dr taha
مستجدات

ملخص ملتقى أكادير حول الإبداع الفكري عند طه عبد الرحمن

الأحد 9 مارس 2014

ينشر الموقع ملخصا مركزا لأشغال الندوة الدولية التي احتضنتها مدينة أكادير يومي 26 و27 فبراير 2014، في سياق الاحتفال بمشروع طه عبد الرحمن، في لقاء نظمته كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة ابن زهر أكادير، بالتعاون مع مختبر القيم والمجتمع والتنميـة ـ أكادير؛ مختبر الترجمة والمعرفة ـ مراكش، وفريق البحث في التعليم والترجمـة ـ أكادير، وجاء هذا اللقاء العلمي تحت عنوان “الإبداع الفكري بين النظرة التكاملية للعلوم والمنظور التأثيلي لاستشكال المفاهيم”، وأعد الملخص للنشر الأستاذة فاتحة تمزارتي والأستاذ أيوب بن حكيم.

كثرت مصطلحات ومفاهيم تنتمي إلى الطرح الطهائي، وتكرر ذكرها على أسماعنا من قبيل مصطلح: التأثيل والفكرانية والدهرانية والحداثة والعبارة والإشارة وفقه الفلسفة وفقه القول وفقه الفعل، إلى غيرها من المفاهيم التي تؤثث للفكر الطهائي وتجعله مستشكلا وصعبَ الفهم على المتلقي العادي؛ من هنا جاء المؤتمر الذي انعقد على شرف علامتنا طه عبد الرحمن، حافلا بمجموعة من المداخلات التي حاولت أن تفتح مغالق هذا الاستشكال، فكانت أول افتتاحية من نصيب: الدكتور ” سالم عبد الجليل “رئيس جامعة الزيتونة بتونس، بعنوان ” المشروع الفلسفي والفكري لطه عبد الرحمن”، حيث قال بضرورة الانخراط في الحداثة الشاملة، مادام النمط الغربي لا يصلح للتوسل به في معالجة التراث الاسلامي دونما إعادة النظر فيه.
فالخروج من دائرة التقليد والاتباع، والسعي إلى وضع فلسفة إسلامية تضاهي الفلسفة الغربية، ومحاورة التراث يجب أن يتم بعيوننا لا بعيون غيرنا، وبإنجاز وسيلة للتحرر من الفلسفة الغربية، والتصدي لنزعات الغرب وتعويضها بنزعات اسلامية تنهل من التراث معوضين بذلك العقل المقلِّد بالعقل المؤَيد، وحتى نتمكن من تأسيس رؤية نقدية إبداعية إسلامية محضة تعمل على تقريب العلوم المنقولة إلى المجال الإسلامي التداولي : لغةً/ عقيدةً/معرفةً. فقوة الاصطلاح لا تختلف عن قوة السلاح، والملاحظ على رئيس جامعة الزيتونة أنه لم يطلع جيدا على مشروع طه عبد الرحمان إذ ذكر ثلاثة كتب قديمة له ولم يواكب التطور المهول في فلسفة هذا الفيلسوف المتجدد و المجدد .
أما كلمة المحتفى به العلامة طه عبد الرحمن، فأكد فيها على وجود نوع من الانحصار الذي تعيشه الأمة بين الفلسفة الغربية والفلسفة اليونانية، والذي دفع العقل الفلسفي إلى الموت بسبب آفة التقليد. من هنا يدعو إلى الابداع الذي ربطه بالاستقلال، بحيث قال بأنه لاوجود لأحدهما دون وجود الآخر. فالجماد على محتويات النصوص والتمسك بحرفيتها هو الذي ولد هذه التبعية. من هنا فتحصيل القدرة على الابداع والاستقلال لا يتأتى إلا بوجود فرع علمي جديد هو ” علم القول الفلسفي” متخذا ظواهر القول الفلسفي موضوعا له متوسلا بالمناهج المقررة في المعرفة النظرية. ولفهم هذا القول الفلسفي يدعونا طه عبد الرحمن إلى الاطلاع على الدراسات الاجتماعية والثقافية والسياسية والإناسية، وكذا علوم المقاصد .ونتذكر جميعا موقفه الرائع من فقه المقاصد عند الشاطبي و ابن تيمية و الجويني في كتابه الملحمة “تجديد المنهج في تقويم التراث”، ويؤكد على فكرة أساسية مفادها أن القول الفلسفي لايتخذ الشكل نفسه في المجال التداولي الاسلامي كما المجال التداولي الغربي أو اليوناني. فالقول في الطرح الإسلامي لاينفك عن الفعل، وهذا مرتبته تعلو على القول، وهو ملازم له في المجال التداولي الإسلامي، فنحن من داخل المجال التداولي الاسلامي لا نعلل القول فقط بل نعلل الفعل أيضا . من هنا يتوجب على المتفلسف تحصيل فرع علم الفعل الفلسفي، وذلك بالتوسل بالمناهج المقررة في المعرفة العملية. وهذا من شأنه أن يخلق علما جديدا هو ” علم الفلسفة” ، فالفلسفة مرتبـَطة بالمجال التداولي لكل فيلسوف ولكنه يرفعها من خلال رفع المكونات إلى ما هو كوني من باب أن الفلسفة هي مسلمة تداولية. ولكن يرجع طه ليتحدث عن ضرورة إنشاء فلسفة إسلامية تتوسل بالوسائل المستنبطة من نقد الواقع وتنبني عليه. ولكي تصطبغ الفلسفة بالصبغة الاسلامية تلزمها ثلاثة شروط أساسية:
1- أن تكون فلسفة حية، ولن تكون كذلك إلا إذا استمدت مضامينها وقضاياها من تفاعلها مع الواقع والعالم.
2- أن يكون توجهها نحو نقد الفكر الفلسفي المُصادم للطرح الإسلامي بلا هدم أو تشيع بل درءً للأزمات الفكرية والروحية.
3- أن تبني هذه الفلسفة نقدها للواقع انطلاقا من صيغة إسلامية وإنسانية مع الأخذ من تداوليات أخرى طبعا ومن الأخلاق بشقيها السلوكي والعلمي.
أما في نقده للحداثة أو العلمانية فيأتي من أربعة أبواب أولها أن هذه الأخيرة ضيقت الأفق الانساني بالرغم من اتساعه لكل العوالم، ثانيها أن منطقها متناقض ولولا تناقضه لما انتقدت ورجعت للتوسل بالدين الذي دعت للإنفصال عنه. وثالثها ادعاؤها للألوهية، ورابعها الدهرانية لم استطع تقديم سياق له.
أما المداخلات الموالية فتطرقت لمفهوم الحداثة التي قالت عنه بأنه ضُخم وتُعومل وكأنه إله لاراد لقضائه، من هنا نادت هذه المداخلة، التي ألقيت من قبل العياشي الدراوي متخصص في فلسفة التواصل ، إلى ضرورة إعادة تحديد هذا المفهوم مع فتحه على الطرح الإسلامي ومع القيام باستقراء للتاريخ الإنساني قصد الارتقاء به.
أما المداخلة الأخرى) التي تلتها فأكدت على فكرة أساسية مفادها أن الحداثة هي ألا تتبع الحداثة. وتساءلت مع أركون أسئلة عدة: عن ماذا أخذنا من الحداثة في مجموع مشاريعنا وعن ماذا ترجمنا ؟ وعما إذا كنا نستطيع تعريف الحداثة الإسلامية دون التمكن من ترجمة الآخر؟ . من جهة أخرى، يقول المتدخل على لسان طه لعل ما تواجهه الأمة الإسلامية الآن هو نفسه ما شهدته أوروبا في القرون الوسطى وهي تتخذ من حداثتنا جسرا لحداثتها. فالحداثة الأوربية ما هي إلا تصوير للأنا، من هنا وجب التعامل معها بحذر وعدم أخذها كماهي . أما المداخلة المعنونة ب:” نظرية الفتح المبين في ترجمة القرآن الكريم للدكتور طه عبد الرحمن، فترمي إلى القول بأن ترجمة القول الديني يجب أن تتم بترجمة تأصيلية. وهذا يقودنا إلى الحديث عن أنواع الترجمة الثلاثة التي تنبني عليها نظرية طه عبد الرحمن في باب الترجمة. فالقول الثقيل (النص القرآني) يتميز بأنه متعال ولا متناه عكس القول الخفيف ( الإبداعات الإنسانية) الذي يتصف بالتناهي وعدم التعالي. فطه عبد الرحمن يشترط في ترجمة القرآن الكريم عدم الاستغناء عن النص الأصلي مناديا باتخاذ مفهوم الاقتباس وسيلة لهذه الترجمة. فالترجمة التأصيلية تُقدر المتفلسف على التفلسف في القول الخفيف لكنها في القول الثقيل تُقدره على الاقتباس. والمترجم يقتبس قبسات فقط من القول الثقيل ولا يستطيع أن يحيطه كله، لأن ما يوجد في القرآن الكريم من كلمات ومعاني لا يوجد في غيره. وتحدثت المداخلة عما سماه المنظر يوجين ندا ب” المعادلة الترجمية” التي طُبقت على الإنجيل والتي تسعى إلى خلق التفاعل نفسه الذي يحدثه النص الأصلي. ففي باب الترجمة للقول الخفيف نتحدث عن مفهومين أساسيين هما: الربح والخسارة، بمعنى حينما نقوم بفعل الترجمة لابد أن نخسر معاني أو كلمات أونربحها، عكس الترجمة في باب القول الثقيل فلا يمكن البتة الحديث عن هذين المفهومين. وبالنسبة للمداخلة المعنونة ب:” معالم التأثيل في نقد الترجمة: أنموذج الدكتور طه عبد الرحمن، فتبدأ بنقد للترجمة الحرفية ونقد ذلك الدفاع المستميت للغربيين عنها، محاولة طرح نظرية طه بديلا لها، والتي تقسم الترجمة إلى أنواع ثلاثة: ترجمة تحصيلية تعلمية وترجمة توصيلية تعليمية، وترجمة تأصيلية إبداعية. فطه يدعو إلى ترجمة استكشافية ابداعية لا ترجمة تحصيلية اتباعية. ولكي نبني ترجمات تأصيلية لابد لنا من مفهوم ” التأثيل” الذي قد يولد مفهوم إعادة الصياغة للألفاظ والمعاني على حد سواء. من هنا يصعب استيعاب الطرح الطهائي دون التوسل بمعجم خاص بفكره وطرحه الفلسفي. ونخلص مع خالد اليعبودي صاحب هذه المداخلة إلى أن المترجم ليس مجرد ناقل بل يُسهم في تحرير العقل/ عقل المتلقي. وبخصوص المداخلة التي تلتها، فتحدثت عن الترجمة التأصيلية عند طه وعما يسمى بقلق العبارة في باب الترجمة، فهل نلجأ إلى التلخيص أم نلجأ إلى التعقيب والتحشية أم نتخذ من النقد وسيلة للتعامل مع النص المترجم مادام أن هناك تمة إشكالية في تعريب المصطلح؟ . والجواب يكمن في ضرورة مراعاة المجال التداولي قبل الإقبال على الاستعارة في باب الترجمة. من هنا تبقى الترجمة التأصيلية هي المنفد الوحيد للتعامل مع النص المترجم مادام أنها تراعي الاختلاف الزمني بين حضارات مختلفة وتراعي ذلك الانتقال من لغة الاغريقية إلى السريالية إلى اللغة العربية في آخر المطاف. ويذيل المتدخل كلامه بسؤال محوري هو : هل يمكن استعارة هذا المصطلح ” التأصيل” في باب ترجمة الشعر؟
أما المداخلة الموسومة بـ”الترشيد والتجديد لدى طه عبد الرحمن” نذير حابل فتقول إن الحداثة سقطت في شراك البراديغم الأحادي ولا تحتكم للمعطيات السوسيولوجية للمجتمع وخصوصياته، عكس الطرح الطهائي الذي يعتبرها غير محكومة بفضاء معين . فالعقل الإسلامي انصاع بشكل كلي نحو تقليد العقل البرّاني، وطه يدعو إلى حداثة جوانية داخلية تلتزم بالخصوصية الاسلامية وهذا يدخل ضمن مبدأ الترشيد الذي نجد له مقصدا في القرآن الكريم ومتداولا فيه . ولهذا وضع ثلاثة مرتكزات لما يسمى الحداثة: 1- الترجمة والتأثيل الفلسفي انطلاقا من التشخيص وصولا إلى العلاج ، 2- ثنائية الأصالة والتجديد : تحدث هنا المتدخل عن الكوجيطو الديكارتي الذي نقله طه إلى كوجيطو إسلامي: أنظر تجد، الذي يعمل على النقل إلى مستوى الممارسة والفعل، والذي يشمل المستويات التُرجمية الثلاثة : التحصيلية والتوصيلية والتأصيلية. داعيا إلى تجاوز القراءات الإيمانية التقليدية والقراءات الحداثية الليبرالية والغربية المحضة. فالتأويل يجب تبيئته كما قال بذلك نصر حامد أبو زيد في تأويله للنص القرآني، ولكن أسماء من مثل حسن حنفي والجابري سقطت في قراءات اتباعية وتفتقر إلى مبدأ التحقق. فالتجديد الطهائي لا يكون للدين ولكن يتم ببناء عقلاني صارم وآليات الفلسفة والهيرمنيوطيقا الحديثة. وهو الذي ينفلت من ضيق القومية إلى سعة الصوفية المتجددة في حلة البرهان الذاتي.
أما مداخلة : ” تجديد مفهوم العقل عند طه للدكتور “بدر الحمري” ، فحاولت أن تقدم طرح طه في باب تقسيم العقل إلى أصناف ثلاثة : عقل مجرد و عقل مسدد و عقد مؤيد، كما تحدثت عن مفهوم التكوثر الذي يوصف بكونه خصيصة من خصائص العقل المؤيد. كما سعى صاحبها إلى تصحيح بعض التصورات المتداولة حول مفهوم الفلسفة، فهذه لا ينفصل فيها العمل عن النظر من الزاوية الإسلامية وليس من المنظور الأرسطي التجريدي. لتعود المداخلة الموالية إلى تقديم قراءة حول مفهوم الترجمة عند طه، والتي تمحور الحديث فيها حول فكرة رئيسية مفادها أن مشروع طه في هذا الباب يجمع بين مفاهيم تجد أصولها في تربة التراث ومفاهيم أخرى ينهلها من منبع حداثي تجديدي إبداعي. فهدف الترجمة عند طه هو التأثير في المتلقي وتحريره من التقليد والاتباع، والتحرر من وصاية النص الأصلي. فهي يعني الترجمة تتعدى الاستنساخ للنص الأصلي إلى الاستكشاف لهذا النص. وتحدثت المتدخلة عما سبق ذكره فيما يخص مفهوم الترجمة الاستكشافية الذي ينادي به طه عبد الرحمن. فالبُنى الدلالية والتركيبية تبقى مهيمنة على النص ولا يستطيع المترجم التخلص منها. والترجمة الاستكشافية نظيرة للنص الأصلي متى توفق المترجم في ترجمة هذه البُنى الدلالية والتركيبية. وتؤكد المتدخلة على أن مشروع طه الفكري مشروع منفتح ومتفتح ولكنه غير مكتمل ويحتاج إلى تحفيز الهمم لاستكماله والاجتهاد والقطع مع قرنين ونصف من ممارسة الترجمة النقلية الاتباعية لا الإبداعية. فإبداع خاطئ أفضل من تقليد صائب يقول طه عبد الرحمن. وتخلص المداخلة إلى أن الهدف هو الذي يحدد نوع الترجمة.
أما المداخلات الموالية فتحدثت عن تقويم التراث وآلياته المعرفية لدى طه عبد الرحمن، وأكدت على أن هذا الأخير سقط في شراك النظرة التفاضلية للفلاسفة المسلمين، والتي انحاز فيها إلى الطرح الغزالي. فطه لا يتصور وجود كونية فلسفية ويحذر من الانصياع لخصوصيتها بحقل أو تربة معينة. فلا يتصور وجود هذه الكونية دون اعتبار لتعدد الخصوصيات. ففكر طه والجابري يوصف بكونه إعلانا عن بناء فكري عربي مستقل، رغم أن طه لم يترك فرصة إلا وتصدى فيها لطرح الجابري الذي ينحو نحو النزعة الرشدية البرهانية، فيما قدمه الفلاسفة المغاربة. وبهذه المناسبة يشير صاحب المداخلة إلى فكرة مهمة مفادها أن المغاربة مدوا المشارقة في باب الأخلاق ما لم يمدوهم به في أي أمور أخرى. ويختتم المتدخل كلامه بالقول إن الفيلسوف يتوجب عليه الابتعاد عن التجزيئ والتجريد والتسييس، ومحاولة إحياء العرفان السُني المغربي الذي من شأنه أن يحارب تلك النزعات.
أما مداخلة الدكتور “مرزوق العمري” من جامعة باتنة بالجزائر والموسومة ب: ” تاريخية النص الديني في مقاربة طه عبد الرحمن النقدية للخطاب الحداثي” ، فتتمحور حول كون القراءات التي تخص النص الديني لا تتم في إطار السياق الإبداعي بل هي مقلدة وغير مبدعة، ولا تتعامل معه بوصفه نصا معصوما، بل تنظر إليه برؤية تجعل منه نصا تاريخيا لا نصا فاعليا يصلح لكل زمان ومكان بل وترهنه بالتاريخ وتجعله حبيسه. وبسبب آفة التقليد هذه، سقط هؤلاء في فخ الإعجاب بالمصطلح الموجود هناك وأدى ذلك إلى ظهور ترجمة غير مأمونة وغير متوافقة مع الطرح الإسلامي. فهذه القراءات المعاصرة للنص الديني حاولت تخفيف وطأة الوحي وتأكيد دنيويته وسلبته صفة العصمة . من هنا فالنص الديني بالنسبة لهذه القراءات هو نص عار عن القدسية ويمكن التعامل معه كأي نص فلسفي أو تاريخي أو أدبي …الخ. وفي مداخلة أخرى موسومة ب:” التصديق والحوار عند طه عبد الرحمن” ، يدعو صاحبها إلى إيلاء العناية بالظواهر التهذيبية حتى يأتى لنا تقديم نظرية تخاطبية متكاملة تجمع بين الشق التبليغي والشق التهديبي في هذه العملية التخاطبية متوسلين في ذلك بالطرح الديني والنظرة الشمولية للتراث. فالفصل بين المستويين( التهذيبي والتبلغي) يؤذي العملية التخاطبية ومن شأنه أن يمس بمبدإ أساس فيها هو ” مبدأ التصديق” الذي يعد مفهوما طهائيا يمتح من الطرح التداولي في مقاربة الحوار والتخاطب. وفي مقاربة للوحي من منظور طه عبد الحمن، تحدث صاحب المداخلة عن أن قراءة النص القرآني يجب أن تتم بمنهج قويم يتعاطى مع القراءة الحداثية للنص تعاطيا نقديا. فقراءة طه للنص تعد أنموذجًا بديلا للقراءات النقدية للتراث والنص الديني، فمقاربته للتراث هي مقاربة” تفكيكية”[وليس تقويضية بمفهوم المباعدحداثة الدريدية] بنائية لا تصادمية هدمية. بخلاف القراءات الأخرى التي قامت بالتفكيك دون القيام بعملية البناء. فالفعل الحداثي الغربي يتأسس على الصراع مع الدين بخلاف الفعل الحداثي الإسلامي. من هنا فنحن نحتاج إلى منهج تكاملي يعيد توظيف كل تلك المناهج التي توسل بها في قراءة النص القرآني.
وفي مداخلة معنونة بـ”الإبداع والتجديد في مشروع طه”، حاول صاحبها القيام بقراءة في بعض المداخل الفكرية لفكر هذا الرجل، مبتدئا كلامه بالقول إن الفكر يحتاج إلى قليل من السياسة لكن السياسة تحتاج إلى كثير من الفكر. واشترط الحرية بوصفها مكونا أساسيا تحتاجه الأمة لكي تقوم بالإبداع. وتحدث في شق آخر عن مثلث الإبداع في مشروع طه والذي يتلخص في 1- المرجعيات، 2- المفاهيم، 3- القيم، هذا المثلث من شأنه أن يمكننا من رؤية واضحة المعالم ومن الشروع في تفكيك هذا التراث ثم محاولة تركيب مكوناته وبنائها من جديد وفق ما لدينا من معطيات تخص بيئتنا وليس بيئة أخرى. فطه يدعو إلى تحرير العقل العربي عبر طرح الأسئلة وعدم تبني أسئلة الغير حتى لا نحصل على أجوبتهم، والإبداع في الأجوبة على مستوى المضمون والقضايا يعيد بناء ترتيب المعرفة والأسئلة والأجوبة . من هنا نستطيع ترتيب الخريطة الذهنية للعقل العربي انطلاقا من الخصوصية ووصولا إلى الكونية الشاملة الموسعة. فالاستمداد من مرجعية ومفاهيم وقيم غيرنا يسقطنا في شراك خطأ الموعد مع المرجعية والمفاهيم والقيم الإسلامية. وخلصت المداخلة إلى أن مشروع طه يعتبر ثورة معرفية لازالت في بدايتها وتنتظر من يستكمل مسار حلقاتها، وتؤكد مداخلة موسومة ب :”معالم المنهج التكاملي في تقويم التراث عند طه عبد الرحمن على فكرة محورية مفادها أن انشغال هذا الرجل بالتراث كان انشغالا نقديا وتحليليا وتقويميا، وفق رؤية تقويمية تجديدية للتراث وبممارسة منهجية تصوغ دعاوى ونتشأ مفاهيم خاصة به. ووفق آليات متعددة تتخذ من التداخل والتقريب التداولي آلية أساسية في ذلك التقويم. فالتقريب التداولي يخول للمتلقي الاطلاع على المنطق بشكل مبسط دونما تهويل أو تضخيم.
أما عن مفهوم المجال التداولي في المشروع العلمي لطه عبد الرحمن فأراد العارض أن يوصل لنا فكرة رئيسة هي أن التداول له تعاريف وقواعد مخصوصة وحقائقه مُلزمة للمبدع لتحقيق توازن استراتيجي في النص الإبداعي بين أقدار الإشارة وأقدار العبارة. فمجال التداول في التجربة التراثية محل تواصل بين صانعي التراث لغويا ومعرفيا وثقافيا. فالعقل فعل إدراك مخصوص من بين الأفعال التي يأتيها الإنسان والتداول خاص بكل أمة وهو جملة المبادئ العقدية واللغوية والمعرفية. وآلية الاستعمال وآلية الاستكمال تتم في هذه الأبعاد الثلاثة/ العقيدة/ اللغة/ المعرفة.
وتقول متدخلة أخرى في طرح لها حول ” المنطق الصوري والنحو العربي عند طه بأن ابن تيمية يعد من أهم من استخدم المنطق وسبق الغربيين في الكشف عن عوز المنطق الأرسطي الذين طوروه إلى منطق رياضي فقط،ويبدو أنها اكتفت بالعرض المختصر لأفكار طه حول مفهوم “تهوين المنطق” عند ابن تيمية، أما علامتنا طه فعمل على ترجمة الحروف المنطقية وهذا مالم يسبقه إليه أحد.
أما فكرة أحد المتدخلين حول الاستدلال والحجاج عند طه عبد الرحمن فتقول بأن المشتغلين بالحجاج حينما حاولوا تقريب نظرياته عبر وسيلة الترجمة عن الغرب حجبوا العديد من الأشياء التي منعت الإبداع والتميز. فهم لم يمتحوا من اللغة العربية فيما يخص الحجة والدليل بل طال ذلك نوع من الإضمار عكس الطرح الطهائي الذي أخذ بوجهة المدعي للمتكلم من أجل بناء تواصل إيصالي ووصلي ومتح من هذه اللغة في مواجهة خصومه الذين يحاولون إبطال نفعيتها ونفعية التراث ككل، فحسب طه الأزمة أزمة عقل ونقل ومنهج.
وفي مداخلة موسومة بـ”المشروع النقدي عند طه” نستخلص بأن القراءة الحداثية لها نواقص وتفتقر إلى الكفاءة اللغوية ولا تفسر القرآن بلغة فصيحة منضبطة وهذا راجع إلى كونها غير متمكنة من علم أصول التفسير الذي يخول لها تقديم قراءة نقدية سليمة تتأسس على مبادئ تجعلها تنظر لهذا النص نظرة موضوعية لا تحاملية إسقاطية تنطلق من التعامل معه كتعاملها مع الكنيسة في العالم الغربي. فالفيلسوف له منطق والمفسر له منطق واللغوي له منطق . وقد تكلم المتدخل أيضا عن النقد الطهائي للحداثيين والذي سبق وأن تحدث عنه من سبقوه من المتدخلين.
وبالنسبة لمسعود بودوخة عن جامعة سطيف بالجزائر فيتحدث عن ” مركزية المفهوم الأخلاقي في كتابات طه عبد الرحمن” والتي تعتبر نظرية متكاملة الأركان يقدمها طه بديلا للطرح الغربي الذي يعيش أزمة أخلاق حقيقية، عبر مبادئ ثلاثة : مبدأ الاشتغال بالاله عوضا عن الاشتغال بالإنسان ( الطرح الغربي)، ومبدأ التوسل بالنقل والوحي عوضا عن العقل، ومبدأ اعتبار الآخرة عوضا عن اعتبار الدنيا، وهذه هي مصادر الأخلاق عند الآدميين. فعقلانية الغرب جعلته يتجرد من الأخلاق والإنسانية ويصبح مجرد يهيمة، ولكي ينفصل الإنسان عن هذه البهيمية يقترح طه عقلانية مسددة، ترتقي نحو حضارة الأوتوس” الأخلاق” عوض حضارة اللوغوس “العقل المجرد”. ولكن غياب المساعي المجددة للأخلاق بمستوى يواجه التحدي يجعل الأمر متعذرا في الوقت الحاضر.
أما آخر مداخلة فانصبت حول “النقد الفلسفي والأخلاقي المعاصر لمفهوم العقلانية” متخذة من طه نموذجا. ولهذا ركزت على أن روح الحداثة يسع الجميع، ومصطلح الحداثيين هو مصطلح إقصائي، فهي روح مشتركة بين الأمم والأزمنة. فمشروع طه في هذا الباب يبطل دعاوى فصل العقل عن القلب، وينتقد العقلانية التي تعتبر عنده بداية تقليد ويقترح عقلانية بديلة تتوسل بالوحي والأخلاق وتمتح منهما . فهذا المشروع يحتاج إلى خارطة طريق حتى يستكمل معالمه فهو طرح قضايا عديدة تحتاج للاستكمال. وقد ذيل المتدخل طرحه بالقول إن ما يؤخذ عن مشروع طه حسب المتدخل أنه مُغلق.