dr taha
قالوا عن طه

كليم الفلسفة بين ألم الحصار وغسق العزلة

الإثنين 10 فبراير 2014

كل من تماهى بشكل أو بآخر مع الكتابات التي نشرت أخيرا بجريدة القدس العربي أو جريدة المنظمة المغربية بصدد أحد فحول الفكر ببلاد المغرب لا يسعه إلا أن يدفع بغوايته إلى القبض على زمن غرائبى قبل انفلاته وإلى المبادرة بنقد الحصار الثقافي والإعلامي الذي ضرب على المنطقي المغمور في وطنه المغمور وانتقاد قانون الصمت المكشوف الذي حظي بإجماع الأقلية المطعون في صحته ومصداقيته.
وأمام هذا الوضع المصطنع في عصر ثورة التكنولوجيا والطوفان الإعلامي، لابد للتاريخ أن يضيف هذه الحالة النادرة إلى عجائب الدنيا المعروفة، كما أنه سيعيب علينا عاجلا هذا الحيف المرضي الموجه ويروي آجلا لحفدتنا حكاية تهميش مؤلفات ومشروع الرهيب وحبكة الحصار، ويشهد بأن الجحيم هو نحن وليس الآخرين، ويعاود الكرة، فيعبد نفسه مع وصمة عار أخرى ثابتة يحمل سيماها في وجه الجريح.
وحتى لا ينسحب علينا حديث “الساكت عن الحق شيطان أخرس نؤكد في هذه المساهمة المتواضعة بأن ذلك المنطقي وهذا الفيلسوف هما صفتان للدكتور طه عبد الرحمان صاحب المجال التداولي والتكوثر العقلي والحجاج ومبدع الترجمة البليغة للكوجيطو “انظر تجد” في أكتر من مئة من كتاب الفلسفة والترجمة الذي لو قدر لديكارت أن يبعث حيا لا نبهر له ولهذه الترجمة التأصيلية التي توجت بحكمة عميقة الأدلة المستفيضة والدقيقة الواردة في صفحات هذا الكتاب.
فمع مشروع الضخم “فقه الفلسفة” اختار هذا الرجل/ المؤسسة” أن يقيم ولو معزولا ومجهول في قلب وطنه بدل أن يعيش معلوما في بلد غيره وذلك ليؤسس علما جديدا نافعا يؤثث فضاء لأمة العربية الإسلامية لكي تباهي به الأمم وتفرض وجودها على الساحة العالمية مع مطلع الألفية التالية وتحتل المكانة اللائقة بصفتها أمة الإسلام والفكر والفلسفة والإبداع.
فليس ضربا من الخيال أن تصدح فئة جد قليلة من الكتاب والمفكرين بالحق والحقيقة في زمن أصبح من اليسير على الإنسان أن يقول الحق على نفسه ومن العسير أن يجهر بالحق في غيره، فمن اللازم علينا أن نشير هنا على سبيل المثال إلى ما جرى به قلم الدكتور عباس أرحيلة حين كتب: “ود. طه عبد الرحمان لا أجد من أقارن به في مجال تخصصه في نهاية هذا القرن.. وألاحظ أن أعماله لم تحظ بما تستحقه من عناية.. وأرى فيه مثالا للباحث المجتهد الذي يراكم الإجتهادات تلو الإجتهادات.. ودون أن تنتظر كلمة من أحد” (1)، وهاهو الدكتور سعيد علوش يكتب بدوره: “طه الذي يعيش عزلة الفيلسوف.. فإن عماءنا الأدبي يقودنا إلى وضع طه في كفة وباقي زملاء دربه في الكفة المقابلة” (2).
فالإنصاف، والحالة هذه، لم يصدر عن أدعياء الفلسفة ولكن عن أدباء أجلاء، “شاهدين من غير أهلها” خبروا الإبداع وذاقوا سر التواصل والتلاقي وأدركوا تمام الإدراك جوهر مشروع فيلسوفنا الحكيم وآفاق استثماره المستقبلية.
وليس أيضا من باب الصدفة أن يرى مشروع “عبد الرحمان” النور في العقد الأخير من القرن الحالي ليكتمل بإذن الله في العقد الأول من القرن الآتي إذ لاحظنا أنه على رأس كل سنة يصدر الكتاب الواحد منه ليجدد شيئا فشيئا “عقول” هذه الأمة وتاريخها “المتكرر”.
إن الحصار المفروض على فيلسوف الكفاف والعفاف في حله وترحاله ومرضه وإنتاجه وإبداعه.. وهو حصار مقصود وغير بريء، ويتجلى أخطر مظاهره بالخصوص في الأغراض المبيت عن مشروعه العلمي المتميز والمجدد بالمقارنة مع مشاريع الذين تصدروا قبل حينهم وأرادوا أن يتبرءوا بدون إستحقاق كرسي محبة الحكمة فلم يخجلوا من أنفسهم ولم يستحيوا من الله والعباد.
فالدكتور طه هو بحق الفيلسوف الذي تنكتب له الفلسفة على أسس صحيحة وحجج دامغة، وهو الأب الأصيل للمنطق الرياضي الحديث في البلاد، والرائد المتمكن من ممارسة الإبداع الفلسفي، والشيخ البارع في تجديد الفكر الإسلامي…” إنه الفتى الذي قال كان أبي والذي يقول هاأنذا (3)… ومع الأسف الشديد، لو تعلق الأمر بأحد “مهندسي ومافيوزي الثقافة” أو بأحد “منتجي الأفكار والمصطلحات والمناهج” لدقة الطبول وقرعت الدفوف وأقيمت الدنيا من حوله وما اقعدت.. ولكن فيلسوفنا المنطقي سلك سبيلا مغايرا وانصرف إلى غير ما انصرف إليه أولئك وهؤلاء ووهب حياته لعلم الفلسفة بل أتى على بدنه لانتشال جسد أمته من بحر التقليد الأعمى وسراب التبعية الكاذبة وظلامية اللغو المعبود…

حارث أبو همام

1 ـ العلم الثقافي، الرباط 7/11/1998.
2 ـ العلم الثقافي/ الرباط، 19/12/1998.
3 ـ أنظر بالتفصيل كتاب “العمل الديني وتجديد العقل” لطه عبد الرحمان”، الصادر عن المركز الثقافي العربي.
المصدر: القدس العربي، لندن، العدد 3158، السبت ـ الأحد 3 – 4 يوليو 1999.