dr taha
فقه الفلسفة

فقه الفلسفة وسؤال الإبداع

الأحد 12 يناير 2014

يؤكد طه عبد الرحمان أن آفة التقليد التي ابتلي بها الفكر العربي والإسلامي حالت دون معانقة فعل الإبداع الذي بقي بمثابة: الفريضة الغائبة “التي أوقعت المثقف العربي في علة الإتباع بدل مطلب الإبداع، وكأن المثقف العربي ليست له أسنانا تقضم ومعدة تهضم. فأهل الفكر من المتفلسفة العرب الحديث، قد اندفعوا في تقليد فلاسفة الغرب، واقتفوا آثارهم، وتعلقوا بأسباب لا تمت بصلة إلى وجودهم؛ فافتقدوا حاسة النقد عندهم، وتقلبوا في أطوار حياتهم من النقيض إلى النقيض. وحسب تأكيده “مازال المتفلسف العربي لا يجرؤ لحد الآن أن يضيف إلى المفاهيم الفلسفية التي يصنعها من عنده”.
إن هذه الآفة الخطيرة تتطلب أمنا ثقافيا لا يقل أهمية عن الأمن الغذائي أو الأمن العسكري… إنه الهم الذي شغل المفكر طه عبد الرحمن، همّ الخروج من آفة التقليد، لذا يكاد يكون مشروعه الفكري حربا على التقليد وعلى المقلدة المنتمين إلى الإسلام والعروبة منذ أواخر القرن التاسع عشر إلى يومنا هذا، بل وعلى المتفلسفة العرب منذ كان التفلسف عندهم، لأنهم-في نظره- استلذوا التفلسف على طريقة غيرهم؛ فهم يخوضون فيما يخوض فيه غيرهم، ويفتعلون أسئلة غيرهم؛ بل أن تلك الأسئلة، البعيدة عن حقيقتهم، قد استعبدتهم وأصبحت تؤرقهم. ولم يذهبوا إلى مساءلة ذلك التفلسف عند أهل الغرب ونقده على مقتضيات ثقافتهم، ولم يتمكنوا من مراجعة التصور الذي ساد عن الفلسفة الغربية عموما، ولم يستطيعوا أن يأتوا بما يضاهيها؛ انطلاقا مما يتشكلونه هم من واقعهم؛ ولأنهم تسببوا بتقليدهم للفكر الغربي في خنوع الأمة واستلامها، وقادوها بفكرهم “المتنور” إلى الظلام والاستلام. فقد وجد أن أصحاب الفكر الإصلاحي في العصور الحديثة والمعاصرة قد اتخذوا عقلانية الغرب منهجا ومنطلقا في التفكير، وربطوا كل تقدم بانتهاج العقلانية الغربية. وأغلب رواد الإصلاح، وأهل العقلانية والحداثة، وأصحاب المناهج والمشاريع في قراءة التراث؛ بنوا مجدهم التنظيري وشهرتهم على ما تساقط إليهم من مناهج الغربيين وأفكارهم.
فنقاد التراث-مثلا- غلب عليهم التوسل بأدوات البحث التي اصطنعوها من مفاهيم الغربيين ومناهجهم ونظرياتهم؛ فقلدوها وما ملكوا ناصية تقنياتهم، ولا تفننوا في استعمالها. وحين انقطعوا عن التراث جملة؛ كان لجوؤهم إلى تراث الثقافة الغربية الحديثة؛ مقلدين لمسالكه، ومتشبهين بأصحابه وماذا فعل مقلدة العصر بتراثهم حين ذهبوا في قراءته كل مذهب، ووضعوا له مشاريع قراءات، فالأبحاث السابقة الغالب عليها هو النظر في التراث من أجل “تحديثه” أو “عقلنته” أو “استصلاحه” أو “تنقيته” تحت ضغط الاستعجال الثقافي والسياسي الظرفي.
وقد بلغ الناس من كثرة السير في نفق التقليد حدا جعلهم يستطيبون لذة التقليد، ويرونه هو عين التجديد. ووجد أهل التقليد يتنكرون لهويتهم ويتحدثون عن الكونية. يقول “أما ترى أهل المتفلسف العربي لا يصوغ من الألفاظ إلا ما صاغه غيره، ولا يستعمل من الجمل إلا ما استعمله، ولا يضع من النصوص إلا ما وضعه(…) يؤولون إذا أو بيروت، لغيرهم ويحفرون إذا حفر غيرهم ويفككون إذا فكك غيرهم…” وقد انخدعوا بمقولتين: الاستجابة للشمولية الفلسفية والانخراط في الحداثة العالمية. وما استجابوا وما انخرطوا؛ وإنما أصيبوا بسوء التفلسف وانحلوا في غيرهم بكل كبرياء. وظل يدعو المفكرين من أبناء جلدته أن يُمارسوا حقهم في الإبداع الفلسفي، أن يقدموا الدليل على تلك الممارسة في استخدام المفاهيم المتداولة في الممارسة الإسلامية العربية. فمأساة الأمة أن كثيرا من مفكيرها يتشكلون مع الأحوال الآتية من الغرب. وظلت توجهاتهم الإصلاحية تتخذ من الغرب قبلة لها، ومن عقلانية ذلك الغرب منهجا لها في التفكير، ومنطلقا لها في الاجتهاد، وما فتئت منهجياتهم تربط كل تقدم وتحضر بانتهاج تلك العقلانية الغربية والاحتكام إليها.
والمفارقة الحادة التي تناولها د.طه في مجمل كتابه هي ما يمكن أن يوجزها قوله “إن النمط المعرفي الحديث غير مناسب إن لم يكن غير صالح للتوسل به في بناء معرفة إسلامية حقيقية”. والأدهى في نظر الباحث أن المتفلسفة العرب المعاصرين لم ينتبهوا إلى وجود جراثيم “التهويد” في الفلسفة الحديثة فهم يتفلسفون بما يخدم عدوهم، وأبحاثهم تدور في الوقت الراهن على إشكالات تلك الفلسفة المتهودة الحديثة. وتصور الفلسفة عندنا ينهض الناهضون بعبء إحيائها؛ لتكون فلسفة لها أصول مركوزة في تاريخنا لا في تاريخ غيرنا..
ومن هنا نهض طه عبد الرحمان بمشروع “فقه الفلسفة” لمحو التبعية عن فكرنا الإسلامي، وإقدار ذويه على الإبداع في مجال الفلسفة، واستنباته في ثقافتنا العربية الإسلامية المعاصرة فأقامه على مستويين ضروريين:- مستوى فقه الفلسفة.- مستوى فقه الترجمة. والقارئ لمشروعه يدرك أنه كان له اقتدار كبير على استثمار المنقول بما يغير أوصافه وأحواله، وذلك في بعض جوانب الاجتهاد في القول الفلسفي.
1- مستوى فقه الفلسفة
فالمفكر طه عبد الرحمن يعلن عن إدانة صريحة لآفة التقليد التي ابتلي بها المثقف العربي والتي لا تخفى على القارئ الحصيف، إذ يشعر بها ويدركها في مختلف فروع الثقافة والمعرفة الإنسانية عامة لاسيما عند المهتمين بالفلسفة “انظر كيف أن المتفلسفة العرب المعاصرين يؤولن إذا أول غيرهم، ويحفرون إذا حفروا، ويفككون إذ فكك… سواء أصاب في ذلك أم أخطأ؟ وقد كانوا منذ زمن غير بعيد توماويين أو وجوديين أو شخصانيين أو ماديين جدليين… مثله سواء بسواء كما لو أن أرض الفكر لم تكن واسعة فيتفسحوا فيها، وقد يتقلب الواحد منهم بين هذه المنازع المتباينة من غير أن يجد غضاضة في ذلك، ولا أن يستحي من نفسه، بل مع وجود الاعتزاز بفعله وحصول الاغترار بعلمه، كل ذلك بحجة أن ينهض بواجب الانخراط في الحداثة العالمية أو أنه ينهض بواجب الاستجابة للشمولية الفلسفية”.
من أجل ذلك اعتبر طه عبد الرحمان أن الفلسفة نوعان: -الفلسفة الميتة والمتوحدة، ويطلق عليها في مقال له بالفلسفة (الدوارة) أي تدور في دائرة منغلقة لا تلبث أن تعود القهقرى إلى نقطة انطلاقها، وهي اتباعية لا إبداعية، حيث تتوسل التقليد لا التجديد. الإتباع لا الإبداع. –الفلسفة الحية وهي الفلسفة الموصولة والمتداولة، ويسميها بالفلسفة (الفوارة)، أي منتجة فكريا ومعرفيا وتتيحي مساحة للتأمل والتفلسف بشكل موصول بالمجال التداولي العربي في مكوناته الثلاث: العقيدة واللغة والمعرفة، ومن سماتها التجديد لا التقليد، الإبداع لا الإتباع. فالمتفلسف العربي يشتغل في إطار الفلسفة الأولى لا الثانية، الفلسفة الميتة الدوارة لا الفلسفة الحية الفوارة، ولهذا لا يعدو أن يتصف بصفات الفلسفة الميتة الدوارة التي سجنت نفسها في ما أنتجه الآخر المتغلب تقنيا، فهذا النموذج من المتفلسفين مفصولين، ميتين، متبعين لا مبدعين، لأنهم خلصوا بين ما هو إشارة وبين ما هو عبارة عند الغرب، فلم يفرقوا بين الكلام العباري والكلام والإشاري فوقعوا في آفة التقليد من حيث يظنون أنهم يتقنون صنع فعل التفلسف، والحقيقة أن العبارة – حسب طه عبد الرحمن- لفظ محكم تركيبه، بينما الإشارة، على عكسها، كلام دال على المجاز أو مضمر لفظه أو مشتبه معناه، ممل يعني أن العبارة، هي أساسا، كلام يلتزم بضوابط العقل المجرد، في حين أن الإشارة هي بالأساس “كلام منفتح ينفتح على رحاب الخيال المجسد” العبارة تأخذ بأسباب الانفصال ومقتضى التعالي، فتكون مشتركة بين الأمم قاطبة، بينهما الإشارة تأخذ بأسباب الاتصال ومقتضى التعالي، فتكون مختصة بكل أمة على حدة. وتبعا لذلك نلفي أن مطلق الكلام سواء أكان أدبيا أم علميا يختلف فيما بينه بمقدار نصيبه من هذين القسمين البيانيين المتعارضين: الإشارة والعبارة. أو قوة التخيل وقوة التعقل، فاللغة الرياضية مثلا تدخل في إطار البيان العباري لما تتصف به من اتساق عقلي في أحكامها، بينما نجد أوفر حظا من البيان الإشاري اللغة الشعرية لأنها أقدر على تحصيل البيان الخيالي، أما اللغة الفلسفية فهي نصيب من الإشارة ونصيب من العبارة، فلا يجوز إذا للفلسفة الحية الفوارة المتصلة أن تنقل ما يحصل في نصيب إشاري للمفهوم الفلسفي الأوروبي على اعتبار أنه جزء من المدلول الاصطلاحي العباري. لأن إزاء هذه الحالة يكون الفيلسوف مقلدا لا مبدعا، وهذا ما اصطبغت به” جل المفاهيم الفلسفية التي بين أيدينا تخلو من القوام التأثيلي المطلوب، إذا تم وضعها في مقابل مفاهيم منقولة عن أمم أخرى، من دون أن يقع التفريق فيما ينقل بينما هو عباري يتوجب نقله، وما إشاري يخير في نقله، فنقول الكل على أنه عباري.”.
والمخرج من هذه الآفة المفكر طه عبد الرحمان توظيف الجانب التأثيلي من المفهوم الذي يتمثل في السعي إلى خلق فضاء فلسفي من خلال الحقل الدلالي الداخلي العربي على مستوى المقارنة والتوسيع والتفريع، وهذا ما فصل فيه طه عبد الرحمان عبر أركان التأثيل المفهومي، وآليات التأثيل المفهومي ونماذج التأثيل المفهومي في كتابه فقه الفلسفة.
2- المستوى فقه الترجمة.
الترجمة سؤال عميق في الفلسفة العربية الإسلامية، بل وتعتبر مسألة حياة أو موت للفكر بشكل عام، “لأن حياة فلسفة تقاس بوجدان الإبداع فيها وموتها يقاس بفقدان هذا الإبداع فيها، والفلسفة العربية لا إبداع فيها، والسبب في موتها هو الطريقة التي تمارس بها هذه الترجمة، إذ هي طريقة بكماء لا تنطق، وطريقة عمياء لا تبصر، ولا إبداع بغير إبصار، ويأتي بكمها من أنها تريد أن تنطق لغة أجنبية في لغة عربية، فلا هي نطقت هذه اللغة ولا تلك، ويأتي عماه في كونها تريد أن تبصر مجالا أجنبيا في مجال عربي، فلا هي أبصرت هذا المجال ولا ذاك”. ولا سبيل من الخروج من هذه الحالة إلا بتجديد ممارسة الترجمة، أي الوفاء بمقتضيات الترجمة المجددة. لكن قبل البسط في هذه الرتبة من الترجمة يورد طه عبد الرحمان رتبتين من الترجمة تنتفي فيهما سمات الإبداع والتجديد هما :
1- الترجمة التحصيلية*: وهي ترجمة حرفية لكل ما تضمنه النص المترجم لفظا ومعنى، مع التمسك بتمام الصورة التعبيرية، فالترجمة التحصيلية هي التي تتولى تقل النص الفلسفي بجميع مكوناته الأصلية والفرعية، إذ تستحوذ عليها اللغة في صيغها الصرفية، وبناها التركيبية، والعمل على نقلها بثمن كيفيتها، وكل مقتضياتها إلى اللغة الناقلة، يقول: “فالمترجم التحصيلي إذن هو عبارة عن المترجم الذي ينقل النص الفلسفي على مقتضى التحصيل، لا فرق بينه وبين المتعلم، إلا أن هذا يتلقى تعلمه بقصد التمكن فيه، وهو يتلقاه بقصد تمكين المتلقي منه.”. وبهذا فالترجمة التحصيلية تقوم على نقل البنى النحوية التي صيغت بها البنى الدلالية، سواء تعلق الأمر بالصيغة المفردة أو العبارات المركبة. وتمسك بالحرفية التركيبية تزيد حظوظ المترجم من انتقاء شبه التراكيب المضطربة، والعبارات الركيكة، ويضرب طه عبد الرحمان مثالا على هذا النمط من الترجمة. وهو نمط الترجمة في المغرب الذي يقوم على مبدأ التعلم والتعليم، أي التحصيل والتواصل، فالمتفلسف المغربي صار يمارس فعل الترجمة بتعلمها ابتداء وحفظا صورها اللفظية، وبتعليمها انتهاء، وحفظا لدقائقها المضمونية. فطلب التعلم يورث الحرفية اللفظية التي تجعل المترجم التحصيلي يقابل اللفظ باللفظ. وطلب التعليم يورث الحرفية المضمونية التي تجعل المترجم التحصيلي يقابل المعنى بالمعنى. فالترجمة التحصيلية بذلك هي استنساخ العناصر اللفظية والمضمونية الدالة في النص الأصلي أو المنقول، أي الشدد والحفاظ على الصيغ اللفظية والبناء التركيبي الذي وردت به عبارات النصوص المراد نقلها. فالترجمة التحصيلية دون غيرها من طرائق الترجمة الأخرى تورث لدى المتلقي آفة التطويل وإبعاده عن الفهم، وإرهاق فكره، وإهدار وقته، وقد عبر ابن تيمية عن هذا التطويل، وآفته في كلمة جامعة “إتعاب الأذهان، وتضييع الزمان وكثرة الهذيان.”.
2- الترجمة التوصيلية*: وهي التي تفي بغرض الأمانة المضمونية، التي تتوخى الحرفية المضمونية، لا يحصل فيها استقلال عن محاكاة المضمون الأصلي للنص المترجم أو المنقول، فالترجمة التوصيلية لا يستحوذ عليها هم اللغة أو اللفظ كما هو الحال في الترجمة التحصيلية، إنما يستحوذ عليها هم المعرفة أي تتبع المكونات المعرفية للنص المنقول، ومراعاة مضامينه ومعانيه. فالمترجم التوصيلي هو الذي يختص بنقل البنى المعنوية التي وردت بها البنى المنطقية في النص الأصلي، سواء تعلق الأمر بمجموعة المدلولات الاصطلاحية واللغوية، أو بمجموعة القيم والمثل العليا، ومتى تمسك المترجم بالحرفية المضمونية أو الدلالية متى وقع في تهويل بعض الباحثين، مما يجعل المتلقي ذو اللسان العربي يستثرها ويستشعر العجز من نفسه إزاءها، فلا يقوى على الاعتراض عليها، أو وضع ما يضاهيها من معان أخرى. يقول طه عبد الرحمان “فالمترجم التوصيلي إذن هو عبارة عن المترجم الذي ينقل النص الفلسفي على مقتضى التوصيل، لا فارق بيه وبين الراوي، إلا أن هذا ينقل ما علم به قصد إخبار المتلقي، بينما هو ينقله إليه بقصد تعليمه”.
ويستشهد على هذا النموذج من الترجمة، المتمسك بحرفية دون حرفية اللفظ أو التراكيب، بما حاول ابن رشد القيام به من رفع الركاكة على العبارة الفلسفية وسماها “شروح”. لكن الحقيقة حسب-طه عبد الرحمان- هي ليست شروحا وإنما إعادة ترجمة لهذه النصوص الفلسفية بعيدا عن النص الأصلي، لعدم معرفة ابن رشد باللغة اليونانية، ولا باللغة السريانية، وتوصل بهذه الشروح إلى مستوى الترجمة التوصيلية التي تفي بغرض الأمانة المضمونية بسبب إجلاله البالغ لأرسطو يقول: “فهذا واحد من المتقدمين وليس بأوحدهم وهو أبو محمد عبد الحق بن سبعين، الفيلسوف الصوفي القريب العهد من ابن رشد، يصف هذا الأخير بأنه بلغ النهاية في تقليد “أرسطو” حتى أنه لو سمعه يقول: إن القائم قاعد في زمان واحد، لقال به واعتقده، وأكثر تآليفه من كلام ارسطو، إما يلخصها، وإما يمشي معها (…) ولا يعول عليه في اجتهاده، فإنه مقلد لأرسطو” وقد قارن طه عبد الرحمان بين نصوص أرسطو في اللغة اليونانية، ونصوص ابن رشد الشارحة لها، ووجد فيها كثيرا من الخلط والغلط، ماحيا بذلك من غير تحسر كل مجهودات أسلافه في ملاءمتها مع مقتضيات المجال التداولي الغربي، واستحق بذلك تسميته: ابن رشد مفكر غربي بلسان عربي. يقول طه عبد الرحمان” على الرغم من تمكن ابن رشد أكثر من أسلافه من فهم مؤلفات ارسطو، لما توفر له من الشروح المختلفة والمفصلة، ولو أننا اكتشفنا عند مقارنة بعض تفاسيره مع ما جاء في النصوص اليونانية الأصلية أخطاء غير قليلة في هذا الفهم، فإننا ترى أنه أخطأ كلية في منطلقاتها لفلسفية فضل الطريق إلى إنشاء فلسفة عربية، وأعاد الفلسفة إلى ما كانت عليه في لباسها اليوناني الأصلي… فكان بحق فيلسوفا غربيا بلسان عربي، لا فيلسوفا غربيا بعقل عربي، لذلك يكون قد أمات الفلسفة بالنسبة إلينا، وأحياها بالنسبة لغيرنا.”.
ج- الترجمة التأصيلية*: وهي التي تتوخى التصرف في النص الأصلي ألفاظا ومعان، بما يتلاءم مع عبقرية اللغة المنقول إليها، وما يتناسب والقارئ العربي، أي ما يناسب مجاله التداولي، حتى لكأنها تنفي بتأصيلها عملية النقل فتقع في نفس القارئ العربي موقع الأصل. والمترجم المؤصل هو الذي يقصد رفع عقبات الفهم الزائد عن الضرورة من طريق المتلقي، ثم إقداره على التفاعل مع المنقول بما يزيد في توسيع آفاقه، وتزوده بأسباب الاستقلال في فكره. كما أن المترجم المؤصل لا ينقل أكثر عناصر النص الفلسفي أصولا وفروعا كما يفعل المترجم التوصيلي، فإنما ينقل أقل ما يمكن منها، مما يثبت فائدته في النهوض بقدرة المتلقي على التفلسف، يقول طه عبد الرحمان” فالمترجم التأصيلي هو إذن عبارة عن المترجم الذي ينقل النص الفلسفي على مقتضى التأصيل، لا فارق بينه وبين المؤلف سوى أن هذا ينشا ابتداء من نصوص متفرقة معلومة وغير معلومة، دامجا بعضها في بعض، وذاك ينشأ ابتداء من نص واحد معلوم دامجا بعضه في بعض.”
فالمترجم التأصيلي في هذه الحالة لا يستحوذ عليه هم الحرفية اللفظية، كما هو الحالة في الترجمة التحصيلية ولا هم الحرفية المضمونية كما هو الحال في الترجمة التوصيلية، وإنما يستحوذ عليه هم الفلسفة، فيتعقب المكونات الفلسفية للنص مستخرجا منها المواضيع الاستشكالية، والآليات الاستدلالية فيها، وقائما في هذا الاستخراج بالموجبات التداولية للغة المنقول إليها. فالمترجم التأصيلي يتصرف في دلالات النص الأصلي وتراكيبه معا، بحسب ما يوجبه نقل بناء المنطقية على وفق مقتضيات المجال التداولي الإسلامي، متحملا بذلك مسؤولية استقلاله عن هذه الدلالات والتراكيب باعتبارها تمارس نوعا من الوصاية عليه. وحتى يقضي المتفلسف العربي على آفة التباع والتقليد، ومن أجل أن يرفع همته نحو اليقظة الفلسفية الحية، لا مناص له من أن يخرج من الإتباع التحصيلي والتوصيلي الموروث في ممارسة الترجمة، والذي يتقيد فيه بحرفية اللفظ، وبحرفية المضمون، يكون المآل عدم أصالة المنقول الفلسفي.
ولا خروج له إلا بابتكار نمط في الترجمة غير مسبوق، يختص في انتزاع المعاني الفلسفية الأساسية من النص الأصلي وتفعيلها بمزاوجتها بالمعاني الفلسفية المستمدة من المجال التداولي، حتى إذا بلغ هذا التزاوج بينهما غايته انبثقت عنه جملة من الإشكالات التي تفتح الطريق لقيام تفلسف فيه من الأصالة بقدر ما فيه من الحداثة، وفيه من الخصوصية بقدر ما فيه من الكونية. يقول طه عبد الرحمان “ومن هذا فالمترجم الإبداعي يزاوج ما وسعه ذلك بين الإشكال وشكله الواردين في النص الأصلي، وبين بعض الإشكالات والأشكال التي يقتضيها مجاله التداولي، مجتهدا في أن يستوفي فيها من المقتضيات المضمونية والمنهجية ما يضاهي ما استوفاه صاحب هذا النص في إشكاله وفي شكل هذا الإشكال، ومتى كان الأمر كذلك اتضح أن الترجمة الإبداعية لا تتلاءم إلا مع ميدا الكونية الفلسفة الكونية المتفتحة، فهو وحده الكفيل بتحرير التفلسف إما تنويعا لاستشكالاته، أو توسيعا لاستدلالاته”.
ومن اجل هذا يدعو طه عبد الرحمان إلى ضرورة مراجعة الصور والأنماط التي خضعت لها الترجمة العربية والإسلامية للنصوص الفلسفية، وهذه المراجعة المطلوبة للفلسفة لن تتم في اعتقاده إلا عبر الانتقال من مرتبة الاشتغال بها إلى رتبة الاصطناع لها. وسعيا منه للنهوض بفقه الفلسفة، وطلبا لتمحيص النظر في المنقول الفلسفي المترجم قصد اقتراح نموذج تطبيقي عن الترجمة العربية للنص الفلسفي، فقد اختار أن يترجم “الكوجيتو” الديكارتي لما له من دور في رسم وجه الفلسفة الغربية الحديثة، وكذا لرمزيته الدالـة العقلانية: أنا أفكــر إذا أنا موجــود. «Moi je pense donc je suis existe » وعند وقوفه عند مكامن الخلل في الترجمة التحصيلية والتوصيلية عند بعض من نقلوا الكوجيتو إلى الصيغة العربية، ينتهي طه عبد الرحمان إلى رتبة الترجمة التي يحسبها منبهة للفكر، موقظة للحس، باعثة على العطاء في مجالنا التداولي وفق عبارة “أنظر تجد”. وهي المقابل التأصيلي للكوجيتو الديكارتي. فهذه العبارة تحمل من الدلالات ما يكفي لحمل المتفلسف على نبذ الجمود وطلب اليقظة، كونها توسع آفاق الإدراك الفلسفي توسيعا، تشل معه حركة العقل الجامد على النزعة الحداثية، والعامل بمقتضيات عبارة الكوجيتو سواء في صيغتها الأصلية، وفي صيغتها المترجمة الشائعة: “أنا أفكر إذن أنا موجود”، والتي يمكن أن نصطلح عليها بالصيغة الوجودية التي إنحصرت في ذات المتكلم “أنا” وحده، بمعنى أن الإنسان “كموجود” أو “كشيء” عند ديكارت لا يدرك وجود ذاته إلا على مقتضى صيغة المتكلم.
ولكي تتسع آفاق الممارسة الفلسفية يجب إستبدال الكوجيتو التكلمي بالكوجيتو الخطابي، ليكون المخاطب هو الأصل والمتكلم هو الفرع، فعبارة “أنظر تجد” لا تدفع ثقل الترجمة السابقة للكوجيتو فحسب؛ بل تستشرف حلولا لمشاكل المجتمعات الحداثية خارج إطار العقلانية التي أنتجت هذه المشاكل، وفي الوقت نفسه تدعول الإنسان إلى فتح باب التأمل والنظر في عالم الحس حيث يقول: “فمن ينظر قد ينظر في أحواله وأفكاره، وفيما يختص به من صفات، فيجد نفسه التي بين جنبيه، أي نفسه هي موجوده الذي لا يفارقة(…) ومن ينظر قد ينظر في الإعتقادات التي تضمنتها نفسه، والصفات التي يتصف بها ربه، فيجد عالمه الذي يحيط به، أي عالمه هو موجوده الذي يشك في إدراكه”.
فالعقل لا يخرج من الوجود ليؤسس لفكرة مجردة عن هذا الوجود، وإنما ينطلق من النظر في الوجود المعطى ليبني تصورا عن وجود ممكن، وهنا تبرز الحاجة إلى النظر والافتقار إليه لا في المجال التداولي العربي الإسلامي فقط، بل في المجال التداولي الحداثي عامة.
إن الترجمة التي قدمها طه عبد الرحمان للكوجيتو “أنظر تجد” تحمل معاني الإجتهاد في إطار الترجمة التأصيلية، وهي التي تفتح آفاق تفلسف جديدة للمتلقي العربي، ومن غير أن يعني هذا إنكار دور مراتب الترجمة الأخرى. لكن طالب الفلسفة يلزمه أولا تلقي النصوص الفلسفية عبر الترجمة التأصيلية حتى تحصل له الملكة الفلسفية، ثم تتلوها الترجمة التوصيلية ليدرك الفرق بين المضامين الفلسفية، فيقتبس منها ما شاء، ويصرف عنها ما شاء بحسب طاقته وحاجته، ثم الترجمة التحصيلية ليدرك الفروق بين التعابير الفلسفية فيقتبس ما شاء ويطرح ما شاء، ويكون في كل هذا بتعبير طه عبد الرحمان مخيرا لا مكرها، يقضا لا غافلا مجددا لا مقلدا.

ثالثا: القراءات التراثية وسؤال التجديد:
يعتبر طه عبد الرحمان التراث حقيقة لا سبيل على الانفكاك عنها، بدليل تكاثر الأعمال المشتغلة بالتراث، تاريخا ودراسة وتقويما… ومن أبرز الأعمال التي عرف بها كتاب “التجديد المنهج في تقويم التراث”، حيث جزم المفكر فيه بأنه اهتم بكلية التراث، كونه أعاد الإعتبار لجوانب من التراث طالها “التشنج والقدع في أهله”، وإحياء النظر وتجديد الإعتبار لجوانب أخرى من التراث طالها “الإهمال الفاحش”.
هذه الدعاوى كانت من الأسباب المباشرة في إنشاء نظرية تكاملية للتراث. خالف بها طه المفكر أعمال الكثير من المشتغلين بالتراث، وواجه بها الإنقلاب في القيم من أصحاب المناهج والمشاريع في قراءة ذلك التراث، وممن دعاهم بدعاة الانقطاع عن التراث. وقال إنه نحا “في تقويم التراث منحى غير مسبوق ومألوف” .
وأنه وسَّع مناهج النظر في التراث، وفتح آفاقا غير مرتادة. وفي الوقت نفسه ساهم في دحض تحامل جل الباحثين المعاصرين، في الغالب على كثير من الجوانب المشرقة في تراثنا مغفلين القيمة المنهجية والعدة المفاهيمية التي تحملها، فجازوا بأحكام قيمة يقيدونها تارة بمنطلقاتهم المنهجية المستمدة من الفكر الغربي دون وعي بأصولها وفائدتها المحدودة، وتارة بقناعاتهم الإيديولوجية – أو الفكرانية، كما ترجمها طه عبد الرحمان – التي تجعلهم تارة يبحثون عن “نزعات مادية” أو عن “عقلانية محاصرة” ويفوتون بذلك على أنفسهم الإنصات إلى كلمة التراث المنحدرة إلينا من أنفسنا.
1- نقد القراءات التجزيئية للتراث
سعى طه عبد الرحمان في نقده للخطابات التجزيئية التفاضلية في قراءة التراث إلى الكشف عن المظاهر الأساسية التي تجلى فيها تجزيء التراث، للوقوف على الأسباب العامة التي أفضت إلى المظاهر التجزيئية، وقد انطلق من دعوى مفادها “أن التقويم الذي يغلب عليه عملية الانشغال بمضامين النص التراثي، ولا ينظر البتة في الوسائل اللغوية والمنطقية التي أنشئت وبلغت بها هذه المضامين يقع في نظرة تجزيئية إلى التراث.”
هذه الدعوى استند في إثباتها على مقدمة التركيب المزدوج للنص، واعتبر أن كل نص حامل لمضمون مخصوص، وأن كل مضمون مبني بوسائل معينة، ومصوغ على كيفيات محددة؛ بحيث لا يتأتى استيعاب المستويات المضمونية القريبة والبعيدة للنص، إلا إذا أحيط علما بالوسائل والكيفيات العامة الخاصة التي تدخل في بناء هذه المستويات المضمونية. لذا فكل قراءة تراثية تأخذ بالمضامين من دون الوسائل التي أنتجتها، واقعة في الإخلال بحقيقة التلازم بين طرفي النص المضمون والآليات كما أن تقسيم المضامين التراثية إلى أجزاء بينها تفاضل، وانتقاء ما حسن منها ينتمي أصحابها إلى النزعة المضمونية؛ التي حملتهم على اعتناق النظرة التجزيئية، بالإضافة إلى توسلهم بآليات مستمدة من مجالات ثقافية أخرى غير التراث العربي الإسلامي، يسميها طه عبد الرحمان بالآليات الاستهلاكية، وحصرها في صنفين أساسيين هما: الآليات العقلانية، والآليات الإيديولوجية والفكرانية.
بهذا ميز طه عبد الرحمان في القراءات المعاصرة للتراث بين نوعين: الأولى مضمونية تقوم على الاكتفاء بالمضامين النصية دون الوسائل التي أنتجتها؛ على اعتبار أن حصيلة التراث مردودة كلها إلى جملة من المضامين والمحتويات التي هي في حاجة إلى الاستيعاب والتوظيف، بسبب المتطلبات والأهداف العلمية والعملية. أما النزعة الثانية تجزيئية اقسم المضامين التراثية إلى قطاعات متمايزة فيما بينها، وتفضيل بعضها على بعض بحجة أن تلك المضامين ما هو حي يحتمل أن تربط أسباب الحياة فيه بالحاضر والتوجه إلى المستقبل، وفيها ما هو مردود لا يستحق الدرس بحجة أنه ميت ينبغي قطع صلاته بالحاضر؛ حتى لا يضر بآفاقه المستقبلية. ويستدل طه عبد الرحمان على هذه النظرة التجزيئية في قراءة التراث بقراءة د.محمد عابد الجابري كنموذج؛ باعتباره أكثر المفكرين المعاصرين اشتغالا بالتراث، والمنظرين له عبر كتبه الثلاث: “نحن والتراث”، “تكوين العقل العربي”، بنية العقل العربي”، في صورة دعوى متميزة باسم: دعوى التعارض الأصلي لهذا النموذج، حيث يقول “إن نموذج الجابري في تقويم التراث يقع في تعارضين اثنين أحدهما التعارض بين القول بالنظرة الشمولية، والعمل بالنظرة التجزيئية، والثاني التعارض بين الدعوة إلى النظر في الآليات وبين العمل بالنظر في مضامين الخطاب التراثي في الآليات.”.
فالجابري وقع في التناقض بين النظرة الشمولية والتطبيق التجزيئي؛ الذي دعا فيه إلى التعامل مع العلوم العربية على اختلافها بصورة تجزيئية، إذ قسمهما إلى أنظمة معرفية متفاضلة لا رابطة بينها وهي: النظام المعرفي البرهاني، كون البرهان مقولة متعلقة بالصورة الاستدلالية العقلية. والنظام المعرفي البياني كون البيان مقولة متعلقة بالصيغة اللفظية. والنظام المعرفي العرفاني كون العرفان مقولة متعلقة بالمضمون المعرفي “ألا ترى أن وحدة التراث تتفكك في يده إلى أجزاء متعارضة متعالية فيما بينها.”
أما الوجه الثاني في التناقض الذي وقع فيه الجابري هو النظر في الآليات؛ أي الاشتغال بالآليات المنتجة للنصوص التراثية تحليلا وفحصا وتركيبا وترتيبا… إلا أنه لم يباشر بنفسه استخراج هذه الآليات المنهجية للفكر والأصولية، أو الآليات البلاغية، أو الآليات العرفانية، ومن الاعتراضات التي يقدمها طه عبد الرحمان عن القراءة المعاصرة وآلياتها المتوسلة في فهم وتفسير وتأويل التراث نجد ما يلي:
- عدم التمرس والدربة في استخدام الآليات العقلانية المنقولة، فضلا عن غياب الإحاطة التامة والكافية العربي، وإنما استنبطها من نصوص القدامى والخطاب الذي دار بشأنها؛ سواء بالنسبة للآليات الفقهية بتقنياتها وإجراءاتها.
- عدم التمهيد لإنزال هذه الآليات العقلانية على التراث، بنقد كاف وشامل قصد تبيين كفايتها الوصفية وقدرتها التحليلية، وقوتها الاستنتاجية.
- المعرفة التراثية ليست معرفة نظرية خالصة كأداوت العقلانية المجردة؛ وإنما لها تعلق راسخ بالحقيقة العملية التي تتصل بالقيم السلوكية المكتسبة، بالتعاون مع الغير في إطار الصواب وتحقيق الاتفاق. وإنزال معايير العقل النظري المنقولة على مثل هذا العقل العملي الذي تميز به التراث، لن يؤدي إلا إلى استبعاد أجزاء من التراث بحجة ضآلة درجة عقلانيتها.
- استناد القراءات المعاصرة للتراث إلى مبدأ التسييس، وحمل التراث على ما يحمله في سياقه الاجتماعي من دلالات الصراع من أجل ممارسة السلطة، وإن اختلفت في تحديد شكله، ثوريا أو إصلاحيا أو تأسيسيا.
- إغفال القراءات المعاصرة حقيقة؛ هي أن التراث أقرب إلى التأنيس منه إلى التأسيس أي أن التراث يولي الجانب الأخلاقي والجانب المعنوي الروحي وظيفة رئيسية في النهوض بالفكر، فتكون قيمة النص المقروء من جهة التأنيس في الفوائد العلمية، والآثار المعنوية التي يولدها عند القارئ أكثر من الجوانب التسييسية والمادية.
2- التأسيس لقراءة تكاملية للتراث
بعد الاعتراض على آليات ووسائل القراءة التجزيئية التفاضلية للتراث، كونها نقلت من مجال تداولي مغاير للمجال التداولي الإسلامي، ولكون الناقلين لها لم يحيطوا بتمام أسرارها التقنية، ينتقل طه عبد الرحمان إلى مستوى التأسيس لقراءة تكاملية للتراث اعتمادا على آليات التقريب التداولي بين المنقولات الأجنبية والمجال التداولي الأصلي، منطلقا من دعوى التداول الأصلي يقول: لا سبيل إلى تقويم الممارسة التراثية ما لم يحصل على الاستناد إلى مجال تداولي متميز عن غيره من المجالات بأوصاف خاصة، ومنضبطة بقواعد محددة، يؤدي الإخلال بها إلى آفات تضر بهذه الممارسة.”
ومن مضمون هذه الدعوى، يتبين أنها مبنية على ثلاثة أركان هي:
1- تميز المجال التداولي الإسلامي عن غيره من المجالات الأخرى، وهذا التميز يقود إلى ثلاثة أسباب كبرى: لغوية وعقدية ومعرفية، تؤسس لأسباب التواصل والتفاعل داخل هذا المجال. فاللغة أداة من أقوى الأدوات التي يستخدمها المتكلم لتبليغ مقاصده إلى المخاطب والتأثير فيه بحسب هذه المقاصد. وبقدر ما تكون الأسباب اللغوية مألوفة للمخاطب، وموصولة بزاده في الممارسة اللغوية فهما وعملا، يكون التبليغ أفيد والتأثير أشد.
أما العقيدة فلا تقل في نظر طه عبد الرحمان نهوضا بمقتضيات التواصل والتفاعل من الأسباب اللغوية، فلولا الصبغة العقدية الدينية للأسس الأولى للممارسة التراثية؛ لما تمتعت هذه الممارسة بما نعلمه عنها من السعة والثراء. أما المعرفية فترتبط بما يتناقله المتخاطبون بواسطة لغتهم، وما يتعاملون له بموجب عقيدتهم، فهي جملة مضامين دلالية، وطرف استدلالية تتوسع بها المدارك العقلية وتفتح بها آفاق العالم.
2- تحديد قواعد ضبط المجال التداولي الإسلامي؛ إذ ينطلق طه عبد الرحمان في تحديد هذه القواعد من مبدأ عام تتفرغ منه جميع القواعد التداولية الضابطة لمجال الممارسة التراثية أسماه بـ : مبدأ التفضيل وصاغه على الوجه التالي : “ليس في جميع الأمم أمة أوتيت من صحة العقيدة، وبلاغة اللسان وسلامة العقل؛ مثلما أوتيت أمة العرب تفضيلا من الله”.
أما قواعد الأصل اللغوي فتحدد-حسبه- الكيفيات التي تكون بها اللغة العربية أبلغ من سواها وهي:
- قاعدة الإعجاز : أي التسليم بان اللسان العربي استعمل في القرآن الكريم بوجوه من التأليف، وطرق في الخطاب يعجز الناطقون عن الإتيان بمثله دائما.
- قاعدة الإنجاز : أي الالتزام بإنشاء الكلام جاريا على أساليب العرب وعاداتهم في التبليغ.
- قادة الإيجاز : أي الاختصار في العبارة وتأدية المقاصد.
أما القواعد الأصل المعرفي فتحدد الكيفيات التي يكون بها العقل الإسلامي الذي أسلم من غيره وهي:
- قاعدة الاتساع : أي التسليم بأن المعرفة الإسلامية حازت اتساع العقل بطلبها النفع في العلم والإصلاح في العمل.
- قاعدة الانتفاع : أي التوسل بالعقل النظري طلبا بالأسباب الظاهرة للكون، والانتفاع بتسديد العقل العملي.
- قاعدة الإتباع: أي التوسل بالعقل الوضعي طلبا للعمل بالغايات الخفية للكون، وإتباع إشارات العقل التداولي.
ويؤكد طه عبد الرحمان على أن هذه القواعد التداولية تتناول المظاهر الثلاثة للممارسة التراثية: المظهر التفضيلي، الذي يمد هذه الممارسة بأسباب التمايز وتثبيت الهوية، وإظهار الخصوصية. والمظهر التأصيلي، الذي يمد أهلها بأسباب التواصل واستنهاض الهمم إلى العمل. والمظهر التكميلي، الذي يمده بأسباب التفاعل والإنتاج والإبداع.
3- الآفات المترتبة عن الإخلال بقواعد المجال التداولي، وقد نبه طه عبد الرحمان إلى ان قواعد المجال التداولي الإسلامي تتعرض للضرر، كلما وردت على مجال التداول الإسلامي ظواهر ثقافية أو حضارية منقولة، مما يترتب عنه آثار تمس سلبا بالممارسة التراثية تواصلا وتفاعلا.
وقد يميز طه عبد الرحمان في هذا الضرر الذي يطال المجال التداولي بين ظروف متعددة، تختلف باختلاف عدد القواعد التي لحقها الضرر في كل أصل تداولي. فقد يرتبط بالمظهر التفضيلي ويؤدي إلى فقدان مجال التداول عامل الإدارة عبر التناقل في الإنهاض العقلي، والتقهير في الإنهاض اللغوي، والتكاسل في الإنهاض المعرفي، مما يعطل قدرته على الإنهاض.
أما حين يرتبط الضرر بالمظهر التأصيلي فيؤدي إلى فقدان مجال التداول عامل الفعل مما يعطل قدرته على الإنتاج عبر التعود في الإنتاج العقلي، والإحتباس في الإنتاج اللغوي، والتوقف في الإنتاج المعرفي.
أما حين يرتبط الضرر بالمظهر التكميلي فينتج عنه فقد المجال فيؤدي إلى فقدان مجال التداول عامل الاعتبار وتتعطل معه على التوجيه عبر السهو، في التوجيه العقدي، واللغو في التوجيه اللغوي، واللهو في التوجيه المعرفي.
وبعد بيان دعوى التداول الأصلي، ينتقل طه عبد الرحمان إلى تعضيد دعوى التداول الأصلي بدعوى التقريب التداولي، ليشكل الطرف الثاني من معادلة القراءة التكاملية للتراث، وتنص دعوى التقريب التداولي “على أن لا سبيل إلى معرفة الممارسة التراثية بغير الوقوف على التقرير التداولي؛ الذي يتميز عن غيره من طرف معالجة المنقول باستناده إلى شرائط مخصوصة يفضي بعد استيفائها إلى الإضرار بوظائف المجال التداولي، فضلا عن استناده إلى آليات صورية محددة.”
والتقريب التداولي عند طه عبد الرحمان : هو كل نقل تصحيحي قام على قواعد تداولية أصلية عقدية أو لغوية أو معرفية حصل اليقين فيها، بتوسل آليات صورية تشترك في استعمالها جميع أنواع التقريب تشغيلا عقديا كان أو اختصارا لغويا، أو تهوينا معرفيا، ويتم هذا التصحيح بالتصرف في المنقول بالإضافة والحذف والتخصيص والإبدال… حتى يصير موافقا للمجال التداولي المنقول إليه.
وبهذه المستويات الثلاث يكون طه عبد الرحمان قد تعامل مع التراث كحقيقة تاريخية لا يمكن الانفصال عنها ولا تقسيمها، فكانت الحاجة عنده تدعو إلى إنشاء تراث جديد لا لَوك أحكامه عن تراث قديم. بذلك يكون المفكر قد طرق آفاقا جديدة في قراءة التراث قراءة تحمل على الاهتمام بكلية التراث، كما تجدد الاعتبار لجوانب من ممارسة التراثية تعرضت للتغييب ردحا من الزمن؛ فضلا على أنها تفتح باب قراءة التراث بعين التراث، ومن أجل التراث.

بوزبرة عبد السلام