dr taha
نقد الحداثة

الحداثة وسؤال الأخلاق

الجمعة 10 يناير 2014

لم تبق الحداثة حبيسة بيئة الثقافة الغربية بحكم منبتها ومنشئها، بل ذاعت وراجت وامتدت إلى بيئات غير بيئتها باسم التحديث والتجديد، فأصبحت من المفاهيم الأكثر تداولا في الدراسات الفكرية والأدبية والنقدية العربية والإسلامية، وتستخدم على نطاق واسع، وتستند إليها فلسفات متزايدة الحضور والحظوة. كما أن بعض الأوساط والمؤسسات الثقافية تتطلع بدور المنبر لهذا الاتجاه الجديد بدعوى محاولة التثريب بين النموذج الحداثي الغربي والتراث الفكري العربي الإسلامي، بل غالبا ما يستخدم هذا الوافد بغموض وارتجال للتعبير على دلالات متباينة متغايرة، تعكس مدى استفحال التبعية العمياء للحضارة الغربية، وعدم القدرة على التمييز بين خصوصيات كل حقل تداولي. بيد أن هذه الحالة التي آل إليها واقع الفكر العربي الإسلامي أفرزت مشاريع ورؤى ناقدة لواقع الحداثة الغربية، وهذا ما نلمسه في موقف طه عبد الرحمان من الحداثة الغربية؛ حيث عمد إلى نقد مقومات حضارة الغرب الحديث، وذلك بالكشف عن الأسس التي تقوم عليها، والأساطير التي تنبني عليها. في كتابه سؤال الأخلاق انتقد الحضارة الغربية ووجد أن حركيتها لا تنضبط بأخلاق؛ فهي حضارة ظالمة ناقصة متأزمة متسلطة، كما أن حداثتها نبذت الدين والأخلاق من منظومتها الفكرية. وعقلانية تلك الحضارة غيبت الأخلاق في العلم ولم تهضم حقيقة الغيب؛ فصارت المعارف بدون مقاصد. وبهذه العقلانية استنجد أهل الحداثة من المفكرين العرب، واتخذوها آلية للنهوض بواقعهم في عالمهم الإسلامي.
1- درجات العقلانية وتفاضل مراتبها
يؤكد طه عبد الرحمان في كثير من مؤلفاه وحواراته على أن العقلانية ليست واحدة، وإنما عقلانيات عدة حتى تكاد لا تحصى، إلا أنها تتفاوت في مبادئها وتتفاضل في غايتها ومقاصدها حيث يقول “وقد التبس الأمر على دعاة العقلانية من المحدثين، فظنوا أن العقلانية ومقاصدها حيث يقول” وقد التبس الأمر على دعاة العقلانية من المحدثين، فظنوا أن العقلانية واحدة لا ثانية لها، وأن الإنسان يختص بها بوجه لا يشاركه فيه غيره. وليس الأمر كذلك إذ العقلانية على قسمين كبيرين، فهناك العقلانية المجردة من الأخلاق؛ وهي التي يختص بها دون سواه، وخطأ المحدثين أنهم حملوا العقلانية على المعنى الأول وخصوا بها الإنسان.”
1- حدود العقلانية المجردة وسبل مواجهتها
أ-1 التعريف الأرسطي للعقل: تعتبر الفلسفة الأرسطية المورد الرئيسي للعقلانية إذ يرى أرسطو بأن العقل ما تتفكر به النفس وتعقل المعاني. فالعقل بهذا عبارة عن جوهر قائم بالإنسان يختلف به عن الحيوان، ويستعد به لقبول المعرفة. أي جوهرا أو ذاتا قائمة بالإنسان، أي مكتفيا بذاته ومستغنيا عن غيره، يفارق بها الحيوان، ويستعد بواسطتها لتحصيل المعرفة واليقين، وفق مبادئ العقل الأولية المفطورة في الطبيعة الإنسانية، وهي التي تنظم أفعال العقل وتنسق المعرفة، وتضمن الصدق في الأحكام والتناسق المنطقي.
كما تختص هذه المقدمات بصفتي الصدق، والمراد بالكلي ما يصدق على جميع أفراد النوع الإنساني من جهة ما هي كائنات عاقلة. هذه النظرية الأرسطية كان لها الحضور القوي – كما يرى طه عبد الرحمان – في تاريخ الفكر الإسلامي، فإشكالية العقل انتقلت– وبثقلها– إلى الفلسفة الإسلامية التي تبني بفض رموزها ومفكريها النظرية الأرسطية، أي جوهرانية العقل، والحقيقة غير كذلك، فهذا الفهم للعقل لا نجده في نص من النصوص الدينية، وكل ما نجده هو أن العقل فعل من الأفعال التي يقوم بها الإنسان، ولا فرق بينه وبين باقي الملكات الأخرى، يقول” إن العقل يدخل في باقي الأفعال الإنسانية فمثلا المبصر يبصر وهو يعقل في بصره، والسامع يسمع وهو يعقل في سمعه، والعامل يعمل وهو يعقل في عمله.”
وما دام العقل فعلا من الأفعال، وسلوكا من السلوكات التي يطلع بها الإنسان على الأشياء في نفسه وفي أفقه؛ بقي لنا أن نتساءل: ما هي الذات الحاملة لهذا الفعل؟
يرى طه عبد الرحمان أن الجواب واضع بشأن هذه المسألة؛ فالقرآن لم يتركها للظن والتخمين؛ ويؤكد على أنها القلب الذي يختص بالفعل العقلي لقوله عز وجل ” أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور”. سورة الحج الآية 46.
فالعقل فعل من أفعال القلب أي الفؤاد، فكما أن للسمع أداته الحاملة وهي الأذن، وللبصر أداته الحاملة وهي العين، فإن للعقل أداته الحاملة وهي القلب، والقلب قوة لا تبقى على حال؛ إلى حال، فشأن المحمول أن يتبعه في تقلبه وتحوله، وهو العقل أي الفعل، هذا التغيير والتشعب والتقلب عبر عنه طه عبد الرحمان بلفظ “التكوثر”*. يقول “لأن الأصل في العقل هي الكثرة وليس الوحدة كما يعتقد عامتهم وخاصتهم، فالتكوثر يجلب للعاقل ما في ظهور إنسانيته وارتقاؤها في متراتب متفاوتة، حتى تشرف على أفق الكمال العقلي، فالعقل إذن يتكوثر من أجل جلب المنفعة لصالحه آجلا أم عاجلا، أما العقل الذي يجلب المضرة له هو العقل المتقلل، أي الواحدة الذي لا يتغير.”1
كما أن تخصيص العقل بصفة الذاتية أو الجوهرية يجعله منفصلا عن صفات أخرى للعقل تشارك في تحديد ماهية الإنسان كالعمل والتجربة، ثم أن جواز التسليم بجوهرية العقل على الطريقة اليونانية الأرسطية، يقتضي منطقيا جواز التسليم بجوهرية العمل وجوهرية التجربة، فيكون العمل هو الآخر ذاتا قائمة بالإنسان أيضا، وهذا القول بتعددية الذوات يقسم الظاهرة الإنسانية إلى جهات متباينة ومتضادة لأحيانا لا تعالق بينها ولا ارتباط، ويتجاهل حقيقة وحدة الإنسان في تكامل أوصافها وتداخل أفعالها.
وكبديل لمفهوم العقل يطرح طه عبد الرحمان مفهوم الفعل أو العمل كمبدأ لتحديد ماهية الإنسان ومن المعلوم أن الفعل لم يرتبط بشيء قدر ارتباطه بالأخلاق، فيتحدد تبعا لهذا أن التخلق يكون مقابلا للتعقل، وعلى هذا الأساس تكون الأخلاقية هي الأصل الذي تتفرع عليه كل صفات الإنسان من حيث هو كذلك، والعقلانية التي تنسب إليه يجب أن تكون تابعة لهذا الأصل الأخلاقي.
أ-2 / التعريف الديكارتي للعقل اقترنت العقلانية في العصر الحديث باسم ديكارث (1596-1650) حتى كانت التسمية ” العقلانية الديكارتية” والتي لها مكانة نوعية في تاريخ الفلسفة، والتعصب لها كان كبيرا في العصر الحديث والمعاصر، ارتبطت العقلانية عند ديكارت بالمنهج الذي يرى بأنه مجموعة من القواعد مؤكدة وبسيطة، إذا راعاها الإنسان مراعاة دقيقة كان في مأمن من أن يحسب صوابا ما بعده خطأ، واستطاع أن يصل بعقله إلى اليقين في جميع ما يستطيع معرفته. فإمكانية معرفة الحقيقة بواسطة العقل دون مساعد آخر كما يرى ديكارت، تؤكد على قدرات الإنسان اللامحدودة، فالعقل بهذا يرفض من حيث طبيعته الاعتراف بسلطة أخرى غير سلطته. فالعقل يوجب أن يكون هو الحكم الأعلى، وهو في الوقت نفسه النور الطبيعي الذي يضيء طريق الإنسان، بل أكثر من ذلك، فأن جميع مسائل العلم والرياضيات والحياة العلمية قابلة للحل عن طريق النور الطبيعي للعقل، متبعا نسقه الطبيعي الخاص.
فالعقلانية الديكارتية عند طه عبد الرحمان لا تفي بالوظيفة التي يقوم بها القلب، وهي ربط الأشياء بعضها ببعض؛ أي أنه يقيم علاقات بين الأشياء؛ إلا لأن هذا الربط اختلف بين اليونان والغرب اليوم، فاليونان سلموا بربطية العقل؛ على أساس إن هذه الربطية تشمل الكون كله بل وتقيم فيه وبداخله (اللوغوس)؛ في حين أن الغرب الحداثي ينظر إلى العقل على انه ربط أيضا؛ ولكنه ربط بين وسائل وغايات، وهذا ربط إجرائي وهو ما يسمونه بالعقل الأداتي. فالعقلانية الأداتية قائمة على مبدأ أنه لا بد من إيجاد الوسيلة المناسبة للغاية، حتى أن هذه الغاية بدورها تتحول إلى وسيلة لغاية أخرى… بمعنى أن الكل يصبح موسلا وفق حركة التتابع والتوارد، وصولا إلى انعدام الغايات وانتهائها، وبهذا فالعقلانية الديكارتية لا تستجيب لشرط النفع في المقاصد، والنجوع في الوسائل أي أنها تنتهي دائما إلى أنه لا يقين في أن الوسائل المستخدمة ستكون ناجعة، ولا يقين في أن الغايات المخاطر من أجلها ستكون نافعة. فالمنهج العقلي العلمي سعى إلى فهم الطبيعة وقوانينها لإخضاعها في خدمته من أجل الوصول إلى السيادة التقنية، لكن ما حدث هو العكس؛ يقول طه عبد الرحمان “وما انقلاب التقنيات هذه على الإنسان إلا لأنها أخذت تستقل لنفسها وتسير وفق منطقها بغير بصيرة من الإنسان وفق مبدأين كلاهما يضر بالإنسان في هذا الكون لاعقلاني ولا أخلاقي.”1
و ما دام أن المنهج العقلي العلمي محدود النفع في المقاصد فهو كذلك محدود النجاعة في الوسائل، فالثورة العلمية الكبرى في عصر النهضة وما بعدها أكدت على ضرورة دراسة الطبيعة دراسة عصرية، وهي الدراسة الوحيدة التي أدت إلى تطور علمي منتظم وشامل خلافا للأساليب التي تقدم بها الأقدمون في ميدان الفلسفة الطبيعية، وبعيدا عن التصورات اللاهوتية والإديولوجية، وفق ما يصطلح عليه في ميدان الفكر العلمي بالموضوعية،إلا أن التوسل بهذا المبدأ في فهم ظواهر الطبيعة لم يحقق شرط النجاعة؛ لأنه أفرغ كل القيم والمعاني الأخلاقية بحجة قطع الطريق أمام الذاتية بإسم الملاحظة المباشرة والتجربة العيانية. يقول: أصبحت المعاني الدينية والقيم الأخلاقية تعد عندها بمنزلة عوائق أو عقاب؛ تثبط العمل العلمي وتخرجه عن حقيقته وفائدته، والصواب أن تحصيل تمام الموضوعية غير ممكن، وكل ما تفعله هذه الممارسة العقلانية هو أنها تستبدل بالمعاني الأخلاقية الدينية، قيما أخرى غير دينية وغير أخلاقية بما فيها الموضوعية نفسها.”1
وتبعا لعدم وفاء العقلانية الحداثية عموما والديكارتية خصوصا بالنفع في المقاصد والنجوع في الوسائل؛ يرى طه عبد الرحمان أن هذه لن تتحقق إلا في ظل العقلانية الإسلامية الإيمانية، فالتصور الإسلامي له ربط إجرائي من نوع آخر مختلف تماما، حيث أنه يربط بين الوسيلة والقيمة، فيربط الأسباب بالقيم، فبهذا التصور سترفع القيمة الوسيلة إلى مستوى فوق المادي؛ حتى ولو كانت الوسيلة مادية فهي تحقق دائما معنى مثالي.
فالعقلانية الإسلامية الإيمانية تقتضي إختيار القيمة التي يحصل التقين في نفعها؛ واختيار الوسيلة التي يحصل اليقين في نجاعتها، والوحي الذي نزل هو الذي يمد الإنسان بهذا اليقين. ولو تتبعنا فكرة طه عبد الرحمان في فحصه لواقع الفلسفة الغربية الخالصة لفهمنا دعوته بلزوم تكسير طوق العقل وتفادي العقلنة، يقول: ومتى كان لا يجوز للنقدية الفلسفية أن تؤسس العقل على ذاته، لئلا تقع في مغالطة قلب الترتيب، لزم تكسير طوق العقل بأن نؤسسه على أصل غيره حتى نتجنب الدور، وبأن نطلب هذا الأصل فيما لا يقبل التأسيس العقلي حتى نتفادى العقلنة.
2- العقلانية المسددة والمقاصد النافعة
بعدما فرغ طه عبد الرحمان من فحصه للحداثة الغربية وعقلانيتها المجردة، ببيان مفاسدها وحدودها، في كونها لا تفي بالمقاصد الكلية، والغايات التكاملية للإنسان، مظهرا الإلتباسات التي غشيت أعمال دعاة العقلانية والمحدثين وما أفرزته من أزمات، ومن أجل تخليص الفكر العربي والإسلامي من الورطة التي أوقعته فيها العقلانية الحداثية الفاسدة. نجده يقترح نسقا عقليا أوسع لتجاوز النسق الحداثي الضيق، ومرتبة أرقى من العقلانية المجردة اصطلح عليها: العقلانية المسددة، والتي هي بمثابة البديل الممكن لمعالجة مشكلة حدود العقل المجرد؛ أي هي عملية إكمال لهذا العقل، ويتم هذا من خلال الربط بين النظر المجرد وبين العمل على مقتضى الشرع، يقول: “ولما كان العقل المجرد بفضل تنزيله على العمل وتوجيهه على مقتضاه، يأخذ في ترك وصفة العقلاني الأصلي ليتجه إلى الإتصاف بوصف عقلاني أفضل وأعقل، وارتأينا أن نخص هذا العقل الذي يسدده العمل ويجدد لباسه بإسم “العقل المسدد” ونحن ماضون بإذن الله إلى وصفه والنظر في مدى وحدود إمكاناته في تكميل الحال العقلي للإنسان”1 ، فكسر طوق العقل المجرد ضروري من أجل طلب التسديد لهذا العقل من قوة ليست من جنس قوته، فتلقح وتغصب العمليات العقلية، وتفتح للعقل المجرد آفاقا بواسطة العمل ما لا يفتح له بدونه. يعرف طه عبد الرحمان العقل المسدد بقوله: ” إن العقل المسدد عبارة عن الفعل الذي يبتغي به صاحبه جلب منفعة أو دفع مضرة، متوسلا في ذلك بإقامة الأعمال التي فرضها الشرع”2. وتأملا في هذا المفهوم نستجلي المقصد الذي حدده طه عبد الرحمان وهو مقصد خلقي؛ أي إعادة ربط القول أو العقل بالعمل في حقل المعرفة، وقيمة الأفكار بخاصة الفلسفية منها، تكون أكثر فاعلية إذا تلبس بها صاحبها في سلوكه بمقتضى الشرع؛ أي مهتديا في قوله وفكره وعمله بالمقاصد التي حددها الشرع في ثباتها وشموليتها وفي جلبها للنفع ودفعها للضرر هذا يعني أن صاحب العقل المسدد قد حصل اليقين في القيم، ولكنه لم يحصل اليقين في النفع هذه القيم ولا في نجاعة الوسائل، فيبقى هناك تفاوت، لكنه مسدد لاختياره تلك القيم في نفعها كما حصل اليقين في نجاعة الوسائل التي توصله إلى هذه القيم. ولا يمكن للعقل أن يهتدي إلى المقاصد النافعة إلا إذا كان على صفة التخلق التي تلقى في فهمه ما يبصره بهذه القيم العليا. ولهذا فدعوة طه عبد الرحمان هي لاشروع في بناء حضارة جديدة لا يكون السلطان فيها لـ “اللوغوس، وإنما يكون فيها لـ “الإيتوس” أي الخلق، بحيث تتحدد فيها حقيقة الإنسان لا بعقله أو بقوله، وإنما بخلقه أو فعله. ولا مناص من أي نهيئ الإنسان لحضارة “الإيتوس” إذا أردنا أن يفلح الإنسان في العاجل وفي الأجل، كمساهمة من الفيلسوف المجدد-كما يفضل البعض تسميته- في بناء فلسفة عربية إسلامية مأصولة كان قوله بالحق العربي في الاختلاف الفلسفي، والحق الإسلامي في الاختلاف الفكري، مخالفا بذلك ما أشيع عن الفلسفة كونها مغرفة كلية تجريدية وبرهانية، حيث أن أخطر ما في هذا التصور التقليدي للفلسفة، هو أنها مجرد نظر أو معرفة لا تستوجب أي عمل، ولا يقتصر هذا الاعتقاد على الحضارة الغربية التي تعيش أزمة القصد واليقين الناجمة عن فصل العقل عن الغيب، بل إن هذا الاعتقاد كان له أثر وخيم على الحضارة الإسلامية، حيث أن الاشتغال بالفلسفة ظل مبعث الشبهات؛ ليس لسبب مخالفة أهلها لبعض ضوابط المجال التداولي الإسلامي، أي القواعد العامة التي تضبط العقيدة واللغة والمعرفة، بل بسبب خوضهم في أمور معرفية لا يصدقها عمل وليس من ورائها منفعة. ومن أجل هذا يشترط طه عبد الرحمان في الفلسفة أن تكون عملا بنفع، أي أن تكون معرفة من أجل العمل وحكمة هادية إلى مكارم الأخلاق، وهنا تبرز الدعوة الطاهائية إلى حضارة الفعل والحد من هيمنة القول على الفعل؛ أي اتحاد النظر بالعمل، وربط السلوك بالممارسة الفلسفية، والاحتكام إلى الأفعال في مقابلتها بأبنية العقل المجرد.
وفي سياق تفصيله في رتبة العقل المسدد وعلاقته بالمقاصد النافعة يؤكد طه عبد الرحمان على أن تكاليف الدين هي التي اختصت بالذات باسم المقاصد وهي أنفع المقاصد وأيقنها، ولا يمكن لها أن تنعطف عواقبها بالضرر كما تنعطف به عواقب غيرها من المقاصد، كونها تنطوي على قيم مصلحية مغياة من الأحكام الشرعية والمرتبطة في تحققها واقعا بالقصد الإرادي من المكلف. وبهذا فإن الأعمال الشرعية ليست مقصودة لذاتها، وإنما القصد منها معانيها أي المصالح التي شرعت لأجل جلبها، والمفاسد التي حددت لأجل دفعها. فالشريعة بهذا كلها مصالح كونها تجلب المنافع وتكملها، وتدرأ المفاسد والأضرار وتعطلها، فالشارع من وراء تحديده لهذه المقاصد أراد من المكلف الدخول في التكليف ائتمارا أو انتهاءا، ليكون قصده في العمل لقصد الشارع في التكليف. ولقد حدد طه عبد الرحمان ثلاث شروط أساسية يجب توفرها في العقل المسدد حتى يكون محل اعتبار وهي: موافقة الشرع – اجتلاب المنفعة – الدخول في الاشتغال.
3- العقلانية المؤيدة والوسائل الناجعة
على الرغم من علو منزلة العقل المسدد وشرف مرتبته على العقل المجرد، وقدرته على قهر حدود هذا العقل، إلا أن الكثير من الآفات التي يمكن أن تعلق به من شأنها أن تنقص من كماله، وتقطع صلته بالشرع، لأن شرط العقل المسدد هو مجرد دخول العقل في الاشتغال الشرعي، وليس النزول بمراتبه، ولذا اجتهدت الممارسة الشرعية الإسلامية في الخروج من آفات العقل المسدد الخلقية والعملية والدخول في مرتبة أعلى، وأفضل يورثها العمل الشرعي، وهذا في الاشتغال اصطلح عليها طه عبد الرحمان باسم العقل المؤيد، والذي يمكن المتقرب من تحصيل التجربة الحية بمعانيها الروحية، وإقامة باقي أعماله على هذه التجربة الفياضة، فالعقل المؤيد هو “العقل الذي اعتدى إلى تحصيل الوسائل الناجعة فضلا على تحصيل المقاصد النافعة.”
فالعقلانية المؤيدة تسلم بوصل العقل بالفعل، وعدم انفصال المعرفة بالله عن العلم بالأشياء، وتؤمن بعدم انفكاك الزيادة في المعرفة عن الفائدة، وهي المرتبة الأسمى من العقلانية التي تمكن صاحبها من تلقي الخطاب القرآني بمعانيه الروحية، وليس برسومه اللفظية؛ وكان المتقرب في ترقيه إلى مرتبة العقل المؤيد غايته تدارك الآفات الخلقية والعلمية التي ورثتها كل من العقلانيتين المجردة وبالخصوص المسدد. فالذين اقتصروا على أبنية العقل المجرد في المعرفة لم يزدهم اقتصارهم هذا إلا إعراضا عن المعرفة بالله والاشتغال على مقتضى شرعه، وقطعوا على أنفسهم سيل بلوغ المعرفة تارة بحجة الموضوعية العلمية، وتارة أخرى بحجة استقلال المعرفة العلمية.
وأما الذين اقتصروا عل العقل المسدد؛ حتى وإن حصل لديهم الإجماع بأن التوسل بالعلوم النقلية موصل إلى معرفة الله أو معينا على ذلك؛ فإنه لم يحصل عليهم الإجماع على مستوى العلوم العقلية لانفكاكها عن معرفة الله، وفي هذا يقول طه عبد الرحمان: “فكل العلوم نقلية كانت أم عقلية يجب أن تكون خادمة للحقيقة الغيبية، وكل مشتغل بهذا العلم أو ذاك لابد أن يصل إلى إدراك جانب منها، وان يستزيد التقرب إليها، وإلا كان علمه غير خادم للمقصود الشرعي منه، وكان لا يستحق أن يوصف بوصف العلم النافع.”
فالمتقرب المترقي إلى مرتبة العقلانية المؤيدة، من واجبه العمل والمزاولة عليه، والاستزادة منه حتى يكون مفتاحا من مفاتيح الاهتداء إلى طريق الله، من غير الخروج عن المقاصد الروحية التي جاء من اجلها الشرع، والدخول فيما فيه احتمال الضرر، فيجب ان تكون الممارسة العقلية متسعا للاستزادة الدائمة من غير خروج إلى ما فيه احتمال الضرر، فكل مغرفة عقلية كاملة تكون مفتوحة الآفاق، ومتسعة الرحاب، بحيث لا يخشى على الزيادة فيها والبقاء على هذه الزيادة من أم تحيد بها عن جادة المعقول، أو تسيء إلى المتقرب بها بوجه من الوجوه. فالعقل المؤيد لا يقوم على مجرد اعتقاد اعتيادي باطني وتصديق وجداني، وإقرار لفظي؛ وإنما هو بالأساس اعتقاد حي يقيني يصدقه العمل، وقول يحققه الفعل، والإيمان الحي لا يوجد إلى مع العمل، وهذا الفرق يوضح كيف أن الجهد الارتقائي الذي يبذله المؤمن، لا يقاس في حجمه بالجهد الاعتيادي الذي يبدل المعتقد المؤمن، إذ أن المؤمن يتحرك بكلية قواه ما بطن منها وما ظهر، طالبا الأفعال التي يوجبها التعلق بأشرف القيم الروحية والعملية التي تورث الصلاح عاجلا في الحال وآجلا في المآل.
ويؤكد طه عبد الرحمان على أن العقل المؤيد لا تظهر كمالاته في الممارسة العقلانية الإسلامية بقدر ما تظهر في الممارسة الصوفية÷-وهنا تبرز نزعته الصوفية-، وكيف أن الصوفي تستولي عليه تجربة التعظيم للشرع، فتجعله يعنى بتزكية أعماله وبتربية أفعاله حتى تصير موافقة لمعارفه، ثم يعني بترسيخ هذه الموافقة حتى تجلب له معارفه معرفة الله، وتجلب له أعماله محبته الخاصة. وهنا تتحقق دلالة العبدية في فعل المتقرب إلى الله والمشتغل به والمتعامل فيه وينقلب مفهوم الإنسان بذلك باعتباره كائنا حيا عاملا في العقلانية المسددة، إلى كائن حي عابد في العقلانية المؤيدة. يقول: “ومتى سلمنا بأن الصوفي في نشدان الكمال والتكامل في السلوك… أدركنا أن يجعل الصوفي من التجربة الحية ركن الأركان التي يتحقق ويتقوم بها السلوك عنده.” .

2- الحداثة الغربية ومبدأ فصل العلم عن الأخلاق
يعتبر عصر النهضة بداية هذه الثورة العلمية والتقنية وما شكلته من نقطة تحول في نظرة الإنسان إلى الكون، وما تبعه من كشوفات هائلة ومذهلة، تعبر عن جبروت العقل اللامحدود، مثله علماء عمالقة قلبوا نظام التفكير رأسا على عقب، وحطموا أبنية التفكير القديم، وأرسوا دعائم تصور جديد للعالم والطبيعة قوامه منهج منظم يخضع الظواهر الطبيعية إلى الوصف التجريبي الواقعي لا إلى الاستنباط العقلي، وبأدوات ووسائل علمية دقيقة تضمن حظوظ الإنسان في السيطرة والسيادة على الطبيعة بعد أن كان خاضعا لها. عبر عنها طه عبد الرحمان بقوله: ” السيادة في هذا النظام هو أن يتولى الإنسان آفاق الإمكان التي تفتح في النظر، وأيضا أبعاد التمكن التي تبرز في العمل، وليست لهذه السيادة غاية تقف عندها ولا نهاية لا تجد لها ازديادا بعدها، لأن تمام السيادة الذي تطلبه عقلانية النظام العلمي، التقني الحديث هو بالذات أن يجعل الإنسان الكل ممكنا ويتمكن من ناصية الكل”.
فالنظام العلمي التقني في نظره يكرس ثلاث مراتب للسيادة هي : سيادة التنبؤ-سيادة التحكم – سيادة التصرف.
هذه المراتب الثلاث للنظام العلمي والتقني الغربي تدعو إلى مبادئ سلوكية تضر بالأخلاق الدينية : فمرتبة التنبؤ تستبعد الأخلاق، ومرتبة التحكم تستحوذ عليها، ومرتبة التصرف تصطنع بديلا لها، هذه الوضعية كرست واقعا جديدا أنتجه العقل العلمي التقني كان اندماج الإنسان الحديث والمعاصر فيه عميقا، وإقباله عليه شديدا بعد أن نفض الغربية من الدين والأخلاق، وجعل من العقل والعلم إلهين جديدين، هذا يعني ان الحداثة الغربية بموجب هذا المنظور المذهل في مجال العلوم والتقنية قد قطعت أي صلة بالأخلاق أي لا أخلاق في العلم والتقنية. هذا ما أوقع المجتمع الغربي خصوصا في آفات أخلاقية لا حصر لها انسحبت آثارها على كل المجتمعات التي نصبت الحداثة الغربية إماما لحياتها “ذلك أن هذا النظام لم يبلغ مراده من وراء قطع صلته بهذه الأخلاق ألا وهو تحميل كمال السيادات الثلاث، التنبؤ والتحكم والتصرف بل صار لا يقدر على أن يمنع نفسه من الانجرار التدريجي إلى مسار تحفه الأخطار والأهوال من كل جانب.”
وبإعراض عقلانية النظام العملي والتقني عن الاعتبار الأخلاقي الديني، تكون قد رمت الإنسان الحديث في أتون أزمة خطيرة مست المحيط الذي يعيش فيه الإنسان إذ تجلت آفاتها في مختلف مظاهر الاختلال البيئي من ارتفاع درجة حرارة الأرض جراء إفراط الإنسان في استخدام الطاقة وما نجم عنه تلوث الجو وما يورثه من أمراض، واتساع ثقب الأوزون وذوبان الجليد في المناطق القطبية وزيادة قوة الأعاصير… والأزمة الأخطر هي تلك التي مست صميم الكائن الحي عموما، والإنسان خصوصا في تركيبته العضوية، عبر ما يعرف باسم “الثورة البيولوجية” فالتقدم المذهل في البحوث البيولوجية وخاصة في نطاق الهندسة الوراثية، وهندسة الجينات كفيل بان يحدث ثورة خطيرة تفوق القنبلة الذرية من خلال التلاعب بالجينات ومحاولة تغيير الخلق. وهنا أخذ بعض العلماء يتخوفون من بعض النتائج التي قد تؤدي إليها مثل هذه اللعبة الخطيرة في تبديل الجينات بين المخلوفات، وخاصة عندما نجحت التجارب التي حول بها العلماء بعض الكائنات الدقيقة المسالمة إلى كائنات ممرضة. إذ قد يغري ذلك البعض في تصميم كائنات بكتيرية تحمل كل سوءات الأرض، وينتج عن ذلك سلالات مدمرة لا تعرف أجهزة المناعة في أجسامنا عن أصولها شيئا، فتدمرها تدميرا، أو قد تستخدم في الحروب البيولوجية وتصبح بذلك أشد فتكا من القنابل الذرية.
ولما كان العقل الحداثي عقلا يسعى إلى تغيير العالم طمعا في بلوغ عالم بديل زج بالإنسان في عالم الاغتراب، وطرد المتعة من اللحظة الحالية نحو الأزمنة الآتية المجهولة. ويمكن لنا أن نوجز الوضع الذي آل إليه واقع الإنسان الحديث جراء طمع العقل الحداثي الغربي وسعيه إلى التغيير في قول عدنان رضا النحوي، وتقويمه للحداثة الغربية: تتمثل الحداثة في العالم الغربي كما يرسمها واقعها وفكرها، وممارستها الصورة المنحرفة لسعي الإنسان إلى التغيير وسعيه وراء الجديد سعيا متفلتا من الإيمان والتوحيد غارقا في ظلام الشرك والإلحاد، سعيا يجمع اليوم خبرة آلاف السنين في الانحراف والشذوذ والأمراض النفسية والعصبية والشر والفساد في الأرض، وطغيان الشهوة الجنسية المتفلتة والملتهبة، وفورة سائر الشهوات المدمرة لتدفع هذه كلها ردود فعل نفسية عنيفة غير واعية في ثورة هائجة تحاول هدم الماضي بصورة مستمرة متتالية، حتى لا يبقى حسب ظن رجالها شيء ثابت في الحياة، لهجوم جنوني على التراث والدين وثورة على الحياة وعلى سنن الكون بين قلقل الشك والريبة، وفجور الكبر والغرور. إنها تمثل انحطاط الإنسان إلى أسفل سافلين بما كسبت يداه.
3- النظرية الأخلاقية الإسلامية ومبدا التعقل والتخلق
يرى طه عبد الرحمان أنه كان لازما على الفكر الإسلامي الوقوف في وجه النموذج الغربي، وذلك بطرح مفاهيمه وقيمه المضطربة والكشف عن زيفها وفسادها، وذلك بتقديم منهج يتناغم مع الطبيعة الأخلاقية للإنسان، مستمد من أصول الشريعة الإسلامية، يعد بمثابة المخرج الآمن من الأزمات التي تكابدها الإنسانية جراء إتباع النهج الحداثي. فالنظرية الأخلاقية الإسلامية غايتها ترشيد أفكار الإنسان وأفعاله وممارسته وإكسائها بعدا دينيا وأخلاقيا يدفع به إلى التحكم فيما يترتب عن التقدم من نتائج وإمكانات، وفي الوقت نفسه يقيه من الفساد في الأرض، والعدوان على الذات الطبيعية، وهو ما يمكن أن نصطلح عليه باسم: الاعتدال في التقدم العلمي-التقني من أجل غايات روحية أكثر منها مادية. وهذا ما عبر عنه هيدجر في نقده للتقدم العلمي النقي. فالاستعمال الجيد للتقنية وتوجهها لصالح غايات “روحية” يقلب المعادلة من سيادة الإنسان على التقنية. ومن اجل هذا عمد الإسلام إلى سد الثغرة بين العلم والأخلاق، وإحداث توازن بين عنصري الروح والمادة وأخلاقية الحياة والعلوم. فالإسلام لا يفرق بين العقيدة والعلم والتقنية بل على العكس يوحد بينهما في بنية واحدة متماسكة، كما لا يفرق في البحث عن القوانين والأسباب والبحث عن الغايات والمعاني، ولا بين القوة التي توفرها لنا التقنية للسيطرة الأشياء ووجوب استعمالها كوسيلة لعبادة الخالق ولهذا يجب تقديم الغاية الروحية قبل المادية في أي بحث علمي، تقني “إن كل تقدم مادي يتطلب تقدما روحيا يفوقه أو على الأقل يساويه حتى يحصل الانتفاع به”.
ومن هنا يرى طه عبد الرحمان أن الحداثة الغربية بنظامها العلمي والتقني لا يمكن درأ آفاتها إلا بالعودة إلى الإسلام أي تخليق النظام العلمي والتقني وفق المبادئ الأخلاقية التي جاء بها الإسلام وترك العمل بمبدأ السيادة على الكون، ودفع المخاطر والأهوال المصاحبة لها على الدوام وفق مبدأين أساسيين هما التعقل والتخلق.
أما التعقل لا يعني مجرد ممارسة النظر العقلي وإنما الدخول في مجال العمل بمقتضى مبدأ المقاصد النافعة. فآثار الأفعال وعواقبها ضارها ونافعها لا يقدرها عقل بشري تخلى عن العمل بمبدأ العبادة وأخذ في العمل بمبدأ السيادة، منه ضرورة العودة إلى الأخلاق الدينية في كل نظر عقلي أو فعل عملي كونها الضامن لصلاحه في الحال والمال. فالتعقل هو الدخول في عمل حي غير آلي قادر على أن يحمل الإنسان على التخلي عن العمل بمبدأ السيادة والدخول في العمل وفق الطاعة الفعلية لسيد الكون.
أما التخلق فهو جوهر الإنسان وماهيته، فماهية الإنسان ماهية خلقية أي أن المتخلق هو الذي يجعل القيم الأخلاقية والروحية هي صلب أفعاله، أي لا تكون هذه الأفعال نافعة ومشروعة؛ إلا إذا سعت إلى تحقيق هذا المقصد الخلقي والروحي؛ ومتى خالفته وجب مراجعة النظر فيها، بل تركها والأخذ بأفعال غيرها لأنها ليست مقصدا في ذاتها وإنما وسيلة للاستزادة من التخلق.
ويعمد طه عبد الرحمان إلى الربط بين هذين المبدأين التعقل والتخلق لوصل الإنسان بمرتبة العبادة، فمتى وصل العقل إلى مرتبة التعبد طمع في تحصيل المعية الإلهية أثناء سعيه من أجل ترسيخ الذات الإنسانية وتصير بذلك حركة الإنسان في الكون – بفضل العبادة- امتدادا لتأمله في العلم الحسي الطبيعي وصارت الحسيات عنده معاير للعقليات، فالعبادة همزة وصل بين النظر والفعل وبالتعبير الطاهائي “مجال الاعتبار” فنقتضى الاعتبار إذن هو العبور من أحكام النظر إلى أسرار العبر، فيكون المعتبر هو من يرى الظواهر على أنها آيات، وبنسب السيادة على الكون إلى صاحب هذه الآيات.”
وبناء على هذا فالنظرية الأخلاقية الإسلامية تسعى إلى إضفاء طابع ديني على العلوم بتناول غاياتها في المقام الأول، والأهداف التي يجب أن تناط بالبحث العلمي ثانيا، وهذا من شانه أن يسخر هذه العلوم لازدهار الإنسان وصيانة الخلق، لا تدميره وتغييره. فالمشكلة هنا تتصل بربط العلم الوضعي في اكتشاف الوسائل بالحكمة الإلهية، التي هي البحث عن الغايات، وارتفاع الغايات الدنيا إلى الغايات العليا، بحيث تفضي في النهاية إلى الغاية المطلقة وهي معرفة رب الأكوان وعبادته، لا إنكاره والسعي إلى التغيير في خلقه. ولذلك تكون الأخلاق الإسلامية أعمق من سابقاتها، وتكون أكثر حركية من سابقاتها، لأن الحركية موجودة في الأديان السابقة، لكنها زادت مع الدين الإسلامي، بموجب خاتميته، وبموجب تكميله لمكارم الأخلاق. فالإسلام هو دين البشرية جمعاء، فنستطيع أن نخدم ونسهم في الحضارة الكونية من هذه الزاوية، بمعنى أن القيم التي يحتضنها الإسلام كونية، يقبل بها البشر جميعا لو تقدم وتعرض إلى الآخرين بالطرق التي يعرضون بها قيمهم، وبهذا تصبح المرجعية الدينية وما ينتج عنها من تصورات وقيم وسلوك نمطا من المعرفة التي ينفتح وفق مقتضاها عالم الحركة والفعل المرسخين للذات الإنسانية على عالم التأمل الفاتح لباب العبادة، ومع انفتاح باب العبودية للذات الإلهية ينغلق باب عبودية البشر للبشر، ومنه يعزف الإنسان عن التصرف في الكون مثل تصرف صاحب الكون فيه. فيشتغل بفلسفة تعميرية لا تروم غزو الفضاء استبعاد الآخرين، بقدر ما تطلب تعميرا للكون تحصل معه المتعة والاستقرار، وينتفي معه الصراع بين الإنسان والطبيعة.
هذه أهم أبرز المعالم الكبرى التي طبعت المشروع الطاهاتي، والأسس الأولى التي بنى عليها هذا المفكر مشروعه التجديدي، رغبة منه في تصحيح المسار الفكري، وتقديم البديل، وتحديد الكيفية التي ينم بها إنجاز هذا البديل. فعلى الرغم من الجدل الذي أثاره هذا المشروع بين مدافع ومعارض، إذ تعرض للانتقاد من بعض من لم يرقهم التعايش معه، فوصفوا صاحبه بأوصاف لا ترقى إلى مستوى المناظرة الفكرية البناءة؛ إذ نعتوه بالطائر الذي يغرد خارج السرب والمفكر المتفيقه، والمتفلسف الذي لا يحسن النقد إلا بلسان غيره، المجدد الواهم، صاحب المشروع المستحيل، المفكر الرجعي السلفي… ومن القراءات الناقدة لهذا المشروع قراءة ناصيف نصار، قراءة علي حرب، قراءة محمد سبيلان قراءة فتحي المسكيني… وغيرهم.
رغم هذه الانتقادات نلمس في كل إنتاج فكري يقدمه طه عبد الرحمان قدرة على تأصيل المفاهيم وصنع المصطلحات، ومواجهة فلاسفة الشرق والغرب، انتقاد المفاهيم المقررة في عالمنا المعاصر: الفلسفة، العقلانية، الأخلاق، الترجمة، الحداثة… نراه يحارب على جميع الجبهات، من أجل إزالة الأوهام، وإيقاظ الأرواح وجعل الإسلام دين المستقبل، وجعل الفكر الإنساني ينفعل بالتخلق أي بالتدين.

بوزبرة عبد السلام