dr taha
مقالات عن طه

فلسفة الأخلاق المؤيدة عن طه عبدالرحمن

الخميس 2 يناير 2014

فلسفة طه عبد الرحمن بعامة وفلسفته الأخلاقية بخاصة، تعتمد على التجربة الحية «المؤيدة» أساساً لقيام نسقها الفكري، ولذلك يمكننا النظر إليها و«تقسيمها مرحلياً وليس منطقياً إلى ثلاث مراحل، المرحلة الأولى، فك الارتباط بين الفلسفة عموماً ومفهوم الحداثة خصوصاً، والمرحلة الثانية، إعادة الارتباط بين الأخلاق -باعتبارها عمل وليس نظر- وبين الفلسفة النظرية عموماً، ومفهوم الحداثة خصوصاً، وبذلك يصبح الفكر النظري والعمل الأخلاقي، وجهين لعملة واحدة، والمرحلة الثالثة، تأسيس مفهوم العمل الأخلاقي على مبادئ وقيم الدين الإسلامي، وعلى قراءة معاصرة للقرآن الكريم، وذلك باعتبار الدين الإسلامي رسالة إنسانية في المقام الأول، وقد ترتب على هذا التصور معارضة –طه عبدالرحمن- للفكر الغربي الحديث على أساس استبعاده للأخلاق بالمعنى العملي، ومعارضته للفكر الإسلامي القديم على أساس النقص في التنظير لهذا المبدأ الأخلاقي وبالتالي أصبح من الضروري إنشاء نسق «حداثي-أخلاقي» جديد يكمل النقص في الجانبين» 1)، وهذا ما يمثل مضمون وجوهر مشروعه الفلسفي إجمالا.

قد يشعر القارئ لهذا الكتاب أن فلسفة الدكتور طه العامة، وفلسفته الأخلاقية الخاصة، تعتمد على تجربته الروحية، وهذا لا يقلل من قيمتها الفكرية والإنسانية، وإنما يثري هذه القيمة ويعمقها، فقد كونت التجربة الروحية التي خاض غمارها، وعمقت في نفس الفيلسوف مفهوماً واضحاً للعقل، والعقلانية، ومنزلة التأمل في درب السالك. إذ خلص من ذلك ان العقل هو فاعلية للإنسان ككل، وليس كياناً مستقلاً فاعلاً رفضاً للنزعة التجزيئية الغربية للعقل، ثم ربط هذه الفاعلية النظرية المجردة (العقل النظري) وبين الشعور الذاتي الداخلي (القلب) تطبيقاً لعدم الفصل التام بين الذات والموضوع.
وعلى ذلك، يمكننا القول بأن المشروع الفلسفي الطاهائي اعتمد في نقده للحداثة الغربية وتفكيكه للمرجعيات الفلسفية على مفهوم واضح للعقل والعقلانية في مبتدأ الأمر ثم اعمال النقد الأخلاقي لهذا النموذج الحداثي الغربي. وهنا تأتي تفرقة الدكتور طه بين واقع الحداثة وروح الحداثة، التي هي قابلة باستمرار على إنتاج نماذج حداثية متعددة متكوثرة في ذات الوقت.
نقد القطيعة بين العقل والأخلاق (إشكال العقل والخلق) :
نتيجة للنقل عن الفكر اليوناني أصبح العقل العربي بعيداً عن الإبداع والتجديد، ذلك لأنه أخذ تصورات فلاسفة الغرب عن العقل دون تمحيص، ونقلها إلى الفكر العربي الإسلامي، فانتقلت معها إشكالات العقل لديهم، وليس غريباً بعد ذلك أن نلحظ مسلمات سائدة في الفكر الإسلامي العربي قديمه وحديثه، من قبيل إشكالية الفرق بين العقل والشرع، وإشكالية الفرق بين العقل والقلب، وإشكالية الفرق بين العقل والخلق، وغيرها من إشكاليات منقولة، ليست بذات صلة بفكرنا الإسلامي العربي القائم على رؤية تكاملية للإنسان، وليست نظرة تجزيئية لأوصاله.
«لا يخفى على كل ناظر في كتابات طه عبد الرحمن أن الأصل في الإبداع والتجديد الفكري، أو قل التحرر من دائرة التقليد والاتباع،هو تقويم مفهوم العقل ذاته والعقلانية ذاتها كما تصورها العرب والمسلمون قديما وحديثا. إذ أن فهم العقل (λογος) وفق المنحى الأفلاطوني(المعنى هو رابطة طبيعية ما بين الأسماء والأشياء المسماة) أو المنحى الأرسطي (الإنسان يعرف أولا الموضوعات والأشياء ثم يفضى عليها مسميات=محاورة كراتيلوس) إنما يخلف نتائج هائلة على الفكر الفلسفي العربي الذي لا يكون إلا مرددا لأقوال اليونان. والحال أن العقل بمعنى اللغة تختلف أيما اختلاف،بل قل إن أصل اللغة عند المسلمين هي ذات أصل إلهي» 2).
لقد ورث الفكر العربي بسبب هذا النقل الأعمى لإشكالات ومقولات الفكر اليوناني تصوراً يحدد ماهية الإنسان على أساس النطقية والعقلية بدلاً من الأخلاقية، وهذا ما أدى بدوره إلى تصور وجود عقلانية واحدة، وهذا الأمر ليس صحيحا، بحسب فكر الدكتور طه الذي يرى أن العقلانية على درجات أقلها رتبة أو بالأحرى العقلانية المجردة والخالية من الأخلاق وهي التي يشترك فيها الإنسان مع الحيوان. أما الرتبة الثانية من العقلانية فهي المسددة بالأخلاق، والتي يختص بها الإنسان دون سواه، وهي لا تخلو من آفات كثيرة، لذا وجب أن تكون هناك عقلانية مؤيدة بأخلاق، تعالج هذه الآفات وتذود عنها لتنشد الكمال والاكتمال في النظر والعمل، إذا صح القول.
والعقل عند الدكتور طه عبدالرحمن -كما سبق القول- هو فعل قلبي، أو من أفعال القلب، لأن القلب هو محل الإدراكات العقلية، ويكون بذلك العقل ذو علاقة وثيقة بالفعل، والفعل ليس إلا فعلاً خلقياً في الاعتبار الأول، حتى يرتقي بإنسانية الإنسان ويسمو بها.

وعلى هذا الأساس، يمكن تعريف العقل عند الدكتور طه بأنه فعل من الأفعال الإنسانية والخلقية ، ومتى علمنا أن العقل ليس على درجة واحدة ،بل هو على درجات متفاوتة و متفاضلة، فان هذا العقل بتقلبه ينتج درجات أيضاً من الأخلاقية.
«ولا أحد يعترض بأن نظرة المسلم إلى سائر الأشياء والموجودات تختلف عن نظرة غير المسلم. فالأصل عند الأول هو (النظر الملكوتي)،والأصل عند الثاني هو (النظر الملكي). أو قل أن للمسلم نظرين اثنين إلى الأشياء لا ينفك يزاوج بينهما: نظر أصلي يتدبر به الأشياء هو (النظر الملكوتي) الذي يوصله إلى الإيمان،ونظر فرعي يدبر به الأشياء وهو (النظر الملكي) الذي يوصله الى العلم”.ويعني هذا أن القيم العملية والأخلاقية هي التي تسهم في اجتماع الأمة، بل وخروجها من ضيق العقلانية المجردة إلى رحابة العقلانية الأخلاقية.فالعمل عند هذه الأخيرة هو الذي يلقح ويخصب الممارسة الفكرية العقلية، حتى تفسح أمامها آفاق جديدة من النظر والتأمل والاعتبار» 3.
وتأسيساً على ذلك تكون « الهمم الأخلاقية العالية هي التي تصنع المستقبل؛ لكونها تؤمن بما في يد الإنسان من إمكان لاجتراح سُبل قويمة للحضور المستخلف في الكون، بما يحفظ إنسانية الإنسان ويضمن اكتمالاته المتعددة والمتجددة، وبما يفتح آفاقه المأمولة على مآلاته المحمودة، ويمكن أن ندَّعي، من غير أن نعدم دليلاً، أن فكر طه عبدالرحمن اجتهد لكي ينتمي إلى هذه الهمم، لكونه عمل على مواجهة أعطاب الفكر العربي الإسلامي المعاصر» 4.
وعلى هذا فإننا نجد أن « التجديد مقترن لدى طه عبدالرحمن بالهمة الأخلاقية، فالتجديد ملازم للهمة الإنسانية، إذ هو التغيير المطلوب في أفق الإنسان وتحققاته الممكنة، فإذا كان الواقع تحققاً لممكنات، فإن هذا الواقع منذور للزوال، لكون ممكنات أخرى في يد الإنسان، ما تزال مستقبلة تستشرفها همة الإنسان، وتلوح في الأفق، كإمكانات تجديدية مجاوزة للواقع ومتحدية لحدوده، وواعدة بتحقق إنساني أخلاقي أكمل، ذلك أن الإنسان ليس كاملاً بل هو سيرورة من الاكتمالات، وهذه الاكتمالات موقوفة على همته الأخلاقية» 5.
ووفقاً لهذا يأتي تعريف الدكتور طه للهمة فيقول :«إن الهمة الأخلاقية للإنسان أقوى من الأمر الواقع، وأصلب من حتمية الحدث لأن الواقع القائم لا يستنفذ الإمكان الذي في يد الإنسان ولا الحتمية المنسوبة إلى التاريخ تستنفذ طاقته» 6.
والهمة الأخلاقية هي التي « تصنع القيم، بوصف القيم جسراً بين عالم الواقع والفعل الإنساني الذي يؤثر في هذا الواقع، فالواقع هو ما يقع وليس يقع في الواقع إلا ما يوقعه الإنسان كفاعل أساسي في الوجود، لذلك فالواقع يوقعه الإنسان بفعله ويرفعه بإرادته، التي تظل دائماً عبارة عن إمكان في يده، كما أن حتمية الحدث مهما جثمت على العقول، ورسخ فيها الاعتقاد، حتى صارت تؤمن بأن الواقع لا يرتفع ولابد أن تشهد تحويلاً يطويها طياً ويدك أركانها دكا، فلا تثبت إلا حقيقة واحدة ألا وهي همة الإنسان وإنسيابه في آفاق اكتمالاته التي لا تقبل بالأمر الواقع ولا بفرض الفكر الواحد» 7.
ولدرء مفاسد إشكالية فصل العقل عن الخلق نخلص إلى القول بأن «التخلق، بمعنى ربط النظر بالعمل،أو القول بالفعل،هو ما به يكون الإنسان إنسانا. كما إنه من غير المعقول أن يتخلق الإنسان في غياب غيره من الناس..إذ أن المرء يتخلق مع خالقه، فيكون تعاملا،وإما يكون تخلقا مع نفسه،فيكون هو الآخر تعاملا.وهذا التعامل الأخير متفرع عن تعامله مع الآخرين. من ثمة تكون الأخلاق هي القيم العملية الحية التي تدفع الإنسان لمنفعة الغير قبل منفعة الذات،فكلما تطلعت الذات إلى منفعة الآخرين كلما ازدادت تخلقا». 8

- آلية النقد الأخلاقي.
يعتبر كتاب «سؤال الأخلاق : مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية» للدكتور طه عبدالرحمن، هو الآلية المنهجية المعتبرة في نقد أسس ومنطلقات الفكر الحداثي الغربي، وتجلياته المعرفية والنظرية والأخلاقية، وهو نقض يستهدف في أساسه تقويض دعائم الفكر الغربي المادي، المؤسس على قطع الصلة بين الروح والمادة، أو بالأحرى قطع الصلة بين الجانب الخلقي النظري، وبين الجانب العملي السلوكي. وفي هذا الإطار يقول الدكتور طه عبدالرحمن : «لقد اشتغلنا في كتابنا : سؤال الأخلاق، بنقد الحداثة الغربية، وأهمتنا في هذا النقد على الخصوص ممارساتها القولية والعقلية والمعرفية، فانبرينا لها نكشف عن الآفات الأخلاقية التي دخلت عليها [...] وقد بلغ تعلق هؤلاء النقاد بالحداثة الغربية أن توهموا أنها واقع لا يزول، وحتمية لا تحول، وأنها نافعة لا ضرر فيها، وكاملة لا نقص معها، فحجبهم هذا التعلق عن أن يتبينوا» 9 آفاتها الأخلاقية، ونقائصها القيمية. وقد عمل طه عبدالرحمن على تأسيس «حداثة ذات توجه معنوي بديلة عن الحداثة ذات التوجه المادي التي يعرفها المجتمع الغربي». 9
من أجل ذلك، شحذ طه عبدالرحمن، أدواته المنهجية النقدية، لإرجاع هذه العلاقة بين المعنوي (الروحي) والمادي، وتجاوز ذلك إلى نقد وتقويم النظريات الأخلاقية الفلسفية لدى كبار فلاسفة الغرب المحدثين والمعاصرين.
«ومن الأمور التي أثارها الدكتور طه أن الفروقات ما بين «Morale» و«Ethique» إنما تدل على هيمنة النظرة الأخلاقية لكانط المقررة للتساؤلات الآتية: ماذا يجب أن أفعل؟ وكيف أحيا؟. فالتساؤل الأول يتطلع الى تقرير أخلاق موجهة الى المجتمع، والتساؤل الثاني يفضي الى تقرير أخلاق موجهة إلى فرد فرد. ثم ألم يندفع إيمانويل كانط إلى القول أن التقييد التأملي للعقل المحض، واتساع نطاقه العلمي هو أول ما يجلبه الى علاقة المساواة التي يمكن فيها أن يستخدم العقل بعامة غائيا(…)إذا كان يجب أن يكون مؤمنا، غير عصي على العبور، أو مضللا، فإنه يجب أن يمر لا محالة، بالنسبة إلينا نحن البشر عبر العلم. ويترتب على هذا، أن أفق تفكير كانط واسبنوزا لم يتجاوز اعتبار أن الأخلاق واحدة أو أنها تتأسس على الرغبة. ذلك أن الأخلاق في فكر طه عبد الرحمن هي مراتب متفاوتة ومختلفة باختلاف درجات الشعور بالاختيار، كما إنها ليست محصورة في الجهد الذي يقوم به الإنسان للحصول على غرض معين. متى علمنا أن الرغبة تختلف، وتتغير وفق أحوال الإنسان وتحولاته المشهودة، بل أن ميولات الفرد لا تعد ولا تحصى . وهل الهوى إلا ميل النفس الى الشهوة.فضلا عن ذلك سقوط الكثير من فلاسفة الأخلاق القرسطويين والمحدثين في المماثلة المستحلية بين محبة الإنسان للإنسان ومحبة الإنسان للإله ». 10
لقد قدم الفلاسفة الغربيون تصورات فلسفية عن الأخلاق، تحتاج إلى فحص وتقويم من منظور النقد الأخلاقي الإسلامي. فعلى سبيل المثال لا الحصر، يمثل التصور الكانطي «نموذج تبعية الدين للأخلاق، والتي مفادها أن الإنسان لدى صاحب كتاب (نقد العقل العملي) غير محتاج إلى كائن أسمى وأعلى من الإنسان لكي يعرف هذا الإنسان واجبة [...] فإذن فالأخلاق لا تحتاج مطلقا إلى الدين،بل تكتفي بذاتها بفضل العقل الخالص. وبهذا الاعتبار، فإن كانط لم يضع مقولاته وتصوراته الأخلاقية إلا عن طريق المقايسة والمبادلة». 11 أو كما يقول الدكتور طه عبدالرحمن: «فقد أخذ كانط مفهوم العقل بدل مفهوم الإيمان، ومفهوم الإرادة الإنسانية بدل مفهوم الإرادة الإلهية، ومفهوم الحسن المطلق للإرادة بدل مفهوم الإحسان المطلق للإله، ومفهوم الأمر القطعي بدل مفهوم الأمر الإلهي، ومفهوم التجريد بدل مفهوم التنزيه، ومفهوم احترام القانون بدل مفهوم محبة الإله، ومفهوم التشريع الإنساني للذات بدل مفهوم التشريع الإلهي للغير، ومفهوم الخير الأسمى بدل مفهوم النعيم، ومفهوم مملكة الغايات بدل مفهوم الجنة». 12
«كما انتقد طه عبد الرحمن دفيد هيوم الذي ميز بين القضايا الخبرية الوجودية والقضايا الوجوبية باعتباره يروم إلى الفصل بين الخبر في الدين والقيمة الأخلاقية. والواقع أن كل ممارسة علمية وعقلانية محكومة بقيم ومقاصد يحملها الإنسان من حيث هي تعبير عن رؤيا للعالم(weltanschauung). إذن لا داعي للادعاء بأن القيم مفصولة عن الأنشطة الإنسانية الحسية أو العقلية.وهكذا الكثيرة للواقعة الواحدة قد تكون متباينة فيما بينها؛ لوجود تباين في المعايير التي استند إليها،على الرغم من ثبوت فائدة كل واحدة من هذه الأوصاف في نطاق نسق المعايير الخاص به. ويترتب من هذا أن دفيد هيوم هو أيضا مثلما هو الحال لدى كانط، لم يقم بإنشاء مفهومه للأخلاق أو بالأحرى الدين الطبيعي إلا بواسطة المقابسات من النصوص المقدسة وتأويلاتها اللاهوتية». 13
وبعد، فنقول إن الفكر الغربي الحداثي، جاء بمسلمات أقام عليه تصوراته الفلسفية للأخلاق، هذه المسلمات هي «لا أخلاق في العلم»، و «لا غيب في العقل»، فنرى أن وجهة النظر الكانطية والهيومية أقامت تبعاً لذلك القيم الأخلاقية على أساس عقلاني خالص خالي من الدين، أو بالأحرى منفصل ومستقل عنه، وهذه الدعوة يراها الدكتور طه فاسدة وباطلة وسبق أن قدم الأدلة على بطلانها وفسادها. ولما كان المتفلسفة العرب الأوائل ناقلين للفكر اليوناني، فقد تصوروا بأن الأخلاق كمالات، تبعاً لوجهة النظر الأفلاطونية والأرسطية، والحال أن الأخلاق ضرورات، وقد نتج عن هذا التقليد في فكرنا العربي المعاصر أن اقتفى المحدثون أثر أسلافهم، فجاءت نظرتهم إلى العمل والنظر نظرة مبتورة، بينما أن الحال غير ذلك، فلا انفصال بين الدين والأخلاق، أو بين العمل والنظر، أو بين القول والفعل، أو حتى بين الدين والسياسية.
«من هنا كان من الضروري مراجعة هذه الأفكار والتصورات المعرفية والعلمية الحديثة التي ابتلي بها الغرب المعاصر، وصدّرها إلى الأمة العربية والإسلامية المعاصرة. فاقتضت وضع مبادئ تعمل على نشل الأمة من براثين التدهور والتراجع، نحو تأسيس نظرات أخلاقية مبدعة تنبني على الاتساع في العقل، والتكوثر في الأفعال الأخلاقية، و النظرة الإنسانية الملكوتية للإنسان.كل ذلك يدفع المرء المسلم العربي إلى فتح آفاق جديدة من التفكير والإبداع». 14

- تنظير فلسفة الأخلاق (نظرية الأخلاق الإسلامية).
وضع الدكتور طه عبدالرحمن أسس ودعائم نظرية أخلاقية إسلامية معاصرة، بعد أن قام بإعمال آليته النقدية لأفكار وتصورات الغرب الأخلاقية الفلسفية، القائمة على فصل العقل عن الخلق، وما يتبع ذلك من فصل ما بين الدين والأخلاق، ثم فصل ما بين الدين والسياسة، والاقتصاد والعلم ..ليصبح بعد ذلك الدين محض إدعاءات نظرية وشعائر جوفاء تردد في جنبات المساجد والقباب!.
ويفقد الدين جوهره باعتباره منهج حياة فاعل في حياة البشر، وتفقد معه الأخلاق بانفصالها عنه فاعليتها وقصديتها وغائيتها في الحياة أيضاً.
و«يسعى الدكتور طه عبد الرحمن سعيا جادا وقويا في بناء نظرية أخلاقية إسلامية معاصرة، يضاهي بها الغرب الحديث، سواء من حيث منطلقها، أو من حيث مقاصدها وفوائدها. ولعل من اللطائف الجليلة في هذه النظرية هو «العمل التعارفي» الذي يكون بين الأمم والحضارات. بل قل إن ممارسة المسلم للكونية تختلف اختلافا شديدا عن غيره. وذلك لأنه يعمل على تقوية تجربته الإيمانية والروحانية حتى تنهض إلى الفعل الخلقي، كما لو أن أمرا يخصه. في حين أن الغير(الغربي) يمارس الكونية من منطلق أنها نهاية العلم، واكتمالها و اطلاقيته، إضافة إلى أنها لم تأتيه إلا دفعة واحدة. والحال أن الفكر الكوني بين هلالين، هو فكر متدرج في مبتدئه، وأن كل الحضارات والأمم أسهمت في بنائه كلا أو جزءا، قليلا أو كثيرا» 16
«فالواقع الكوني يخطئ في تقريره للعمل التعارفي، حيث إنه يحسب أن حاجة الأمم من الأخلاق واحدة،حتى كأنها أمة واحدة، وأيضا كيف أنه يخطئ في تقريره للأخلاق؟ حيث إنه ينزل القيم الخلقية رتبة دنيا من سلم القيم. فانظر كيف أن فكر العولمة يخطئ الطريق والمسلك في تبنيه لمبدأ التعقيل الأدنى تكريس آفات خلقية على عدة أصعدة : اجتماعية وسياسية وعلمية وتقنية. ولتوضيح ذلك نقول إن السيطرة الاقتصادية في مجال التنمية يفضي إلى الإخلال بمبدأ التزكية، الذي مقتضاه هو الجمع بين تنمية الموارد وتنمية الأخلاق، والسيطرة التقنية في العلم تؤدي إلى الإخلال أيضا بمبدأ العمل، والذي مقتضاه هو الجمع بين مقتضى الحكم ومقتضى الحكمة. في الوقت الذي تتطلع فيها الثورة المعلوماتية –الاتصالية إلى الإخلال بمبدأ التواصل الذي مفاده الجمع بين مقتضى المعلومات ومقتضى تجاور بالذوات». 17
ويؤسس الدكتور طه عبدالرحمن نظريته الأخلاقية المعاصرة على عدة اعتبارات :
الاعتبار الأول : الصفة الأخلاقية للإنسان:
وهذا الاعتبار ينهض على حقيقتين مفادهما:
- أن هوية الإنسان هي هوية أخلاقية.
- أن هوية الإنسان الأخلاقية هي هوية متغيرة، بحيث «يكون للإنسان بمقتضى هذا التغير من وصف الإنسانية على قدر ما يتحقق به من المعاني والقيم الأخلاقية». 18

الاعتبار الثاني : الصفة الدينية للأخلاق :
فالأخلاق تبني على الدين، وليس العكس لدى ذوى المنظور المقلوب، وهناك طريقان لانبناء الأخلاق على الدين، وهما؛ إما طريق الوحي، وإما استفادة هذه الأخلاق من الدين في عمومه.
«ويترتب من هذا، أن كل المبادئ الصحيحة للفكر الأخلاقي الإسلامي المعاصر هى تحقيق التزكية، والعمل، والتواصل، إذ بها يكون في مكنت المرء المسلم أن يتلافى الآفات الخلقية، التي وسمت الفكر العولمي الكوني الحديث، بعبارة أدق نقول إن تخطى هذه الاعضالات يتمثل في طلب مبدأ الفضل، الذي هو المزاوجة بين «تزكية الحال» و«تزكية للمال» التي من فوائدها ومقاصدها الارتقاء بالإنسان وخلق بيئة عالمية سليمة». 19
وبناء على ذلك، يحدد الدكتور طه أهم الخصائص التي تمتاز بها هذه النظرية الأخلاقية الإسلامية فيما يلي:
أولاً : أنها أخلاق مؤسسة على الشرع (الدين).
ثانياً : أنها أخلاق متعدية إلى العالم كله، والبشرية جمعاء.
ثالثاً : أنها «أخلاقا شاملة لكل أفعال الإنسان، ذلك لأن كل فعل عقلي يصبح فعلاً خلقياً ». 20
«من المعلوم أن الفكر الأحادي لم يتوان عن الانشداد إلى النظر الملكي، الذي لا يقع نظره أو عقله إلا عل الظواهر والقوانين في عالم الأشياء والماديات، وهو الأمر الذي زج به إلى الاعتقاد الراسخ في أفضلية قيمه وتصوراته وعلومه، مما نتج عنه وقاحة الإحاطة والاستعلاء،ووقاحة الاجتثاث لقيم الآخر من الأمم والحضارات، بل أكثر من ذلك اعتقد هذا الفكر الوحدوي(الأحادي) أنه رسخ حقوق الإنسان والمواطنة بما لم تأت به الثقافات البشرية عبر التاريخ. كل ذلك من شأنه أن يخلف آفات خلقية، تتجاوز المعاني الأخلاقية والمعنوية، التي تقوم على أساس مبدأ التفصيل الموجه والتوسيع المعنوي، ومبدأ التراحم، الذي يؤدي إلى أفضل الأفعال وأجلها وهو ازدواج الشعور بالذات والشعور بالغير،و التعلق بالقدوة والاتصاف بصفات الله الحسنى..ومن قبل ومن بعد،الاستغراق في اسم الرحمان وتأمل وتدبر «المقاصد وقيمه في مخلوقاته». فانظر كيف تؤسس النظرية الأخلاقية الاسمية المعاصرة في فكر طه عبد الرحمن لمسار الحداثة الإسلامية». 21
*****
وفي الختام، نقول إن العقلانية المسددة برغم اشتغالها بالعمل الشرعي، والممارسة الفقهية، إلا إنها تعتريها الآفات، ومن بينها آفات أخلاقية، وتحتاج هذه العقلانية المسددة، التي تجاوزت العقلانية المجردة من الأخلاق إلى زيادة في التعرف إلى الله والاشتغال به، وهذا ما يدفعها إلى سلوك درب التأييد، الذي يكون فيه القول منضبط بالفعل والنظر بالعمل، والغيب متعلق بالعقل، ولا انفصال في ذلك، هذا العقل المؤيد أو العقلانية المؤيدة تعتمد في الأساس على فعل التخلق الدائم والمتجدد باستمرار، والذي به تعمر دنياها وآخرها، لأن المتخلق يعلم أن الله «يراه رؤية لا تنقطع»، أو كما يقول الدكتور طه في كتابه سؤال الأخلاق، لهذا جاءت نظريته الأخلاقية المعاصرة قائمة على الدين أصلاً وتأصيلاً، لتضاهي نظريات الفكر الغربي مقطوع الصلة بالدين، وبالتجربة الروحية «الحية».

الهوامش :
1. سمير أبو زيد، مقال منشور على موقع فلاسفة العرب، تاريخ مراجعة محتوى الموقع الالكتروني، 7/2/2013م.
-www.arabphilosophers.com/arabic/aphilosophers/acontemporary-names/ Taha_Abdulrahman /Arabic_ Article.
2. يوسف بن عدي، مشروع الإبداع الفلسفي العربي، قراءة في أعمال الدكتور طه عبد الرحمن، منشورات الشبكة العربية للأبحاث والنشر،بيروت-لبنان، الطبعة الاولى،2012، ص93
3. مرجع سابق، ص98.
4. إبراهيم مشروح، طه عبدالرحمن، قراءة في مشروعه الفكري، مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، الطبعة الأولى، بيروت 2009، ص45.
5. المرجع السابق، ص47.
6. طه عبدالرحمن، سؤال الأخلاق : مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، ص60
7. إبراهيم مشروح، قراءة في مشروعه الفكري، مرجع سابق، ص47.
8. يوسف بن عدي ، مشروع الإبداع الفلسفي العربي، قراءة في أعمال الدكتور طه عبد الرحمن، سبق ذكره، ص100.
9. عبد الرحمن، روح الحداثة. المدخل الى تأسيس الحداثة الإسلامية، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى 2006، ص15.
10. روح الحداثة، مرجع سابق، ص16
11. يوسف بن عدي، مشروع الإبداع الفلسفي العربي، قراءة في أعمال الدكتور طه عبد الرحمن، سبق ذكره،ص 102-103، راجع كتاب:” سؤال الأخلاق” لطه عبد الرحمن،سبق ذكره ، ص16 الى18.
12. مرجع سابق،ص 104.
13. عبد الرحمن، سؤال الأخلاق: مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية، مرجع سبق ذكره، ص33
14. يوسف بن عدي، مشروع الإبداع الفلسفي العربي، قراءة في أعمال الدكتور طه عبد الرحمن،سبق ذكر،ص105
15. المرجع السابق،ص110.
16. المرجع السابق،ص111.
17. المرجع السابق، ص112.
18. طه عبدالرحمن، سؤال الأخلاق، سبق ذكره، ص147
19. يوسف بن عدي، مشروع الإبداع الفلسفي العربي، قراءة في أعمال الدكتور طه عبد الرحمن، سبق ذكره،112.
20. طه عبدالرحمن، سؤال الأخلاق، سبق ذكره، ص159
21. يوسف بن عدي، مشروع الإبداع الفلسفي العربي، قراءة في أعمال الدكتور طه عبد الرحمن، سبق ذكره، ص 116.

محمد أحمد الصغير