dr taha
قالوا عن طه

نهاية العقل الهارف وبداية العقل العارف

الأربعاء 12 فبراير 2014

لا يختلف اثنان في أنه لم يخلو الزمان العربي والإسلامي من رجال العلم والمعرفة الذين ساهموا في تشييد صرح الحضارة العالمية لبنة وهم في مواجهة كل المكائد والمحن التي يختلقها المفترون والمتفانون في إشاعة التضليل والجهل والفتن… لكن الحق كان ظهورا والباطل كان زهوقا…، وفي زماننا المعاصر بزغت ثلة من الهارفين ـ في المعني اللغوي العربي – الذين إمتهنوا التقليد كما الغراب الأبله، فأضاعوا الخطى وظلوا السبيل وكتم العارفون غيظهم…، فاختلط علينا ـ نحن القادمين ـ الحابل بالنابل، وبلغ بنا اليأس أقصاه والعجز مداه، فاكتفينا بالتأمل والصبر، وأبقينا على الغصة في حلقنا والغمة في صدرنا أينما ولينا وجهنا وإلى حين…، وهكذا كنا وصرنا فاعلين إلى أجل مسمى حيث حزت النفس ظلمات الحصار المضروب على مشروع الفلسفة الإنقلابية التنويرية وعلى صاحبها الفيلسوف “البراني” في مدينته “الفاضلة”. (انظر جريدة المنظمة – 18/5/99)
فرفضنا التستر على هذا الصنيع المحبوك واهتدينا إلى ممارسة أسلوب التنبيه من باب “الذكرى تنفع المؤمنين” اقتداءا بآبائنا الأولين الذين كان بعضهم يشير للبعض على العلماء الصالحين لتشطير مسؤولية حمل الأمانة عينا وكفاية بين أفراد الأمة الآمنين.
وهكذا عدنا لنشهد على الناس مذكرين بأنه في الآونة الأخيرة جاد الزمان على الوطن العربي بفيلسوف حر ذي قلب خالص وعقل عارف، خرج هذه الأيام المشارقة “أولا…” بكتابة الثاني “القول الفلسفي” الذي بلغ إلى علمنا صدوره. فعلا، خرج طه عبد الرحمان يقول الفلسفة ويكلم الحكمة ويُفند “التقويل الفلسفي” مستثمرا تكوثر اللسان وأسرار الميزان ومعجزة القرآن ليصحح المفاهيم والمناهج، وينشئ فلسفة عربية إسلامية مباركة لا غريبة ولا عجمية ولا رشدية، فمن هنا المفاهيم الكونية التي تفتقت معالمها في حجر “فكرانية” صنمة كبديل عن عقلانية فرعونية تبدع في إسهال الكلام والخطاب وتسارع بالرفض الأعمى لكل طرق الحق وأوجه الصواب؛ ومن هناك ريادة المغرب الحقة وتميزه بالفلسفة الحية في العالم العربي والإسلامي. فلنأخذ حذرنا من العقلانية المتخشبة والمجسدة في “لوبي” أدعياء الفلسفة الذين يتبعهم الغاوون والذين استعجلوا محبة الحكمة؛ فعوقبوا بالحرمان منها واستنبتوا فراغات هذا الحرمان بالويل والثبور وجازفوا مجازفة خطيرة بتدمير الذات البريئة من حيث كانوا يهرفون.
وكما اعتادوا النقل وانتصروا للمنقول وقولوا الفلسفة ما لم تقل، استنسخوا بمهارة “صنعة الإجازة” ونقلوها إلى عالم “ورثة الأنبياء” المقدسين، ثم مأسسوها ورتبوا عنها آثارا بيروقراطية أجيرية بما فيها علاقة “التابع والمتبوع” ضدا على حرية التعبير والمعرفة والإبداع بحيث رسخوا سلوكات لا علمية ولا أخلاقية تتمظهر في الاسترزاق والتهافت على الامتيازات واستقراب الطالح واستبعاد الصالح، وسخروا هذه الأقلام تسخير السحرة للجن والشياطين لتفعيل سياسة الأنعام في محراب العلم والإلهام، فأضحى مثلهم كمثل القط المغبون الذي تظاهر بالعزوف عن تناول أكلة “الحكمة” أسالت لعابه.. لكن الحقيقة يعلمها الداني والقاصي، والبادي والعادي، وعينها أن جمال الحكمة مستحيل الوصال بما هم فيه وأن جلال المنطق عصي المنال على ما هم عليه، وقد أراح صدرنا في كبرنا استيعاب مؤلفات “من قبلنا” من صدمات الدهشة والاستغراب حين استشرفت مستقبلنا منذ عابر الأزمان وأنذرتنا في طفولتنا عند الانخراط في حميميتها بأوصاف معاناة الحاضر مع “أهل التخريف”، وكان ما كان في “كليلة ودمنة” وغيره من النصوص الحكمية والهزلية وما ينطبق على أحوال هؤلاء بالحرف وبدون جدال.
وكيفما كان الحال، فإنهم لن يصنعوا ما شاءوا ولن يفلحوا في طمس حقائق التاريخ والمستقبل القريب والبعيد ولو لم يستحيوا أو ولو وضعوا عربتهم أمام “الجواد” او عصاهم في عجلة التاريخ، إذ سمح لنا الدهر منذ أمد غير يسير بمتابعة عن كثب جل ما ينشر في الجرائد والمجلات الوطنية والعربية من فكر وفلسفة وأدب، وأيضا مطالعة أو تصفح حسب الاهتمام أغلب الكتب الصادرة في هذه المجالات، فتكونت لدينا القدرة على التمييز بين الغث والسمين منها، بين هذا وذاك من المؤلفين وعلى اختلاف مذاهبهم ومرجعياتهم وبين ثقافة الماء وثقافة الحجر، واتضح لنا بأن الزمان سيأتي بما يحرج حسب المقال والمقام أولئك “الهارفين” الذين يتمادون ويصرون على التغاضي عن الإحالة على أستاذنا السابق طه عبد الرحمان رغم الاعتماد الصارخ في اقتباساتهم المباشرة والغير المباشرة على فكره المنتشر إشعاعا ومصطلحاته المتكاثرة إبداعا، وسوف يكون هذا هو همنا الأول وهاجسنا الواحد إن شاء الله، ومن أجل ذلك سيكون قلمنا صادق الأبناء وحبره في غاية الصفاء، و”غوايتنا” جامعة بين قوة الحلاوة وحدة المرارة و”ظلمنا” أشد بسالة وضراوة، وسيبقى سؤالنا التعجبي التالي مطروحا إلى حين الإجابة عنه في أجله المقدر: هل الأمانة العلمية ليست من سيرتهم في شيء أم أنهم ذبحوا الفلسفة ذبح الشاة القفية ولم يريحوا ذبيحتهم؟!
فهذا كله يؤهلنا حاليا بان لا نخاف في الله لومة لائم لكي نذكر بأن طه عبد الرحمان، كليم الفلسفة والحكمة، والزاهد في المنصب والمال، والراغب في العلم والحال، هو بكل صراحة نموذج العالم الأنسب في المكان الأنسب إذ يمثل بامتياز الرمز المنشود راهنا في عامل الفكر والثقافة لانعتاقنا وتحرينا من تناحر المبادئ ونزيف القيم وجري العولمة مجرى “الأمر العالمي الجديد” في الدم والعقول.
لقد تبدى لنا اليوم بأن حاجتنا إلى روح الصدق وعلم المنطق “وفقه الفلسفة” وتداخل المعارف… في تزايد مستمر لنثبت هويتنا ونعلن جودتنا للعالمين، وأصبحت مسؤولية المفكر أكبر جسامة وأكثر جدارة بإعادة النظر في طبيعتها وعناصرها، فلا مقر من تحديد المسؤوليات في هذا الميدان على شاكلة الميادين الأخرى حتى نستعيد الاعتبار في صلب الصراع الثقافي العالمي الذي لاحت مؤشراته في الأفق… ومن قال بغير ذلك فقد طار صوابه وهرف بما أصيب من مس الجنون أو بما عقل من تلبيس الإبليس.

حارث أبو همام
المنظمة، الدار البيضاء، العدد 637، 18 يونيو 1999.