dr taha
مقالات عن طه

محاضرة أخت العلمانية و فصل الدين عن نفسه (الجزء الأول) بقلم: عبد الخالق بدري

السبت 18 مايو 2013

مداخلة الدكتور والفيلسوف المجدد طه عبد الرحمن
يوم السبت 18 ماي 2013 بالمكتبة الوطنية، الرباط – المغرب
أخت العلمانية وفصل الدين عن نفسه (الجزء الأول)

نظرا للاهتمام المتزايد حول محاضرة الدكتور طه عبد الرحمن، ورغبة مني لتعميم الفائدة بشكل مكتوب، ارتأيت أن أفرغ مداخلة الدكتور طه عبد الرحمن في جزئين، وكلي حرص على أن أنقل كلام الدكتور كما هو، ومراعيا للأمانة في النقل المعرفي، من أجل تعميم وتمكين الجميع من مادة الدكتور لتعميق النقاش.

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه الأكرمين
سيدي رئيس مركز مغارب للدراسات في الاجتماع الإنساني، سيدي رئيس الجلسة، سادتي الأساتذة والباحثين الكرام، أيها السادة الأفاضل والفاضلات، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
كم تشريفي كبير أن يخصني هذا المركز بافتتاح الندوة الأولى له، وكم شكري كبير أيضا للحضور الذين آثروني على التزاماتهم، فجاؤوا زرافات إلى هذا الملتقى، وشكري للأستاذ محمد بنصالح على لطيف كلماته في حقي، وشكري ومزيد الشكر، لقرائي، والمتابعين الذين ما تركوا فرصة للسؤال عني والدعاء لي، بمزيد العافية ومزيد الإنتاج فجزاكم الله جميعا ومن يتول الله جزائه فقد فاز فوزا عظيما
إخواني وأبنائي؛
أحدثكم في موضوع بعنوان قد يصادم بعضكم أو يجد فيه مفارقة، ولكن هذه المفارقة ستنحل ان شاء الله، فمعلوم ان من ابرز الآليات التي توسلت بها الحداثة في إقامة مشروعها الدنيوي؛ آلية التفريق تفريق المجموع أو قل آلية فصل المتصل، ولما كان الدين يتصل بمختلف مجالات الحياة وكان اتصاله بها يتخذ أشكالا وأقدارا متفاوتة، فقد انبرت الحداثة لهذه الأشكال المختلفة من الاتصال، لتُعطل قانون الدين في هذه المجالات الحيوية، حتى تستقل هذه المجالات بنفسها تدبيرا وتقديرا، وهكذا فصلت العلم عن الدين وفصلت عنه الفن والقانون، كما فصلت السياسة و الأخلاق، وقد نسمي عمل الحداثة في انتزاع قطاعات الحياة من الدين باسم عام وأقترح أن يكون هو “الدنيانية”، وإذاك تتعدد صور الدنيانية بتعدد هذه الفصول، فتكون مثلا العلمانية هي الصورة الدنيانينة التي اختصت بفصل السياسية عن الدين، وتكون العلمانية بالكسر هي الصورة الدنيانية التي اختصت بفصل العلم عن الدين وهكذا..
والملاحظ أن انعكاسات هذه الفصول الدنيانية عن الدين ليست ذات لون واحد ولا وزن واحد وانما تختلف باختلاف أشكال هذه ا لفصول، فانفصال القانون عن الدين ليس كانفصال العلم عنه ولا انفصالُ السياسية كانفصال الفن، ويبدو أن أشد هذه الفصول خطرا وأبلغها أثرا هو فصل الأخلاق عن الدين، إذا انعكس هذا الفصل بشدة على صلة الأخلاق بالإيمان فضلا عن صلة الدين بالايمان، كما فتح الطريق لأن يدعي بعض المعاصرين أحوالا شعورية وأنماطا سلوكية غير مسبوقة تصادم الوجدان قدر مصادمتها للعقل مثل الاتصاف بأخلاقية بلا روحانية، أو أخلاقية بلا ألوهية ناهيك عن التمتع بروحانية بلا دين، أو روحانية بلا إيمان أو الأخذ بدين بلا دين، أو بأخذ بالدين بلا دين، أو الكوني مع الاله لغير الاله.
لذلك ارتأينا أن نخص هذه الصورة البارزة من الدنيانية باسم متميز ونقترح أن يكون هذا الاسم هو “الدهرانية” إشعارا بأن فصل الأخلاق عن الدين، ينزع عن الأخلاق نزاعها عن الروح، ويكسوها لباسا زمنيا، وبهذا تكون الدهرانية أختا للعَلمانية كما هي أخت للعِلمانية والكل بنات الدنيانية، وقررنا أيضا أن نأخذ في مقاربتنا هذه بخاصية تميز العلاقة بين الأخلاق والدين، وهذه الخاصية لا توجد في غيرها من العلاقات التي تربط مجالات الحياة بالدين، وأسميها خاصية “الالتزام المنعكس على الذات”، فإذا كان الذي يفصل العلم عن الدين -على سبيل المثال- لا يلزمه أن يكون عالما والذي يفصل السياسية عن الدين لا يلزمه أن يكون سياسيا، فإن الذي يفصل الأخلاق عن الدين كالذي يصل بينهما سواء بسواء يلزمه أن يكون أخلاقيا، او على الأفصح أن يكون على قدر من الخلق، وإلا قدح بنفسه في صحة فصلح كما يقدح الواصل بينهما في صحة وصله، متى كان بغير خلق، لأن الكلام في الأخلاق مع فقدها يوقع صاحبها في شبهة رد الذات على نفسها، ومن رد على نفسه كذبها قولا وفعلا، والظاهر أن أول علامة على اعتبار الناظر في هذه العلاقة لهذه الخاصية الأخلاقية، هي تركه التستر على المسلمات التي يبني عليها فصله؛ إِنْ تقية أو تدليسا أو يبني عليها وصله إن إغماضا أو تلبيسا، فيتعين إذن؛ أن نصرح بمسلماتنا الدينية تبصيرا بخلفيات مقاربتنا بل يتعين بموجب الأهمية التي نسندها إليها أن نتخذها هي نفسها معايير تحليلية وتقويمية نعرض عليها أشكال الدهرانية التي نقف عليها، وحتى نضبط عدد هذه المسلمات الدينية نطاقا وعددا، يتعين أن نأخذ بقيدين اثنين أحدهما أن نقتصر في هذه المقاربة على الدهرانية التي لا تعادي الدين المنزل، حتى يتبين كيف يتعاطى فصلها بين الأخلاق والدين مع الحقيقة الإيمانية، أما الدهرانية التي تعادي الدين المنزل فهي ابتداء تضع نفسها خارج مجال الإيمان فلا يعنينا أمرها هاهنا، والقيد الثاني أن نحدد أدنى قدر من المسلمات الدينية التي نبني عليها نظرنا في الدهرانية، فالخلو من المسلمات في أي مجال كان متعذر، فما الظن بمجال الدين و الأخلاق الذي هو أعلق بحياة الإنسان، و ندعوا هذه المسلمات الدنيا ندعوها بالمسلمات السياقية وهي ثلاث:
أولاها، ما أسميه بمسلمة التبدل الديني: ومقتضاها أن الدين المنزل يتخذ صورتين إحداهما الصورة الفطرية؛ وهي الصورة التي نزل بها هذا الدين أول ما نزل إيمانا و أعمالا على نبي مرسل، والتي تتحد مع فطرة الإنسان باعتبارها ذاكرة أصلية تحفظ آثار سابق اتصالها بالغيب، وهذا يعني أن الوحي المنزل شرط ضروري في الصورة الفطرية، والصورة الثانية أسميها بالصورة الوقتية؛ وهي الصورة التي يتخذها الدين في كل فترة تفصل أهله عن الرسول الذي جاء به، والتي قد تشهد ترسبات اعتقادية وتصورية وأيضا تأثرات مؤسسية وتقنينية كل هذا يُبعده قليلا أو كثيرا عن أصله الفطري ويحده من إبداعية روحه ونورانية رسالته، وهذا يعني أن النقص الروحي شرط ضروري في الصورة الوقتية.
والمسلمة الثانية أسميها مسلمة التخلق المزدوج: ومقتضاها أن كلتا الصورتين المذكورتين للدين، وهما الصورة الفطرية والصورة الوقتية؛ تختص بوجه معين من وجوه الصلة بالأخلاق فالأصل في الصورة الفطرية أن ينطلق الدين من داخل الانسان متجها إلى خارجه، بحيث يورثه ابتداء أخلاق الباطن ثم يجعله يبني عليها أخلاق الظاهر، بينما الأصل في الصورة الوقتية أن ينطلق الدين من خارج الإنسان متجها إلى داخله بحيث يورثه ابتداء أخلاق الظاهر ثم يجعله يبني عليها أخلاق الباطن.
والمسلمة الثالثة نسميها مسلمة الآمرية الالهية: ومقتضاها أن ما أمر به الإله سبحانه من الأعمال خير وعدل، سواءً أعقل المؤمن عللها أو مقاصدها ام لم يعقلها، وإن إتيان المأمورات يحقق بالضرورة تخلقه وإتيان المنهيات يحول بالضرورة دون تخلقه، فهذه هي مسلماتنا.
وبعد توضيح القيدين الذين يقتضيهما السياق الإيماني للدهرانية وهما الاقتصار على الدهرانية غير المعادية للدين، والمسلمات الدينية السياقية يمكن أن نصوغ الدعوة التي نشتغل الآن بالاستدلال عليها والتي ندعوها بدعوة الدهرانية وصيغتها هي التالية:
“إن الدهرانية تفصل الأخلاق عن الدين فصلا تختلف نماذجه باختلاف تعاملها مع التبدل الديني والتخلق المزدوج والآمرية الالهية، ساعية إلى تأسيس أخلاق مستقلة”
نماذج الدهرانية:
عقد الدهرانيون العزم من القرن 17 على آفتين دخلتا على الدين المسيحي وهما آفة اللاعقلانية أو الخرافة والآفة الثانية وهي آفة الحمية أو اللاتسامح، فاندفعوا في وضع صيغ متعددة للفصل بين الدين والأخلاق، نحصي منها أربع صيغ نموذجية نسميها على التوالي:
النموذج الطبيعي، وخير من يمثله في القرن 18 الفيلسوف الفرنسي ج ج روسو مفصلا أفكاره في الرسالة التي نشرها ضمن كتابه ايميل وعنونها باسم “عقيدة قسييس صبوا”
النموذج الثاني النموذج النقدي، و أفضل من يمثله عصريه الفيلسوف الألماني ايمانويل كانط في كتابيه “الأسس الماورائية للاخلاق” و “الدين في حدود العقل”
النموذج الثالث، الاجتماعي ويمثله عالم الاجتماع الفرنسي ايميل دوركايم، وذلك في كاتبه “التربية الأخلاقية” وقد ألفه تدعيما لقرار الجمهورية الفرنسية لإقامة تعليم دهري للأخلاق
النموذج الرابع، النموذج الناسوتي والذي يمثله الفيلسوف المعاصر الفرنسي ليك فيل الذي يرى أن يؤسس إلى ما سماها بالناسوتية الثانية وخاصة في كتابيه “الانسان الاله” و “ثورة الحب”
فلننظر كيف تعاملت هذه النماذج الدهرانية مع المسلمات التي ذكرت لكم؛
يقيم النموذج الطبيعي وهو نموذج روسو، تضادا بين الدين الطبيعي والدين المنزل، ويقيم أيضا تضادا بين الدين الخصوصي باعتباره هو الدين الطبيعي، والدين العمومي باعتباره نتاج المؤسسات البشرية التي غطت عن واجبات الأخلاقية الحقيقة يعني ما اسميه أنا بالصورة الوقتية، لكن من الخطأ أن نعتبر أن الدين الطبيعي يطابق الصورة الفطرية للدين المنزل، فنجعل منه دين الفطرة، ذلك أن الدين الطبيعي عند روسو لا يأخذ بالوحي، شاكا فيه، بل ينكر أن يكون الاله قد أنزل كلاما بواسطة ملك، فضلا عن أن يكون قد اطفى أحدا بكلامه؛ يعني يُنكر الوحي وينكر النبوة وينكر الملائكة، وليس هذا فقط بل يشكك في مبدأ الخلق، بل ينكره باعتباره يجمع بين العدم والوجود، هذا عن النموذج الطبيعي فإذا يقابل بين الدين الطبيعي و الدين المنزل لذلك لا يمكن أن نقول بأن الدين الطبيعي دين فطرة.
أما النموذج النقدي عند كانط، فانه يقابل بين الدين الطبيعي كروسو- الذي تأثر به- والدين المنزل، كما يميز أيضا بين الدين الطبيعي باعتباره مدركا بصورة مباشرة لكل واحد والدين العالم باعتبره مدركا بواسطة العلم وحده، ويحدد كانط المواقف المتخذة من الدين الطبيعي فيرى أن العقلاني هو الذي يدعي بأن الدين الطبيعي وحده هو الدين الضروري للأخلاق الدين الطبيعي هو الدين الضروري وحده هذا العقلاني، وهو على نوعين كما يقول؛ العقلاني الطبعاني و هو الذي ينكر الوحي، والعقلاني الخالص وهو الذي يسلم بامكانية الوحي لكنه يرى أن الدين لا يشترط معرفة الوحي و لا التسليم بوجوده، يعني أن الدين الطبيعي العقلاني لا يسلم، و حتى اذا سلم بامكانية الوحي فهو لا يسلم بضرورة معرفة الوحي ولا حتى بوجود هذا الوحي، ويقول أما الذي يعتقد بان الوحي ضروري للدين فيسميه ما فوق الطبيعي ويقول بأن موقفي عقلاني خالص يعني آخذ بالدين الطبيعي الذي يسلم بإمكانية الوحي ولكنه لا يوجب معرف هذا الوحي و لا يوجب وجوده.
أما النموذج الثالث و هو نموذج دوركايم، فهو يقيم تضاد بين ما أسماه الدين الأخلاقي وهو عبارة عن أخلاق الدهرية والدين المنزل، ويقول في تعريف هذا الدين الأخلاق الدهرية : “إنها تأبى أن تقتبس المبادئ التي تنبني عليها الأديان المنزلة والتي لا تعتمد إلا على الأفكار والمشاعر والممارسة التي تتبع العقل وحده أو في كلمة واحدة هي “التربية العقلانية الخالصة” كما يقيم تضادا بين الأخلاق الدينية والأخلاق الاجتماعية.
أما النموذج الناسوتي مع لوك فيري وكان وزيرا للتعليم الفرنسي، يقيم تقابلا بينما ما يسميه الديني الفلسفي أو الروحاني والديني التاريخي، والديني الفلسفي هو الدين باعتباره استعدادا ما ورائيا ملازما للانسانية لا ينفك عنها، يعني الحاجة الى الغيب، وأما الديني التاريخي فهو الدين بوصفه تنظيما اجتماعيا وسياسيا مرتبطا بلحظة تاريخية مخصوصة أي تنظيما يخضع للتدهير التدريجي أو ما يسميه بالتأنيس الالهي، ويرى فيري أن الفكر الفلسفي بعد المسيحية ساهم بقوة في التأنيس الالهي، قائلا ” يمكن تعريف الفلسفة الغربية الحديثة بكونها محاولة لاعادة ترجمة مفاهيم الدين المسيحي الكبرى في خطاب دهري” ومستشهدا على ذلك بالقيم التي تضمنها إعلان حقوق الانسان، فهذا الإعلان على حد تعبيري ليس شيئا آخر سوى المسيحية مدهرنة و معقلنة.
هذا من جهة المسلمة الأولى التبدل الديني، فلننظر الآن إلى هذه النماذج الأربع من جهة مسلمة التخلق: يرى روسو أن القانون الإلهي الذي يتضمنه الدين الطبيعي قانون أخلاقي صريح، وانه مبثوث بثا في القلب، و يرى أن ضمير الإنسان هو الذي يرشده إلى هذا القانون متمتعا بعصمة لا يتمتع بها العقل، فقد يخطئ العقل أما الضمير حسب روسو لا يخطئ، وهذا يعني أن روسو يقرن الدين الطبيعي بأخلاق الباطن، فيوافق ما نقول، كما ان قول روسو بطغيان المؤسسات البشرية على الواجبات الأخلاقية في الدين العمومي يدل على أن التراكم المؤسسي يجعل أخلاق الظاهر مقدمة على غيرها، يعني أن روسو فرق وأدرك الفرق بين أخلاق الظاهر وأخلاق الباطن، وكذلك كانط تأثر تأثرا به، فرق أيضا بين أخلاق الباطن وأسماها بالأخلاق الداخلية وأخلاق الظاهر وأسماها بالأخلاق الخارجية.
أما دوركايم فهو عالم من العلماء فكل الأخلاق ستكون عنده خارجية لأنه سينظر إليها كظواهر اجتماعية يتناولها البحث العلمي الموضوعي، يعني لن تكون هناك اخلاق باطن، إذن هناك فرق بين هذه النماذج بالنسبة للمسلمة التالية.
بقي لنا فيري الذي بدوره فرق بين نوعين من الأخلاق، سما أحدهما morale وهي أخلاق الواجب والثانية سماها éthique وهي أخلاق الخلاص، وتدخل فيها كل الاسئلة التي تتعلق بحياة الإنسان وبالمسائل الوجودية التي تواجهه مثل الشيخوخة والموت والألم والمرض، إلا أن هناك نقطة خطيرة في فكر فيري وقد أشار وقال بان الفلسفة الحديثة إنما هي دهرنة المفاهيم الدينية فهو دهرن مفهوما خطيرا و أساسي هو ما يسمى بالتعالي فيتكلم عن تعالي لا مفارق للوجود و إنما تعال مقارن للموجودات؛ يعني أفقي، فيقول بأنك تخرج إلى الأشياء في تعال ولكن ليس إلى الأعلى وإنما إلى الأفق يسميه بالتعالي المفارق، يقول بأن القيم نحن ندركها لا بصعود و إنما بإسراء أي أننا ندركها في تعال أفقي –سنتبين نتائجها فيما سيلي- أيضا أدرك الفرق بين الأخلاق و أخلاق الخلاص هي من هذا النوع هي اننا نعتمد تعال مقارن.
إذن بقيت المسلمة الثالثة، كيف تعاملت هذه النماذج مع المسلمة الثالثة؟ وهي مسلمة الآمرية الالهية، لقد ذكرنا أن روسو ينكر الوحي والرسالة و يشك في الوحي، والشك في حق الالوهية ذاتا أو أوصافا أو أفعالا هو في حكم الإنكار الصريح، ومن يشك في الوحي أو ينكره يلزمه أن يكون منكرا للآمرية الالهية، كما أن روسو لا يسلم بالشعائر المنزلة ويختزل الشعائر كلها في أعمال القلب، كما يختزل أعمال القلب في عمل واحد وهو الثناء باللسان على الاله دون الدعاء تثني فقط ولا تدعوا، ومن ينكر العمل بالشعائر المنزلة، ينكر كذلك أن الاله أمره بالعمل بها، و إذا ثبت أن روسو لا يقول بالآمرية الالهية طبعا، وجب أن يقول بأن الآمرية للانسان وحده، وهذا على التعيين ما تؤكده المنزلة التي انزلها الضمير حيث اسند إليه الضمير حيث اسند اليه الصفات التي تسند أصلا للإله؛ من عصمة وخلود وكمال، كما جاء في مناجاته للضمير “أيها الضمير أنت الغريزة الالهية والصوت العلوي الذي لا يفنى أنت الهادي الأمين لكائن جاهل ناقص، أنت الحاكم المعصوم الذي يحكم على الأعمال بالخير والشر جاعل الإنسان أشبه بالله فبفضلك كمال طبيعته وتخلق أعماله” هكذا يخاطب الضمير.
أما كانط الذي شغله تأسيس الأخلاق، فيقول في مستهل كتابه “الدين في حدود العقل”: ” لما كانت الأخلاق تتأسس على مفهوم الإنسان لم تكن الأخلاق بحاجة لا إلى فكرة كائن آخر أعلى لكي يعرف الإنسان واجبه، ثم يستمر ويقول أما الأخلاق فلا تحتاج البثة إلى الدين، ومثل كانط في هذا التأسيس الأخلاقي كمثل روسو الذي جعل الآمر من نفسه متمثلا في الضمير فكذلك كانط جعل هذا الآمر من نفسه متمثلا هذه المرة في الإرادة ويخاطبها مخاطبة روسو للضمير، يقول “ليس في كل ما يمكن تصوره موجودا في العالم وحتى خارج العالم على وجه العموم شيء يمكن اعتباره طيبا بلا قيد إلا أن يكون الإرادة الطيبة.. وليست قدرة الإرادة الطيبة على الوصول الى هذا الهدف أو ذاك، وإنما فعل الإرادة وحده”؛ أي انه في ذاتها طيبة
يعني فعل الإرادة ينزل منزلة الآمر الإلهي بل حل محل الآمر الإلهي.
أما دركا يم فكان يرى أن الأخلاق الدهرية لابد أن تستمد من سلطتها من كائن أقوى وأعلى من الجميع، لكن هذا الكائن ينبغي أن يكون غير الاله، فأين وجد ضالته؟ وجدها في المجتمع باعتباره كيانا مستقلا، نفس الخطاب الذي وجهه كانط إلى الإرادة، وروسو إلى الضمير نجده يواجه به المجتمع فيقول” المجتمع بالنسبة لأعضائه كالاله بالنسبة لعباده، فالاله هو قوة أعلى من الإنسان تأمره وتستتبعه فكذاك المجتمع له نفس العلو علينا، بل يزيد دعواه بيانا فيقول “المجتمع من جانب أشبه بالله الذي يغار ويرهب، أشبه بالمشرع الصارم الذي لا يسمح بتعدي أوامره.. هو الاله المغيث الذي يضحي من أجله المؤمن”.
أما فيري فيذهب بناسوتيته الثانية – إلى أبعد مما ذهبت إليه الناسوتية الأولى وهي ناسوتية القرن الثامن عشر- في اقامة الانسان مقام الاله بل جعله يزدوج به، فقد وضع مصطلحا مركبا وهو الإنسان الاله، ليدل به على الآمر الآدمي ويستبدله مكان الآمر الالهي فيقول “إن الناسوتية ليست بالتي تلغي الروحية بل إنها على العكس من ذلك توصلنا لأول مرة في التاريخ إلى روحانية أصيلة تخلصت من بهارجها اللاهوتية وتأصلت في الانسان نفسه لا في تصور عقديا للألوهية ويرى أن آثار الانسان الاله يدل على التقديس الذي يعزى إلى القيم التي يستعملها الانسان، ويذكر قيمتين يركز عليها كثيرا هما؛ التضحية والحب، حتى أن آخر كتاب له هو ” ثورة الحب”.
إذا أجملت لكم هذه المواقف، فبعد الفراغ من الاستدلال على دعوى الفصل الدهراني أي فصل الأخلاق عن الدين، يمكن أن نجمل ما تقدم فنقول بأن هذا الفصل اتخذ أربعة نماذج مختلفة، النموذج الطبيعي و النموذج النقدي و والنموذج الاجتماعي و والنموذج الناسوتي، وقد اختص كل نموذجا منها بطريق معين في التعامل مع مسلمتي التبدل الديني والتي تميز بين الصورة الفطرية والوقتية ومسلمة التخلق المزدوجة التي تميز بين اخلاق الباطن والظاهر، لكن هذه النماذج الأربعة اتفقت جميعها على الاعتراض على المسلمة الثالثة التي تقرر الآمرية الالهية إذ كلها ردت هذه الآمرية وأنكرتها متخذة الآمرية الآدمية بديلا منها وان اختلفت مضامين هذه الآمرية الآدمية باختلاف النماذج،فالنموذج الطبيعي نسب الآمرية إلى الضمير، والنموذج النقدي أسندها إلى الإرادة، والنموذج الاجتماعي نسبها إلى المجتمع والنموذج الناسوتي أسندها إلى الإنسان الاله، وواضح أن إنكار هذه النماذج للآمرية الالهية هو الذي جعلها تفصل الأخلاق عن الدين، وسوف يتبين هذا الفصل يرجع في نهاية المطاف الى فصل الدين عن نفسه.
إذا نحن تأملنا مليا هذا الإنكار للآمرية الالهية، فالمشترك بين هذه النماذج الأخلاقية الأربعة، ألفينا أن مرده إلى سبب رئيس واحد؛ وهو ما أسميه الجهل بـ”القدر الالهي” كل هذه النماذج تجهل القدر الإلهي “وما قدروا الله حق قدره” ويتمثل هذا الجهل بالقدر الإلهي في تصورات فاسدة لعلاقة الإله بالإنسان ونحصيها في أربعة التصور الخارجي والتصور التبعيضي و التصور التسيدي و التصور التجسيدي، وتشترك النماذج الأخلاقية الأربعة في هذه التصورات بأقدار مختلفة، بحيث غلب التصور الخارجي على النموذج النقدي والتصور التبعيضي على النموذج الطبيعي، كما غلب التصور التسيدي على النموذج المجتمعي و التصورالتجسيدي على النموذج الناسوتي.
(يتبع) ……..

عبد الخالق بدري