dr taha
أعمال عن طه

قراءة في عقلانية الحداثة المؤيدة عند طه عبد الرحمن

الخميس 4 سبتمبر 2014
livretahaseghrir

“عقلانية الحداثة المؤيدة: استقراءات في تفكيك أعمال طه عبد الرحمن”، هو عنوان أولى مؤلفات الباحث المصري محمد أحمد الصغير على، والصادر منذ أسبوع عن دار “عالم الكتب الحديث”، إربد، الأردن، ط 1، 2014) وقدم له الباحث المغربي يوسف بن عدي، أحد متتبعي أعمال الفيلسوف المجدد طه عبد الرحمن.
جاء العمل موزعاً على تقديم، حرره الباحث المغربي يوسف بن عدي، ومقدمة، متوقفاً عند بابين متماسكين.
1 ـ أما الباب الأول: “العقلانية المؤيدة في الفكر الفلسفي المعاصر” فقد أبرز معالم التفكير النقدي وأصوله المنطقية والمنهجية في نقد الحداثة ومخلفاتها ونتائجها، ونقد التراث ومحدوديته. ليقف طه عبد الرحمن موقف أرسطو الوسط العادل، إن صح التعبير، بين نقد تهويل الحداثة وأفكارها وفلسفاتها حتى صار أهل الحداثة بهذا الوضع، إلا قلة أو أقل من القليل، في دائرة التقليد وهم يحسبون أنفسهم في الابداع والتجديد، مما ينتج عنه التصادم مع مبادئ الحداثة التي منها: مبدأ الاستقلال الذاتي عدم التبعية.
2 ـ أما الباب الثاني، فيحمل عنوان: “استقراءات في تفكيك النص” وهو باب للمعترضين على مشروع فقه الفلسفة لطه عبد الرحمن من زوايا مختلفة ومنهجيات متنوعة. ولعل نوعية المشروع لا يكون إلا حينما تتقاطر عليه الانتقادات والتقويضات، إذ هو شرط ابداعه وإتيانه بما لم يأت به هؤلاء أو على الأقل اختار طريق الابداع الفلسفي على خلاف الطريق المألوف تقليد الحداثة من دون رؤية أو إعمال للفكر. وهذا هو الباعث المنهجي والمعرفي وراء اختيار الأستاذ الصغير لعنوان هذا الباب الذي له دلالة وإشارة كثيفة.
نأتي لتقديم العمل، بقلم يوسف بن عدي، واعتبر أن مشروع طه عبد الرحمن الفكري إنما ينحصر في أمرين اثنين: أولهما مرفوض ومذموم، وثانيهما مطلوب وممدوح: فأما الأمر الأول فهو سيادة التقليد وتقليد التقليد الذي تنجلي بمظاهر وتجليات مختلفة باختلاف التيارات والمدارس و متقلبة بتقلب المذاهب الفكرية الغربية السائدة، بل إن صور التقليد تتنوع بتنوع الحقب التاريخية العربية والإسلامية حتى ترسخ في أذهاننا وعقولنا دعوى “مضللة” مفادها أن الغرب هو المنقذ من الضلال والمنقذ من التخلف والتأخر التاريخي والحل لمأزقنا الوجودية ومشكلاتنا الثقافية وبالسياسية وهلم جرا. فكان تقليد الغرب عندنا، فن من فنون “الإبداع” و”السلطة العلمية” يتنافس عليها المتنافسون مجاهدة ومكابدة منهم على سلخ الهيو عن وجودها الحقيقي، ومسخ ماضينا الحضاري والثقافي العريق، ونسخ مرجعيات وفلسفاتهم وتوجهاتهم بدون قيد ولا شرط؛
وأما الأمر الثاني، يضيف بن عدي، فيخص مسار الإبداع ومشاهده، وهو مسار لا قائمة له و لا نهضة إلا عن طريق تقويم التقليد، بل قل كسر بنياته اللغوية والمعرفية و المنهجية. فانظر كيف أنّ مناهضة التقليد من قبل د. طه عبد الرحمن تستنفر قوى المقلدة المتأخرين والمتقدمين لردع النهضة الإبداعية والإجهاز على صوت اليقظة الفكرية التجديدية. لهذا لعجب أن يسارع أهل التقليد من إبداء استيائهم من فكر “رجعى” و”أصولي” و”ماضوي”.. وغيرها من النعوت والأسماء التي تلصق عن جهل واستكبار بمشروع طه عبد الرحمن المبدع. بل إن هؤلاء القوم لم يفكروا بفكر الحداثة ومبادئه، ولم يتوسلوا بصيغ وفرضيات الحداثة البعدية وافقها من حيث دفاعها عن حق الاختلاف والتعدد باعتبارهما جوهر نهضة الأمم و تقدم الشعوب والحضارات، ولم يفكروا أيضا على الأقل بفكر “كانط” الذي يدعو في غير ما مرة ،إلى أن الانتقال من مبدأ القصور (Tutelle) إلى الرشد والخلاص الأبدي من التفكير بالوكالة! لذلك كان الأديب المغربي عباس أرحيلة موفقاً حينما عنون كتابه عن فكر طه عبد الرحمن بأنه “فيلسوف في المواجهة”. أي مواجهة الفكر المنغلق والارتداد إلى الوراء والاستلاب في أحضان الغير م دون تعقل أو تفكر.
وأضاف بن عدي أن مؤلف الكتاب، الأستاذ الباحث محمد أحمد الصغير، راهن على إبراز معالم مشروع طه عبد الرحمن سواء على مستوى تجربته الصوفية الذوقية أم على مستوى مفاهيمه الفكرية والمنطقية المبدعة، وهذا يعني القطعية بينهما، كما يتربص المتربصون، والمستشكلون، بل أنها لغة واحدة ومنطق واحد، عوالم متعددة من المعاني والدلالات..لا يدخل إليها إلا من كانت نفسه عارفة ومتذوقة للنظر الملكوتي غير مكتفية بالنظر الملكي! معتبراً أن الكتاب يُعتبر إضافة فكرية ومعرفية للساحة الثقافية العربية – الإسلامية المعاصرة لما فيه من رسم لخرائط تفكير طه عبد الرحمن واليات اشتغاله على فكر الحداثة وثقافة التراث بغية البحث عن طريق الاستقلال الفلسفي الناهض الذي يستلزم شرطان متلازمان على وجه الفصل لا الوصل وهما: لا بداع مع وجود التقليد. ولا حداثة من دون تخلّق.