dr taha
أعمال عن طه

في المغالطات المنطقية للعقل القابيلي من خلال «سؤال العنف» عند طه عبد الرحمن

الأحد 4 يونيو 2017

1. منذ كتابه «في أصول الحوار وتجديد علم الكلام» الصادر في طبعته الأولى سنة 1986، وقف الفيلسوف المنطقي طه عبد الرحمن متأملاً مفهوما الحوار والعنف؛ حيث أثّل ماهيتهما اللغوية والفلسفية، وﭐستشكل مسائلهما الثقافية الحضارية، وحلّل مفاصل قضاياهما المنطقية.

من ثمّ، وضع القوانين الضابطة لصرف آفات العنف في القول والسلوك والضمير، ودافع عن فضيلة الحوار والاختلاف والتعارف. بل إنّ ما تفكّر الرجل في هذين المفهومين، تمّ بنظر فلسفيّ حيّ ومبدع. وفي كلّ مؤلفاته التي اهتمت بالمفاهيم السابقة، لا ينفك يصدح أن حيّ على الإبداع، بل وفي كلّ مناسبة فلسفية يلتقي فيها مع جمهور المثقفين وخاصّة العلماء (1)؛ ففكره لا ينفصل عن فعله، ولا أدلّ على ذلك قبوله الحوار والاختلاف والنقد، من فلاسفة ومفكرين وباحثين يختلفون معه في وجهات النظر الفلسفي العلميّ، بل إنّ بعضهم – ورغم صيته الواسع في بعض البلدان – ليتجرأ في رأيه الغريب، منتقداً مشروع طه بوصف بعيد كلّ البعد عن الموضوعية!

ولم نجد في مشروع طه على قوته النقدية لكبار الفلاسفة الدهرانيين وتلامذتهم، نقداً خرج عن مبادئ الموضوعية والحس السليم.

أ ليس هو القائل بأن لكل من قرأ مشروعه حق الاحتفاظ بمراجعة مضامين فكره، ومعاودة النظر في نتائجه، عند مقارنة المسائل التي يطرحها، والأحكام التي يقوّمها، والمقتضيات التي يضبطها، وما ذلك إلا من فرائد المشروع الفلسفي الناضج، والجريء في الاستشكال والمطارحة (2). ويأتي كتاب سؤال العنف: بين الائتمانية والحوارية في مسير طه الفلسفي الحيّ، ضاماً عموم إشكالات الإنسانية في العنف بعضها إلى بعض، من أجل حلّها حلاّ حكيماً، بعيداً عن مقاربة العنف المضاد، ولكن من منظور الفلسفة الائتمانية الطاهائية، التي تقوم على الأمانة والأمان والأمن طريقاً، وعلى الحوار والمحاورة والتحاور منهجاً.

وقبل البدء في تحليل المغالطات المنطقية التي يلجأ إليها العقل القابيلي في تمويهاته ودفاعه عن أفكاره العنيفة، لا بأس من تفصيل القول في مفهومي «المغالطات المنطقية» و«العقل القابيلي».

2- في مفهوم المغالطات المنطقية Logical fallaices: تسمى المغالطات تاريخياً بالسفسطات (3)؛ ويقصد بالمغالطات المنطقية جملة الأساليب الفاسدة منطقياً، يستعملها المخاطب ليغالط الجمهور / المخاطب بعد عجزه عن الإتيان بالدليل الصحيح.

من ثمّ، فالمغالطات المنطقية تعدّ من المباحث المنطقية اللاصورية الحديثة، تهتم أساساً برصد سوء الدليل وفساد طريق الاستدلال ومنهجه عند المتكلم. أو إن شئت قلت المنطق غير الصوري هو «استخدام المنطق في تعرّف الحجاج، وتحليلها وتقيمها، كما تردُ في سياقات الحديث العادي ومداولات الحياة اليومية: في المحادثات الشخصية، والإعلانات، والجدال السياسي والقضائي، وشتى ألوان التعليقات التي نصادفها في الصحف والإذاعة المرئية والمسموعة وشبكة الإنترنيت وغير ذلك من وسائل الإعلام» (4).

مع العلم أنّ مبحث «المغالطات المنطقية» أولاه النظار المسلمون فائق العناية، ليس فقط من خلال النظر في «أورغانون» أرسطو ولكن أيضاً في الاجتهادات العملية التي أضافوها لهذا المبحث المنطقي الصوري، خاصة تلك التي ترتبط في «الحكم على النظر والتناظر بالصحة والفساد من جهة وبالحسن والقبح من جهة أخرى مما ساهموا به في تعيين جملة من المعايير الخلقية والأدبية التي ينبغي بها النظر والتناظر. وأعتقد أن هذه المساهمة الإسلامية، كما تبلورت في حلقة المتكلمين والأصوليين، مساهمة ذات أبعاد منطقية وطبيعية لا اختصاص لها بالانتماء العقدي لدين الإسلام ولا تدافع بينهما وبين مساهمات أخرى، غير إسلامية، لتخليق النظر والتناظر. من هنا كان النظر الإسلامي ــ العربي القديم ــ في تحسين النظر والتناظر وتقبيحهما نظراً ذا آفاق إنسانية ‘مشتركة’ من جهة وذا أوصاف “منطقية” و”منطقية طبيعية” من جهة أخرى » (5).

وعملنا، من جهة، ينصب على المغالطات المنطقية للعقل القابيلي وتفتيتها، ومن جهة ثانية أن هذا العمل يأتي في سياق بيان جهود د. طه عبد الرحمن العلمية في تشخيص علل ظاهرة العنف، وكشف هيكلها الفارغ من الحجة البالغة، بآليات منطقية استدلالية، ومن جهة ثالثة للتعريف بمساهمة المناطقة التداول العربي الإسلامي في تخليق العمل التدليلي من خلال وضع ضوابط أخلاقية تضبط بها المغالطات، أو أشباه الحقائق.

3- في مفهوم «العقل القابيلي»: العقل القابيلي نسبة إلى قابيل، ابن سيدنا آدم عليه السلام، وهو العقل المتسلط، العنيفُ؛ فكما سفك قابيل دم أخيه هابيل بغير حق، كذلك يفعل العقل القابيلي، يغالط الناس ويدعو إلى سفك دمائهم.

والفلسفة الائتمانية، كما وضع أسسها طه عبد الرحمن، إنما تقتحم فضاء العقل القابيلي، بهدف كشف مغالطاته، فتنظر في إمكانية زوال العنف عنه، أو على الأقل، أن يخفّ، عسى أن يتوقف إيمان بعض بسطاء العقل بهم، ويتوقف معه مسلسل المهالك التي تتوالى على أبناء آدم عليه السلام. ولكي تقوم بذلك فقد «تصورت عالماً مثالياً لا عنف فيه، عسى أن يسترشد بقيمه ومعانيه في تلطيف الواقع، متوسلة في ذلك بمفاهيم ومعان ضاربة جذورها في روح الثقافة الإسلامية والتجربة الإنسانية» (6). هذا العالم يطلق عليه طه اسم «العالم الهابيلي» نسبة لهابيل الابن الثاني لسيدنا آدم عليه السلام. فكيف تناولت الفلسفة الائتمانية المغالطات المنطقية للعقل القابيلي؟

في مغالطات القابيلية بنظر الفلسفة الائتمانية:

 وأما وقد أصبح العنف، منتشراً في العالم أكثر من ذي قبل، فقد دعى ذلك طه عبد الرحمن إلى مقاربة فلسفية ائتمانية لمعالجته، فما هي معالمها الفكرية الكبرى؟

4. مغالطة الأوامر الشرعية: يقصدٌ بها توظيف النصوص الدينية، التي تبين أوامر الحق سبحانه، كدعامة لشرعنة للعنف.

1.4هذه المغالطة، تعتبر من أخطر ما يمكنُ أن يقف عنده الدارس في فحصه العقلانية القابيلية؛ إذ هو يفضل المقاربة الأمرية – كما يفهمها- في معالجة ظاهرة العنف. من ثمّ، ضيع على الإنسانية سنين عدداً من الإصلاح والتعارف والتراحم؛ إذ نظر إلى العنف من زاوية أمرية لحظية، لا تعرفُ في ذلك إلا التوسل بآلياتها الجامدة على النصوص. والحال، لا يمكن أن تكون الجماعة التي تأخذ بالمنازعة الحوارية إلا جماعة ديمقراطية، ولا رأي نـحمل عليه الغير بالقوة، ولو كان رأي الجماعة الصالحة! أما الجماعة التي تأخذ بالمنازعة الأمرية فلا يمكنُ أن تكون إلاّ جماعة متسلطة وبعيدة عن العمل الديمقراطي، وإن ﭐدعت خلاف ذلك.

من ثمّ، كانت من جملة القضايا التي رسخها طه عبد الرحمن في جلّ كتبه، بيان حقيقة الحوار والاختلاف، ودورهما في تحقيق السلام وبناء الإنسان، موضحاً في الآن نفسه اتصالهما الذي يمهد لمشروعية حق العرب في اختلافهم الفلسفي، لأن المقلّد من السهل عليه أن يعنّف معتقداً أنّه يسالم الناس. وهذه مفارقة متى علمنا أن المقلّد يسلّم قياد عقله للغير، سواء كان في الزمن السالف أو في الزمن المعاصر، وكلاهما خارج من مجالنا التداولي العربي الاسلامي المعاصر، وشرطه في بناء المشترك الإنساني.

2.4 إنّ دعوة طه إلى حق الاختلاف، لا تجعله يتردد في المناداة بحاجة الأمم جميعا إلى دخولها في علاقات حوارية بعضها مع البعـض؛ فالاختلاف يوجب الحوار، والحوار إنما هو تواصل السؤال المسؤول. وفي ذلك حياة للجميع، بينهما غياب الحوار يعني مما يعنيه حضور العنف، كـ«إيذاء مبني على الجهل المُلكي والملكوتي ومفض إلى الظلم المُلكي والَملَكوتي»، والعنيفُ هو «الإنسانُ المؤذي الجهول الظلوم» (7).

والغريب أن النموذج التدييني الذي لجأت إليه المقاربة الأمرية في (محاربة العنف)- كما يتداول في وسائل الإعلام – هو نموذج غارق في فهم تقليدي لنصوص الشريعة السمحة، يطلق عليه الفيلسوف طه عبد الرحمن اسم «النموذج الأمري في الصورة التقليدية»؛ من ثم سقوطه في مغالطات جمّدت النص، وجعلت من المخاطبين كائنات هي الأخرى جامدة تقليدانية فكرياً، وهو تقليدي لأنه في تعامله مع العنيف أو مع ظاهرة العنف بصفة عامة يستحضر «أولوية الامتثال للأوامر» في جانبها القانوني التشريعي، ويغيب تماماً مقاصدها «الأخلاقية» السنية، أو إن شئت قلت القيم الروحية الدينية التي تحملها الأوامر متمثلة أساساً في معرفة الآمر، الله جلّ جلاله.

وقد رسخ التعامل بهذا النموذج لزمن طويل، ورغم أن طه لا يحدد البدايات الأولى لهذا الزمن لكن يمكن أن نقول بكثير من الثقة أنها بدايات تشكلت منذ وفاة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلّم. والمثير للانتباه أن التاريخ تقدم، فقامت في الناس ثورات علمية، وطار في الناس نماذج صالحة، وبلغ العلم بالكون غاياته القصوى…لكن تعاملنا مع العنيف بقي كما كان، بل في كلّ عصر إلا ويزيد توحشاً عن سابقه، وتشدداً واهماً في العمل به.

 ومعلوم «أن العلاقة الأمرية علاقة تسلطية بامتياز، إذ لا تدع للمأمور خياراً، ولا حواراً، فتعاقبت أجيال لا تعرف أن تختار ولا تترك من يختار، ولا تعرف أن تحاور ولا تترك من يحاور، حتى ورث الجيل المعاصر «نفسية بلا خِيرة» و«عقلية بلا سَعة» في «مجتمع أمري كله». ص:70-71.

من ثمّ، علينا تعلم نموذج لغة التواصل مع العنيف، بعيدة كل البعد عن الأوامر والتسلط، وإلاّ سنكون أمام عنف آخر مضاد للعنف الأوّل، فنسقط بذلك في ظلمه وجهله وتسيّده وتربّبه، ومنازعة الحق، جلّ جلاله، في ﭐسمه «الجبّار»! فما شكل هذه اللغة؟ وما طبيعتها؟ وما نظرها الفلسفي الائتماني كما يقترحه طه عبد الرحمن؟

3.4 إنّ طه عبد الرحمن يطلق على هذه اللغة ﭐسم «اللغة الروحية»، المستمدة من الأنموذج الشاهدي المؤسس على «أولوية القيم الأخلاقية»؛ أي أن تكون مشهودة في سلوكه، و«أولوية معرفة الله»؛ أي أن يستحضر مشاهدة الله له. مما يجعله موصولا بميثاق الإشهاد الملكوتي (8) وميثاق الائتمان (9). لا أن يغرق في الغياب والغفلة وفصل اعتقاده عن اعتقاد غيره، وشحذ شهوة التملك (10)، وضيّق سبل الاتفاق والوحدة في الاعتقاد، فتشدّد، بعدما قلت قدرته على التَّخلُّق العقلي بسبب عدم الارتقاء بجهد قراءة النص، وغضِب بسبب عدم الارتقاء بجهد قراءة الواقع، وبالتالي لا يحضر إلاّ مع سلطته وتجبره وتربُّبِه (إدعاء الربوبية ومنافسة الرّب في ربوبيته) في عالم المُلك.

وهذه رؤية فلسفية ائتمانية طاهائية لاَحِبِة، طريقها واسعة، من سلكها أمن العثار.

5.4.الكلام حوار واختلاف: سبق لطه أن بيّن حقيقة الحوار والاختلاف، من خلال سلوكه مسلكاً قائماً على التفكّر في أصول المفاهيم وماهياتها الدلالية؛ إذ بيّنُ أنّ الأصل في الكلام هـو الحـوار؛ فـالكلام لا يكون إلا بين اثنين فردين أو جماعتين أو قومين (المتكلم والمتكلم معه). ويرجع طه في تحديده لهذا الأصل الحواري للكلام إلى اللسان العربي، إذ هناك لفظ قريب للكلام وهو الخطاب. وليس للمرء أن يقول إنه يخاطب/ يتكلم مع نفسه، لأنه في حالات الكلام النفسي فالمرء يتصرف وكأنه ذاتان متمايزتان فيما بينهما مجازاً!

وإذا كان الأصل في الكلام هو الحوار، فإن الأصل في الحوار هـو الاختلاف؛ فـلا نتحاور إلا ونحن ضدان متقابلان مختلفان (المدعي والمعترض). يترتب على الحقيقتين السابقتين، أن الكلام يفترض وجـود الجماعة التي تتكون من فردين عاقلين أو أكثر، علاوة على أن الحوار يقتضـي وجـود المنازعـة، لا وجود الموافقة، كما هو حال النزاعات المشهورة بين الشيعة والسنة! لكن: كيف يجوز عـقلا أن يجتمع في الحوار مقـتضـى الجماعة والمـنازعة؟

إذا ما اعتبرنا الأمر يتوقف على الحل الصوري، فيفترض التسليم بمبدأ بطلان الجمع بين المتعارضين، كما يفترض ثبوت التعارض بين المنازعة والجماعة في الممارسة الحوارية والتشكيك فيـه. لذلك، يقول طه عبد الرحمن: «ينبغي أن نبين كيف أن اجتماع المنازعة والجماعة في الحوار ليس أمراً محالاً ولا مردوداً وإنما هو أمر ممكن ومقبول معاً» (11).

ولتوضيح ذلك، اختار الفيلسوف طه نوعاً مميزاً من الحوار الاختلافي يسميه علماء المسلمين بـ”المناظرة” ويسميه العلماء المعاصرين بـ”الحوار النقدي”، وعرفه على النحو التالي: «الحوار النقدي هو الحوار الذي يكون الغرض منه دفع الانتقادات- أو قل الاعتراضات- التي يوردها أحد الجانبين المتحاورين على رأي – أو دعوى- الآخـر بأدلة معـقـولة ومقبولة عندهما معاً» (12).

وفي تفكيك طه عبد الرحمن لأصول الحوار والاختلاف ربط ذلك أيضاً بالعنف، مميزاً في العنف الممكن حصوله في الحوار بين نوعين اثنين، هما:

ـ العنف الأشد أو القمع؛ فحيث لا يوجد البرهان، لا يوجد إلا السلطان، وحيث لا يوجد الحوار لا يمكن أن يوجد إلا الحصار.

ـ العنـف الأخـف أو الحسم، واللجوء إلى طرف ثالث أو الحل الوسط أو إجراء القرعة.

أما المنازعة فهي التي تلجأ إلى العنف قمعاً وحسماً، لأن المعنف إما سيهلك أو ينشق أو يتآمـر، مما يتسبب في خلخلة الجماعة. أما المنازعة التي تنبني عليها الاختلاف، فإنها توافق الجماعة كل الموافقة وتقويها أيما تقوية.

لذلك، فإن المنازعة التي تضاد الجماعة وتضرها هي التنازع الخلافي الذي يكون في الآراء التحكُّمية المبنية على التقليد أو التشهي في الآراء. أما التنازع الاختلافي فإنـه يوافـق الجماعة وينفعها.

كما أنّ المنازعة التي تضاد الجماعة هي المنازعة التي تنبني على التفرقة التي تكون أسبابها الانشقاق في الصفوف، وانتفاء المساواة بين الأفراد. أما المنازعة الاختلافية، فتخدم الجماعة وتلائمها، لأنها تقوم على المساواة في الحقوق والواجبات بين أفرادها، وعلى مقتضى طلب جمعهم على الرأي الصائب من آرائهم.

من هنا لا يمكن أن تكون الجماعة التي تأخذ بالمنازعة الحوارية إلا جماعة ديمقراطية صريحة.

ويُقسّم طه الضوابط الصارفة لآفة العنف إلى ثلاثة ضوابط، وهي:

  • ضابط حرية الرأي وحرية النقد؛ أي لا يجوز منع أحد المتكلمين من أن يرى رأياً، ولا يمنع غيره من أن يوجه إلى هذا الرأي نقداً.
  • ضابط الحقائق المشتركة؛ بمعنى أن الرأي يثبت بالبناء وعلى المعارف والأحكام المشتركة (وهنا تأتي صعوبة البحث أو الاجتهاد في إثبات الرأي).
  • ضابط قواعد الاستدلال؛ أي أن الرأي يثبت بالتوسل بقواعد الاستدلال المشتركة.

أما الضوابط الصارفة لآفـة الخلاف، فيقسمها إلى ثلاثة هي الأخرى:

  • ضابط واجب الإثبات؛ بمعنى أن الآراء يجب أن تكون بدلائل مثبتة ومقبولة.
  • ضابط الإثبات الأنسب؛ بمعنى أن الإثبات يجب أن يكون ملائما للرأي المثبت بأنسب دليل ممكـن.
  • ضابط الاعتراض الأنسب؛ بمعنى يجب أن يكون الانتقاد ملائماً للرأي المنتقد على أنسب وجه ممكن.

أما الضوابط الصارفة لآفة الفرقة، فيقسمها إلى ثلاثة أيضاً، وهي:

  • ضابط إحكام العبارة؛ إذ ينبغي اجتناب آفات التعبير والتأويل، في مقابل طلب الإحكام في صياغة القول، وتحديد معانيـه لتجنب سوء الفهـم.
  • ضابط استقامة السلوك؛ ومقتضاه اجتناب آفات السلوك، وسوء العمل، والتعامل.
  • ضابط قبول الصواب؛ ومقتضاه اجتناب المعاندة وقبول النتيجة كائنة ما كانت.

والحكمة من كل هذه الضوابط، أنـه لا مشروعية للتعصب في الرأي ولو كثر عدد المتحاورين، ولا رأي نحمل عليه الغير بالقوة، ولو كان رأي الجماعة الصالحة!

خلاصة القول، إن بنية الكلام عند طه حوارية، وبنية الحوار ﭐختلافية، والاختلاف في الرأي يسوَّى بالحوار لا بالعنف، ويتسبب في الألفة لا في الفرقة. علاوة على أنه يتقيد حسب الفيلسـوف بضوابط منهجية ومنطقية تصرف عنه العنف والخلاف والفرقة. ووجود الاختلاف في الآراء لا يضر وجود الجماعة بل يكون خير مثبت لهذا الوجود.

لذا، فإن بناء الجماعة الإنسانية في حال الاختلاف أقوى منه في حال غيابه، واتباع منظـور واحد مهيمن على الباقي، لا بقوة البرهان، وإنما بقوة السلطان، لا محالة يؤدي إلى الهلاك!

 5. الجهاد ومغالطة الالتباس: يقصد بمغالطة الالتباس الغموض الذي يتضمنه المعنى وتأويلاته.

العنف والجهاد طرفان متضادان؛ لكن العنيف مؤذ جهول ظلوم، لا يلتزم بأخلاقيات المجاهدة التي تتطلب مخالفة شهوة التملك، والجهاد ضد كل الشهوات، وقد فتح على القيم الأخلاقية والمعاني الروحية، أو إن شئت قلت إن العنف ذو طبيعة نفسية، بينما الجهاد ذو طبيعة روحية.

ومن المغالطات السائرة بين الناس القول بأن تاريخ المسلمين قائم على الجهاد؛ فلا يترتب عن هذا القول أن الإسلام دين عنف؛ بل كل ما يترتب عليه هو «ﭐلتباس الجهاد بالعنف عند بعض المسلمين؛ إذ أن الفرق بين الجهاد والعنف غاية في الدقة، على الرغم من ظهور التضاد بينهما، لأن الجهل الطي يتصف به العنف يجوز أن يراه بعضهم علماً، إذ يكفي أن لا يرى في إدراك المعاني الملكوتية شرطاً في حصول العلم؛ وكذا الظلم الذي يتصف به يجوز أن يراه عدلا، إذ يكفي أن لا يري في العمل بالخيرات الملكوتية شرطاً في حصول العلم؛ وكذا الظلم الذي يتصف به يجوز أن يراه عدلا، إذ يكفي أن لا يرى في العمل بالخيرات شرطاً في حصول العدل؛ هذا بالنسبة لمن يختار، عن روية، إنكار المعاني والخيرات الملكوتية؛ فمثله قد يأتي من العنف ما شاء، منكِراً أنه عنف أو مقراً بأنه عنف، واصفاً إياه بأوصاف تخرجه من دائرة الجهل والظلم، كأن يصفه بأنه «عنف مشروع» أو «عنف معقول» أو «عنف ضروري» أو حتى «عنف عادل».

أما المحاربون المسلمون الذي وقعوا في العنف، فلم تفتهم المعاني والخيرات الملكوتية عن قصد، وإنما فاتهم القيام بشرط الأصل الذي يوصّل إلى هذه المعاني والخيرات، ألا وهو «الرّوح»! فالتبس عليهم الأمر، فخاضوا الحرب، ظانين أنهم يخوضونها بنوايا روحية، والحق أنهم كانوا يخوضونها بنوايا نفسة» (13). وهنا فرق دقيق جليل يقترحه المؤلف، ما بين النية الروحية التي يكون قصدها السمو بالخلق والقيم الجمالية والجليلة والبهية، وبين النية النفسية التي لا تزيد صاحبها إلاّ قسوة وأنانية وقبحاً. ألم تر ما يتركه المتطرف العنيف من ورائه من دمار وخراب في الديار والزرع والأرض والبشر!، ومقدار الخارب أقوى وأشد.

6- مغالطة الدولة شرّ مطلق: درجت على الألسن، كما شاع عند بعض المفكرين في السياسة، الحديث عن نظام الحكم المطلق في صورة حكم الطاغية وحكم المستبد؛ لكن هذا القول فيه الكثير من المغالطات، منها أن «أنظمة الحكم من العلم والعدل متفاوتة، وكما أنه لا يصح أن نقول بأن هناك «نظام حكم» خيره «مطلق»، فكذلك لا يصح أن نقول بأن هناك « نظام حكم » شره «مطلق» (14). والدليل عل ذلك سنة التغيير التي تحكم الوجود الإنساني؛ فالمستبد يحمل أسباب خروجه منه، والعكس صحيح.

لذلك، كان من أسباب اليأس المؤدي مباشرة إلى العنف، غياب الفهم السليم لسنة التغيير؛ إذ المستبد مبتلى حتى يخرج من استبداده، والعادل قد يقصدُ الاستبداد مكراً به. فذلك فالحكيم لا ييأس من الخروج من الاستبداد لأن في ذلك مخالفة للسنة الكونية، وواجب عليه أن يستشف بعقله غايات العواقب، فيعلمُ ما تأوول به الحالات في استدبارها. أو لطلب طرق أخرى غير عنيفة تعيد العدل والعلم وتدفع الظلم والجهل.

6- مغالطة «التغيير العميق»: طريقة أخرى يفكر بها العقل القابيلي، وهي لجوءه إلى مغالطة «التغيير العميق»، لأنه قاس التغيير من جنس التغيير الذي يقوم به النظام؛ من ثم ﭐدعى أن الواجب هو التغيير في العمق وهو الذي يورث القوة التي تصبغه بالعنف.

والحال أنه لا تغيير أعمق من تجديد أخلاق الإنسان، بينا تغيير النظام سطحيّ لأنه يجدد شرعية المواطنة وقانونيتها، وشتان بين التغيير في الأخلاق، والتغيير إلى القانونية؛ لأن الأول معنوي، بينما الثاني ظاهري ﭐنضباطي.

من ثم، فإن «الخارج عن السلطة، متى طلب التغيير، فواجبه أن يتصدى لعمق الإنسان، بينما الداخل فيها، فتغييره لا يتعدى سطح المواطن؛ لكن هيهات أن يهتدي العنيف إلى هذا الطريق!» (15).

 7- مغالطة «الشهادة»: يبذل العنيف قصارى جهده من أجل إغراء الشباب بنيته المشوبة، ووعود جازمة بدخول أعظم الجنان والتمتع بأجمل الحور من النساء، فيصّور لهم بمجرد موتهم سيكونون في أعلى عليين.

والحال أن موت العنيف نفسي، وعنفه يخرج إلى نقيض ما تخرج إليه قوة الموت عند المجاهد، لأن العنيف لا يقصد بموته التحقق بتوحيد ذات الحق سبحانه، وإنا إثبات الذات بإعدامها! لسابق تأثره بالدعاية السابقة، إما بشكل مباشر بواسطة لقاءات مختلفة، أو شكل غير مباشر بواسطة مواقع التواصل الاجتماعي الافتراضية.

وكيف يكون الاستشهاد ﭐستشهاداً والعنيف يقصد المساجد التي يذكر فيها ﭐسم الله مكاناً لقتل نفسه!

قبل الخاتمة، الرحمة منبع الوجود!   

إن الأفق الائتماني، الذي يدعو إليه طه عبد الرحمن، في ﭐستشكال قضايا العنف وفحص الأطاريح الناظرة فيه، لا نجده في كتاب «سؤال العنف» فقط، وإنما الكتاب يعدُّ حلقة في سلسلة كتب ناظرة نظرة تخليقية/ ملكوتية في فلسفة الجمال التي يصلُ إليها الناظر من خلال تدبّره الأكوان، وتفكّره في العلاقات الناظمة لتبدّل الوجود وتغيّره، وفي ارتقاء الموجودات العاقلة في مراتب العقل المتفكّر، أو النظر في علاقات الكائنات بعضها ببعض من جهة، أو علاقات الأمم فيما بينها من جهة ثانية؛ فسواء تعلق الأمر بعلاقات الإنسان مع أخيه الإنسان، أو في علاقة الإنسان بالطبيعة، فإن لطه مساهمات في النظر الائتماني فيها، بل الإشارة إلى أنّ الفلسفة الأخلاقية عند طه قائمة أيضاً على النظر في الخلايا الجدعية بين إرادة الخلود ومحنة الجنين (16)، استكشافاً لأفق قانون الواجبات الذي يجري على علاقة الولد بأمه، مع العلم أن هـذه العلاقة تقارب في نظر طه علاقة الإنسان بالطبيعة من جهة أخرى، باعتبارها الأنموﺫج الأمثل لصلة الرحم، فكما تكون الأم أقرب قريب لولدها فكذلك الطبيعة أقرب إلى الإنسان؛ إذ ما دام ليس في الكون موجود لا يحتاج إلى دفع شيء عنه أو جلبه إليه، بل ما من حركة أو سكنة لموجود، كائنا ما كان، إلا وجبت أن تكون رحمة يتجلى بها الرحمان عليه؛ وبالتالي فإن علاقة الإنسان بالطبيعة (17) يجب أن تكون علاقة رحمة فهي الأصل في كل شيء؛ فأنا موجود، لأني مرحوم.

وسؤال آخر مثل لم كان ثمة وجود ولم يكن عدم؟ جوابه هو أن الرحمة سابقة؛ فلولا الرحمة، لما وجد شيء (يذكر) (18).

كما أن صاحب «سؤال الأخلاق» لا يتوقف عند الحديث أن الرحمة تختص بأولئك الذين لحقهم ضرر، فهـﺫا غير صحيح تماماً: فالرحماء لا يكتفون بصرف الأذى عن المضرورين، بل يتعدونه إلى إيصال المنافع إلى أولئك الذين لا يتعرضون لضرر ملحوظ، بل قد يكونون سالمين راضين؛ ومن هنا، فالرحمة حسب طه تتجاوز الإسعاف بالحاجات إلى الانتماء للقدرات، أي أنها تتسع لما يدخل في باب زيادة الخير والتنمية والتقدم؛ هكذا نفهم كيف تكون الرحمة أساس بنيوي لكل تحضر إنساني وتقدم اقتصادي وتنمية لمكارم الأخلاق لدى الإنسان في معاملته وتعامله مع جميع الكائنات، فالرحمة لا تتعلق فقط بالإنسان وحده؛ فما يزيد من المنفعة والخير والتنمية والتقدم ليس الإنسان فحسب، بل كل تلك الأهداف تتعلق بأشياء أخرى تحيط بها الطبيعة، وإﺫا فسدت الطبيعة ودمرت لا خير ولا تنمية ولا تقدم للبشرية. فكما أننا نرحم بني جنسنا، فأيضاً يجب أن نرحم الأشياء التي من حولنا؛ ورحمتنا لها كما يقول طه كرحمتنا للإنسان، نوعاً وقدراً، إﺫ ندفع عنها هي الأخرى الشرور ونجلب لها الخيرات، حتى نحفظ كيانها ونضمن بقاءها؛ من سائر تلك الأشياء كما قلنا الطبيعة التي تجملها والبيئة التي نقصدها هنا.

والغريب أن هـذه الأشياء لا تقف عند حد تلقي الرحمة منا، بل إنها لا تنفك تبادلنا هذه الرحمة، هذا إﺫا لم تبق رحمتها رحمتنا، فهل من رحمة أسبق من أن يحتضن واحد منها ـ وهو هذه الأرض الأم ـ وجودنا ولما نحصل الوعي بهـﺫا الوجود، إﺫ نكون ما زلنا في غيب الأرحام!

خاتمة وآفاق:

إنّ المتتبع للمسير الفكري للفيلسوف طه عبد الرحمن، لا بد وأن يقف عند مجموعة من التأملات، التي بدون شك، إن لم تكن دافعاً قوياً تجعله يعيد النظر في جملة من المسلمات أو الأحكام المسبقة في أنموذج معرفي فلسفي مبدع، فهي حتماً ستحدث خلخة في بنياته الدوغمائية أو الفكرانية [الإيديولوجية] إن آجلاً أو عاجلاً، لينصرف بعد ذلك إلى النقد المعرفي العلمي بمفهومه الرحب، أو إن شئت قلت النقد المبدع! (19)

وإذا كان البحث قد توقف في هذه المناسبة عند ذكر المغالطات التي يلجأ إليها العقل القابيلي لتبرير مشروعية العنف، بما يناسب المقام والحال، فإن كتاب ‘سؤال العنف’، أو بالأحرى المشروع الفلسفي لطه، لا يمكنُ حصره في مقالة واحدة. لذلك نحرص في مناسبة مقبلة أن ننظر في الآليات التي يدافع بها الرجل عن «الشاهدية» كأنموذج حق يخرجنا من دائرة العقل القابيلي.

المراجع:

1 – على هامش المحاضرة التي ألقاها الدكتور طه عبد الرحمن بكلية أصول الدين بتطاون العامرة بالمملكة المغربية، تحت عنوان الأوامر الإلهية والفلسفة الائتمانية، يوم الخميس 30 مارس 2017 بحضور رئيس جامعة عبد المالك السعدي د. حذيفة أمزيان، وعميد كلية أصول الدين د. محمد الفقير التمسماني، ونائبه د. محمد الشنتوف، بترأس الجلسة د. تاج الدين الحسيني. وبحضور رئاسة الشعب والأساتيذ، وجمع غفير من طلبة العلم والباحثين- أجرى الفيلسوف طه عبد الرحمن بمعية رئاسة شعبة الفلسفة والفكر الإسلامي برئاسة د. أحمد مونة، أستاذ المنطق وأصول الدين ورفقة ثلة من أساتيذ الكلية د. رضوان مرحوم، د. أحمد الفراك، د. يوسف بلمهدي..إلخ، لقاءً خاصاً مع طلبة الدكتوراه دام قرابة ساعات أربع؛ تحدث فيها الفيلسوف في مواضيع متنوعة، فلسفية ومنطقية ولسانية، وقد صرّح في غير ما مرة رداً على الأسئلة التي كانت تطرح عليه من قبل الباحثين في مراكز الدكتوراه بالكلية، أنه إنسان لا يحب العنف، كما دافع عن الحوار منذ أكثر من أربعين سنة، بل أكثر من ذلك، أن قد اقترح على دار نشر عربية معروفة الإشراف على سلسلة كتب تفصل الكلام في فلسفة الحوار ومنطقه، لكن دون جدوى. يمكن مراجعة التقرير العلمي المفصل للمحاضرة التي ألقاها طه عبد الرحمن في العدد السابق لمجلة “أفكار” [عدد أبريل 2017]، وصدر في عدة منابر ورقية ورقمية.

2 – ألم يقل إيمانويل كانط، فيلسوف الأنوار في ألمانيا خلال القرن 19، جواباً عن سؤال ما الأنوار ؟، إذ قال: أجرأ على استخدام عقلك الخاص.. هذا هو التنوير”.

3 – يعتبر أرسطو أشهر الفلاسفة الأوائل الذين نظَّروا في موضوع السفسطات، وذلك من خلال مدونته “الأورغانون” التي تضمنت رسالة في ‘السفسطة’. أنظر: ابن رشد، تلخيص السفسطات، تحقيق سليم سالم، مطبعة دار الكتب، القاهرة، 1973. وإن كان المنطق المعاصر يهتم بدراسة المغالطات فليس ذلك من باب التقليد للمعلم الأول وإنما من باب المعرفة الواسع، خاصة فيما يتعلق بمعرفة مبادئ الاستدلال الصحيح، وكأن دراسة المغالطة تجعلنا نتجنبها في تفاعلنا الحواري-التعارفي، من أجل مجتمع سلمي ترتقي فيه قيم الإحسان والجمال والتراحم.

4 – The Cambridge Dictionary of Philosophy. Cambridge University Press, 1995, p. 376

ويشير د. عادل مصطفى إلى أنّ مبحث المغالطات المنطقية مبحث جديد نشأ رغبة في إيجاد سبل لتحليل الاستدلال العادي وتقييمه، سبل يمكن أن تندرج كجزء من التعليم العام، ويمكن أن ترشد تفكير الناس وترتقي بالمناقشات والمساجلات اليومية [..] خاصة وأن الحجة تأتي دائماً ممتزجة بلحم اللغة ودمائها، متلفعة بانفعالات الناس وأعرافهم، مورَّبة بتضاريس الواقع، وبشؤون الناس شجونها. أنظر كتاب، المغالطات المنطقية، فصول في المنطق غير الصوري، تأليف د. عادل مصطفى، رؤية، القاهرة، ط 1،2013. ص:09. 10.13.

5 – د. حمو النقاري، في منطق بور روايال، ص:94.

6 – طه عبد الرحمن، سؤال العنف، ص:12.

7 – سؤال العنف، ص:95.

8 – إشارة إلى قول الله تعالى: “وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ”. (الأعراف: 172). فتفكّر!

9 – إشارة إلى قول الله تعالى: “إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا”. (الأحزاب: 72). فتدبّر!

10 – شحذ شهوة التملُّك بمعنى جعلها حادّة كالسّنان؛ ولا يمكنُ أن يصير الشحذ إلاّ إذا قويت شهوة التّملّك، وبلغت مبلغها الشرس من الإنسان المعاصر، ثم بعد ذلك تأتي عملية الشحذ؛ وأنظر إلى الإنسان في الأسواق والمحلات التجارية، أو لعلك تتأملهم في الأماكن العمومية، أو ربما يقودك القدر إلى مناسبات يكثر فيها اللقاء بالناس، فلا شيء يعلو فوق ثقافة الاستهلاك، وتملك الأشياء، ومجارات الموضة، والجري وراء الموائد السريعة صحيح، أنّ لكل مواطن الحق في أن يعيش حياته كيف يشاء، لكن.!لماذا لا نتعامل مع الظاهرة بعمق جديّ وأوسع ؟.إنّ شهوة التملك تكبر، أو قل تتوحش كلما كان نصيب صاحبها من السلطة كبيراً، ونصيبه من التخلّق قليلاً، لا أقول العلم، لأنه بطريقة أو بأخرى يجلب التخلق، فلا علم بدون تخلق، والمتخلق بالضرورة له علم! وأنظر إلى تاريخ الحروب، ففي جوهرها صراع بين الشهوات وشحذ لها من خلال التفكير في الجواب لهذا السؤال القابيلي: من يتملّك العالم؟ وكأن رغبته في التملك كبرت بالموازاة مع مركزه السياسي. من فضائل التربية الروحية أنّ السالك يدخل في رياضات حتى يتغلب على شهواته ويقهرها. فيصير لا شيء أكبر من الله. وتلكم – ربما- من حقائق كلمة: الله أكبر! التي غابت عن كثير من الذين يرددونها، ثم يقتلون الناس، سعياً وراء شهواتهم.

11 – الحق العربي في الاختلاف الفلسفي، ص:32.

12 – نفسه، ص: 33.

13 – سؤال العنف، ص: 100-101.

14 – نفسه، ص: 115.

15 – نفسه، ص: 120.

16 – أنظر طه عبد الرحمن، سؤال العمل، بحث عن الأصول العملية في الفكر والعلم، المركز الثقافي العربي، البيضاء، ط1، 2012، الفصل الثامن.

17 – إن الحلول المقترحة لتجاوز المخاطر التي تهدد سلامة البيئة والإنسان لا يمكن أن تتجسد بمجملها في العقل الأداتي، أو العقل العلمي، لأن وكلاهما يتصفان ببرودة الأحاسيس والمشاعر وفراغ العاطفة وانسلاخ الوجدان؛ فرابط الصلة بين الإنسان والطبيعة ـ بيئته الأولى والأخيرة هـو الرحمة؛ فبقدر ما تمارس الرحمة بين الناس والطبيعة بقدر ما نقترب إلى السعادة! والقضية بعيدة هنا عن العداء للعقلانية، لكن حسبي أن أؤكد أن العقلانية المجردة من الرحمة ـ العقلانية الأداتية على الخصوص ـ والتي تتعامل مع الإنسان كآلة ومع الطبيعة كـ”دولاب” ملابس.. عقلانية باردة؛ لهذا فكارثتنا أخلاقية مع الطبيعة قبل أن تكون شيئا آخـر!

18 – تأمل تفاصيل هذا النظر في كتاب طه عبد الرحمن، روح الحداثة، المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية، المركز الثقافي العربي، البيضاء، ط1، 2006، الفصل السادس.

19 – في غير ما مناسبة في مشروع طه الفلسفي يؤكد طه أن عوائق الإبداع الفلسفي تكمن في التقليد والتبعية.. والأمة لا تكون أمة بحق حتى ترتقي بالجواب عن أسئلة زمانها إلى رتبة الاستقلال به وأن استشكال القضايا والمفاهيم هما المدخل الأساسي لبعث الحياة في الفلسفة. وأن السؤال الفلسفي هو سؤال مسؤول. وأن حصول تجديد الفكر الديني تتوقف على التقدير السليم لأبعاد الحقيقة الدينية. وأنّ اللغة التي يتكلمها الفيلسوف لها آثار واضحة في مذهبه الفكري والعقدي. وأن الكتابات الفلسفية العربية لم تألف بعد! وأنّ الاقتناع عند متفلسفة العرب المعاصرين بضرورة تحصيل تكوين كاف في المنطقيات وغيرها.

المصادر والمراجع:

1-    طه عبد الرحمن، سؤال العنف بين الائتمانية والحوارية، المؤسسة العربية للفكر والإبداع، بيروت، الطبعة الأولى، 2017.

2-    طه عبد الرحمن، الحق العربي في الاختلاف الفلسفي، المركز الثقافي العربي، البيضاء، الطبعة الأولى، 2002.

3-    طه عبد الرحمن، سؤال العمل، بحث عن الأصول العملية في الفكر والعلم، المركز الثقافي العربي، البيضاء، ط1، 2012.

4-    طه عبد الرحمن، روح الحداثة، المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية، المركز الثقافي العربي، البيضاء، ط1، 2006.

5-    عادل مصطفى، المغالطات المنطقية، فصول في المنطق غير الصوري، دار النشر رؤية، القاهرة، الطبعة الأولى، 2013.

6-    د.حمو النقاري، في منطق بور روايال.

بدر الحمري، باحث في الفلسفة واللغويات

badrelhamriok@gmail.com

المصدر: مجلة أفكار. الرباط. العدد 16، ماي 2017.