dr taha
مقالات عن طه

قراءة في كتاب المركز عن طه عبد الرحمن – هل ثمة تشابه ما، بين مشروع طه عبد الرحمن ومشروع عبد السلام ياسين؟

الثلاثاء 9 فبراير 2010
news_83b97653-ed16-4ecf-89af-56169cb4441b

هل ثمة تشابه ما، بين مشروع طه عبد الرحمن ومشروع عبد السلام ياسين؟

وحده ذكر إسم الشيخ عبد السلام ياسين، كفيل بإثارة فضول أتباعه بالدرجة الأولى، والأتباع المنافسين في باقي الحركات والأحزاب الإسلامية (حركة “التوحيد والإصلاح” وحزب “العدالة والتنمية” مثلا، في الحالة المغربية)، إضافة إلى فضول بعض الباحثين والمتتبعين ومن يهمهم الأمر.
أما ذكر إسم الفيلسوف المجدد طه عبد الرحمن، فهذا أمر يثير فضول متتبعي أعمال الرجل، و”أتباعه”، على قلتهم طبعا، إن صح الحديث عن “أتباع”، لأنه ما يُؤاخذ تحديدا على شخص طه عبد الرحمن، كونه لم يتفرغ بشكل أو بآخر، لتأسيس “خلية بحثية” تُعنى بترويج مشاريعه العلمية، على غرار السائد مثلا مع محمد أركون وعبد العروي، على سبيل المثال لا الحصر.
ولعلّ أبلغ رد يمكن أن يصدر عن طه عبد الرحمن في هذا الصدد، كون تصاعد لائحة المتتبعين في المشرق (على الخصوص) والمغرب، لأعماله، بل وترجمتها إلى اللغة التركية (إلى جانب ترجمة أعمال محمد عابد الجابري)، أنبل وأصدق من التفرغ لتأسيس تلك “الخلايا” و”الشبكات”، والتي تكاد تصبح أشبه بـ”كانتونات ثقافية مؤدلجة”، أكثر منها مؤسسات بحثية رصينة، تُروج لأطروحات معرفية “تنفع الناس”.
ترتبط أسباب نزول التساؤل سالف الذكر (الّشبه الافتراضي طبعا، بين مشروع طه عبد الرحمن ومشروع عبد السلام ياسين)، بما اختتم به الباحث المغربي إبراهيم مشروح، عمله الذي يحمل عنوان: “طه عبد الرحمن.. قراءة في مشروعه الفكري”، والصادر مؤخرا عن مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي في بيروت، ضمن “سلسلة أعلام الفكر والإصلاح في العالم الإسلامي”، حيث أتحفنا المؤلف بالارتحال مع أهم محطات مشروع هذا الفيلسوف المجدد، من خلال أربع فصول، وهي “المنعطف اللغوي المنطقي وسؤال الفكر”، “الحقيقة والمنهج في تقويم التراث”، “فقه الفلسفة وسؤال الإبداع”، وأخيرا، “سؤال الحق ومشروعية الاختلاف”.
وجاءت الملاحظة النقدية (أو التساؤل إياه)، في إحدى هوامش الفصل الخامس من الكتاب (“سؤال الحق ومشروعية الاختلاف”. ص 235)، حيث اعتبر إبراهيم مشروح أن التفريق الذي سطّره طه عبد الرحمن بين “واقع الحداثة” و”روح الحداثة”، أفرز “خمس نتائج ومسوغات تُشرعن “طلب حداثة إسلامية”، وهي دعوى، برأي الباحث، “تخالف في الظاهر، دعوى أخرى تتعلق بأسلمة الحداثة التي دعا إليها أحد مجايلي طه عبد الرحمن، يتعلق الأمر بعبد السلام ياسين في كتابه “أسلمة الحداثة”، فهمها يلتقيان على المستوى الاستراتيجي، بيد أنهما يختلفان على مستوى تصريف هذه السطرجة”. (انتهى الاقتباس الحرفي)
يصعب في الواقع استيعاب أُسس وصواب الحديث عن التقاء طه عبد الرحمن مع عبد السلام ياسين في “الأفق الاستراتيجي”، والأدهى، أن يصدر هذا الحكم الاختزالي عن قلم يُحسب له التوفيق الجلّي في تلخيص مشروع طه عبد الرحمن للمتلقي، في سابقة عربية/إسلامية، من نوعها، في انتظار مساهمات أخرى قادمة في الطريق، إضافة إلى أنه حظي بالتتلمذ والتكوين والتأطير على يد طه عبد الرحمن بالذات، (مرضيٌ عنه معرفيا، ذلك الذي يكون طه عبد الرحمن، مؤطره الأكاديمي).
نعتقد جازمين، وبقين لا يصدّه إلا مقولة الإمام مالك رضي الله عنه (كل يُؤخذُ من كلامه ويُرد)، أن المشروع المعرفي لطه عبد الرحمن، إلى جانب مشاريع موازية لأعلام من طينة علي عزت بيغوفيتش وعبد الوهاب المسيري (رحمهما الله)، ليست موجهة فقط لأبناء المجال التداولي الإسلامي/الأوروبي، في حالة بيغوفتش، أو أبناء المجال التداولي الإسلامي/العربي في حالة المسيري، وإنما لأبناء المجال التداولي الإسلامي/الإنساني ـ أو المجال التداولي الإنساني/الإسلامي، حتى لا يؤاخذ علينا احتكار النطق باسم “الحقيقة الدينية” ـ وهذه لطيفة لم يتفطن إليها العديد من قراء ومتتبعي مشاريع هؤلاء الأعلام، فالأحرى ألا نتوقع أن يتفطن لها من ركب موجة “النقد من أجل المخالفة”، أو “النقد المؤدلج”.
وسبق أن أشرنا، في معرض الترحال مع ثنايا هذا الكتاب التعريفي القيّم بأعمال طه عبد الرحمن، أن الذي يتأمل سمات تفكيك المسيري لظاهرة أغاني “الفيديوكليب” مثلا، في مبحثه القيّم الموسوم: “الفيديوكليب والجسد والعولمة”، سيخلُص لا محالة إلى أن هذا التفكيك يفيد حتى المتلقي الياباني والبرازيلي والأوغندي والأسترالي، في معرض فهم الظاهرة وحُسن التعامل معها، وينطبق ذات الأمر على طه عبد الرحمن، في مقاصد كتابه “سؤال الأخلاق”، أو “روح الحداثة”.
والحالة هذه، كيف نضع طبيعة المشاريع المعرفية لطه عبد الرحمن المغربي وعلي عزت بيغوفيتش البوسني وعبد الوهاب المسيري المصري وأبي يعرب المرزوقي التونسي.. في نفس الخانة المفاهيمية التي تضم مشاريع إسلامية حركية صريحة، سواء تعلق الأمر بحالة الشيخ عبد السلام ياسين أو بأسماء إسلامية حركية من الوطن العربي والعالم الإسلامي.
أتباع جماعة العدل والإحسان، في الداخل والخارج، (في إسبانيا على الخصوص) معنيون بتفكيك رصين وصريح لمعالم مؤلفات مرشد الجماعة، ومعنيون أكثر بالتفكير في معالم البنية التنظيمية للجماعة في حقبة “ما بعد عبد السلام ياسين”، حيث من المنتظر أن يتم اختزال النقاش في أحقية هذا الإسم أو ذلك، على قيادة سفينة، لم تعد تضم إسما كاريزميا مُجمعا عليه، ومنخرطة في صراع يكاد يكون “وجوديا” ضد نظام ومؤسسة وتديّن معين.
أما الباحث إبراهيم مشروح، فإنه تجاهل على ما يبدو، أن مشروع طه عبد الرحمن، غير معني أصلا، بالانخراط في “صدام وجودي” ضد نظام ومؤسسة وتديّن معين، ويكفيه أن يتأمل تحفة “الإسلام بين الشرق والغرب” لبيغوفيتش أو “العلمانية الجزئية والعلمانية الكاملة” للمسيري (حتى نترك جانبا طه عبد الرحمن)، وتأمل تعامل وتفاعل القراء والباحثين اليوم، بعد رحيل هذين العملاقين، حتى يفكر مليّا في قلاقل الحديث/التساؤل عن “التقاء طه عبد الرحمن بعبد السلام ياسين على المستوى الاستراتيجي، واختلافها على مستوى تصريف هذه السطرجة”.
لم نقرأ لعبد السلام ياسين أن أعطاب الجهاز المفاهيمي للحداثة الغربية، جاءت بالصيغة النقدية التفكيكية الصارمة في “روح الحداثة”؛
ولم نسمع يوما عن طه عبد الرحمن أنه تبنى شعار “الإسلام أو الطوفان”، وكيف يصدر عنه هذا الشعار/المشروع، وهو يقود مشروعا معرفيا نكاد نختزله في ثلاثية: “العقلانية”، و”الحوارية” و”الأخلاقية”!
الإسلام لم، ولن يُختزل يوما في حركة إسلامية أو حزب إسلامي، وإذا كانت موضة أحزاب “العدالة والتنمية” في تركيا والمغرب وماليزيا، تسيل لعاب العديد من الفعاليات الإسلامية الحركية، فهذا شأن يؤرق بالدرجة الأولى عقلنا الإسلامي المعاصر (عقل المؤسسات الدينية الرسمية والعقل الجمعي وعقل الباحثين وأهل الأفكار الطولى)، وليس العقل الإسلامي الحركي، الذي لا يمثل إلا جزءا بسيطا في خريطة عقلنا الإسلامي إياه.
والله أعلم.

مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي