، بيروت – الدار البيضاء ، ط1 ، 2006 ، ص 177 .

(2) المرجع نفسه ، ص 178 .

(3) المرجع نفسه ، ص 181 .

(4) المرجع نفسه ، ص 184 .

(1) راجع طه عبد الرحمان ، روح الحداثة ، ص 189 .

(2) المرجع نفسه ، ص 196 .
——————————————-
*الورقة منتزعة من دراسة الباحث المعنونة ” النص الشرعي وحدود النظر العقلي
دراسة نقدية في آراء بعض المفكرين العرب”
** د. عبد الوهاب شعلان
من قسم اللغة العربية وآدابها
المركز الجامعي سوق أهراس