dr taha
مقالات عن طه

فصل المقال فيما بين فلسفة البشر وحكمة القرآن من الانفصال عند الحكيم بديع الزمان (1)

السبت 1 أبريل 2006

نستهل هذا البحث باتخاذ إجراء اصطلاحي أساسي، وهو أن نخصص (من الآن فصاعدا) لفظ «الفلسفة» بالدلالة على المعرفة التي وضعها الإنسان من عنده، فنقول: «الفلسفة الإنسانية»، ولا نقول: «الفلسفة القرآنية»، كما نخصص لفظ «الحكمة» بالدلالة على المعرفة التي جاء بها الوحي من عند الله، فنقول: «الحكمة الإلهية»، ولا نقول: «الحكمة الفلسفية» أو «حكمة الفلاسفة»، ولا بالأوْلى نُطلق اسم «علم الحكمة» على الفلسفة، ولا اسم «الحكماء» على الفلاسفة.(1)

ولا يخفى أن هذا الإجراء الاصطلاحي يضاد كليا نظيره الذي قام به ابن رشد، فقد خص كلمة «الحكمة» بإفادة معنى «الفلسفة» في مقابل «الشريعة» كما جاء ذلك في عنوان كتابه المعروف: فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال؛ ومن شأن تخصيص الفلسفة بالحكمة ومقابلتها بالشريعة أن يوهم بأن الحكمة اجتمعت كلُّها في الفلسفة وأن الشريعة ليس شيء فيها حكمة، بحيث تَرِد على هذا الإجراء شبهة التخليط أو التغليط؛ ولا دفع لهذه الشبهة إلا بتغيير عنوان هذا الكتاب بأحد الطريقين: إما الاستبدال أو التقييد؛ والطريق الأول منهما يقوم في أن نضع لفظ «الفلسفة» مكان لفظ «الحكمة»، فنقول: فصل المقال فيما بين الفلسفة والشريعة من الاتصال، ولا سيما أن المصطلح الذي اختار ابن رشد أن يستعمله في أول كلامه في كتابه هذا هو لفظ «الفلسفة»، وليس لفظ «الحكمة»؛ والطريق الثاني يقوم في أن نخصص طرف الحكمة من طرفَي هذه المقابلة بواسطة الإضافة، فنقول: فصل المقال فيما بين حكمة الفلسفة وحكمة الشريعة من الاتصال أو نخصصه بواسطة الإسناد، فنقول: فصل المقال فيما بين الحكمة الفلسفية والحكمة الشرعية من الاتصال.

وبعد هذا التوضيح الاصطلاحي الضروري، نتَّبع في عرض موقف بديع الزمان من العلاقة بين «الفلسفة» و «الحكمة» الطريق الذي يُؤثِر هو نفسه اتباعَه في بسط أفكاره وآرائه، لأننا نكون بذلك أقرب إلى فهم هذا الموقف مما لو نحن نتَّبع في ذلك طريقا غيرَه من طرق العرض والإيضاح والتحليل المعلومة؛ وليس هذا الطريق المفضَّل لدى بديع الزمان إلا طريق التمثيل والتشبيه؛ فلنوضح إذن موقفه من هذه العلاقة بتشبيه تمثيلي مخصوص نتأوَّله ونتعرف من خلاله على الصفات التي يتميز بها هذا الموقف؛ وليكن هذا التشبيه كالتالي:

فكما أن «كوبيرنيك» أحدث انقلابا في تصور العلاقة بين الأرض والشمس،(2) فكذلك بديع الزمان أحدث انقلابا في تصور العلاقة بين الفلسفة والحكمة، أو قُل على جهة التشبيه، بين أرض الفلسفة وشمس الحكمة؛ غير أن هذا الانقلاب الجديد أخذ مسارا معاكسا لانقلاب فكري آخر نُعِت هو أيضا بكونه «كوبرنيكيا»، وهو بالذات الانقلاب الذي أحدثه «كانط» في تصور العلاقة بين الذات العارفة والموضوع المعروف؛(3) فيتعين إذن أن نحدد خصوصية انقلاب بديع الزمان -هذه الخصوصية التي تَثْبُت له معها الصفة «الكوبرنيكية» وتنتفي عنه الصفة «الكانطية»- كما يتعين تحديد نوع الإنسان الذي يتولد من هذا الانقلاب الفكري الجديد.

ومعلوم أن مفهوم «الانقلاب» أخص من مفهوم «التغيير»، إذ هو تغيير الشيء إلى ضده أو نقيضه، بحيث يكون الموقف من العلاقة بين الفلسفة والحكمة الذي انقلب إليه بديع الزمان مضادا للموقف الذي انقلب منه؛ فلننظر الآن في هذا الموقف المنقلَب منه، حتى نتبين قدر التحوّل الذي سوف يطرأ على فكر صاحبه.

1. بديع الزمان الفيلسوف والوصل بين الفلسفة والحكمة
يقر بديع الزمان بأنه اشتغل بالفلسفة مدة وتعلق بها تعلقه بالعلوم العقلية كما اشتغل وتعلق بها غيره من المفكرين،(4) بحيث يصح أن نَعُد هذه الفترة من حياته الفكرية فترة تفلسف صريح جعله يتخذ من العلاقة بين الفلسفة والحكمة نفس الموقف الذي اتخذه فلاسفة الإسلام من أمثال الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد،(5) وهو، على التعيين، موقف الجمع أو الوصل بينهما، بمعنى أن الفلسفة لا تخالف الحكمة، وإنما توافقها.

والواقع أننا إذا دققنا النظر في هذا الجمع -أو الوصل- وجدنا أنه يتخذ صورتين اثنتَين: إحداهما، الصورة التي اشتهر بها الكندي والفارابي وابن سينا؛ والثانية، الصورة التي اشتهر بها أبو سليمان السجستاني وابن رشد؛ فلنبسط الكلام في هاتين الصورتين للوصل بين الفلسفة والحكمة.

1.1. جمع التداخل بين الفلسفة والحكمة:
إن الصورة الأولى التي اتخذها الجمع بين الفلسفة والحكمة هو أنه عبارة عن تداخل، بمعنى أن الفلسفة والحكمة تدخل إحداهما في الأخرى، فما تقرره الحكمة تثبته الفلسفة وما تدّعيه الفلسفة تؤيده الحكمة، بحيث تنـزلان منـزلة الأختين الشقيقتين؛ ويقوم هذا الوصل التداخلي، حسب ما جاء في نصوص بديع الزمان، على مبدأين أساسيين:

أحدهما، مبدأ تأسيس النقل على العقل: ومقتضاه أن النقل يُؤوَّل على مقتضى العقل متى ظهر تعارضه معه.

والثاني، مبدأ التوسل بالعقل في النقل: ومقتضاه أن المفاهيم العقلية تكون وسائط في بيان الحقائق النقلية.

وقد عَمل بديع الزمان بهذين المبدأين في فترة تفلسفه، إذ يخبرنا أنه كان يقيم الحقائق الإسلامية على أدلة عقلية كما هي طريقة الفلاسفة، داخلا في مناظرة خصومه وخصوم الإسلام.(6) كما نجد أنه كان يلجأ في توضيح المعاني الإسلامية إلى المفاهيم الفلسفية كشأنه مع معنى «العدل»، إذ لجأ في بيانه إلى نظرية «أفلاطون» في الفضائل الأربع -أي العفة والشجاعة والحكمة والعدل- وأيضا إلى نظرية «أرسطو» في مفهوم «الفضيلة» باعتبارها وسطا بين الإفراط والتفريط.(7)

2.1. جمع التصاحب بين الفلسفة والحكمة:
أما الصورة الثانية التي اتخذها الجمع بين الفلسفة والحكمة، فهي أنه عبارة عن تصاحب؛ بمعنى أن الفلسفة والحكمة، ولو أنهما تعبِّران عن حقيقة واحدة، تبقيان مستقلتين إحداهما عن الأخرى، إذ تكون لكل واحدة منهما لغتها وجمهورها ومنهجيتها ومقصديتها الخاصة، فتكون العلاقة بينهما علاقة تساوق وترافق أشبه بترافق الصديقتَين؛ والأصل في القول بهذا الوصل التصاحبي هو الاعتقاد بأن الفلسفة تأخذ بمبادئ ثلاثة لا تأخذ بها الحكمة:

أحدها، مبدأ الاندهاش: ومقتضاه أن فعل التفلسف يتولد من الشعور بالدهشة -أو العجب- إزاء الآثار في النفس أو إزاء الأشياء في الأفق.

والثاني،مبدأ الاستشكال: ومقتضاه أن الفيلسوف لا يفتأ يضع الأسئلة تلو الأخرى، باحثا عن الأجوبة عنها.

والثالث، مبدأ الاسـتدلال: ومقتضاه أن الفلسفة تستند في إثبات حقائقها إلى الأدلة العقلية التي قد تبلغ أعلى مراتب اليقين.

وقد عَمل بديع الزمان بهذه المبادئ الثلاثة، هي الأخرى، في فترة تفلسفه، إذ كان يتمتع بقدرة اندهاشية قَلَّ نظيرها، فلا يرى شيئا في نفسه أو في أفقه إلا ويرى فيه سرا عجيبا ينبغي استكناه أمره؛ وأيضا كانت الأسئلة المصيرية تملك عليه مشاعره وتستحوذ على مداركه، فيشغله طلب الأجوبة عنها طويلا، معاودا النظر فيها، إن تصحيحا أو تعميقا. ولم يكن بديع الزمان يجد من طريق أسلم في استكناه الأمور التي يندهش لها ولا في الجواب عن الأسئلة التي تهجم عليه إلا طريق البرهان العقلي، لكي تطمئن نفسه التي بين جنبيه ويقتنع خصمه الذي بين يديه.

وعلى الجملة، كان بديع الزمان الفيلسوف كغيره من فلاسفة الإسلام يسلّم بمبدإ الجمع بين الفلسفة والحكمة، سواء اتخذ هذا الجمع شكل التداخل كما عند الفارابي وابن سينا أو شكل التصاحب كما عند ابن رشد.

2. بديع الزمان الحكيم والفصل بين الفلسفة والحكمة
ها هنا يجب التنبيه على حقيقة أساسية، وهي أن هذا الجمع بين الفلسفة والحكمة، إذا كان النظر العقلي المجرد يجوِّزه ولا يحيله، فإن الواقع الحي يكذبه ولا يؤيده؛ ذلك أنه حدثَ على مرأى ومسمع من بديع الزمان انقلاب سياسي اجتماعي تصدَّع له التاريخ واهتز له المجتمع وصعق له الإنسان؛ ولم يكن هذا الانقلاب السياسي الاجتماعي إلا أثرا من الآثار التي انعكس بها على المجتمعات الغربية الانقلاب الفكري الذي قامت به الفلسفة الحديثة ضد الحكمة الدينية والذي يمثله خير تمثيل فكر الفيلسوف الألماني «كانط».

وكان لا بد لهذا التعارض الغريب بين تجويز العقل للجمع بين الفلسفة والحكمة وتكذيب الواقع المعيش له من أن يشغل بال بديع الزمان طويلا ويدعوه إلى مراجعة موقفه الفلسفي وبالتالي إلى تجديدِ النظر فيما تقرر بين فلاسفة الإسلام من أن الفلسفة والحكمة متصلتان اتصالَ تداخلٍ كالشقيقتين أو اتصالَ تصاحبٍ كالصديقتين.

من هنا يبدأ العهد الجديد لبديع الزمان، إذ يتجرد من لباسـه الفلسفي القديم ليلبس لباسا جديدا، ألا وهـو لباس الحكمة، أو قل ها هنـا نشهد موت بديع الزمان الفيلسوف وولادة بديع الزمان الحكيم، (8) ونسوق في هذا المقام نصا بهذا الشأن لا غبار عليه، وهو التالي:

«راجعت أول ما راجعت تلك العلوم التي اكتسبتها سابقا أبحث فيها السلوة والرجاء؛ ولكن كنت -ويا للأسف!- إلى ذلك الوقت مغترفا من العلوم الإسلامية مع العلوم الفلسفية ظنا مني -ظنا خطأ جدا- أن تلك العلوم الفلسفية هي مصدر الرقي والتكامل ومحور الثقافة وتنور القلب، بينما تلك المسائل الفلسفية هي التي لوثت روحي كثيرا، بل أصبحت عائقة أمام سموي المعنوي».

«نعم، بينما كنت في هـذه الحالة، إذا بحكمة القرآن المقدسة تسعفني، رحمة مـن العلي القدير، وفضلا وكرما من عنـده سبحانه، فغسلت أدران تلك المسائل الفلسفية، وطهرت روحي منها -كما هو مبين في كثير من الرسـائل- إذ كان الظلام الروحي المنبثق من العلوم الفلسفية يغرق روحي ويطمسها في الكائنات، فأينما كنت أتوجه بنظري في تلك المسائل فلا أرى نورا ولا أجد قبسا، ولم أتمكن من التنفس والانشراح حتى جاء نور التوحيد الساطع النابع من القرآن الكريم الذي يلقن «لا إله إلا الله»، فمزق الظلام وبدده، فانشرح صدري وتنفّس بكل راحة واطمئنان».(9)

ويتخذ هذا التحول الجذري في حياة بديع الزمان مظهرين اثنين: أحدهما مظهر نقدي والثاني مظهر بنائي.

1.2. انقلاب بديـع الزمان ونقد الوصـل بين الفلسفة والحكمة
يتجلى المظهر النقدي لهذا التحول في كون بديع الزمان اشتغل بنقد الجمع بين الفلسفة والحكمة في صورتيه الاثنتين: التداخل والتصاحب نقدا مثلَّثا: نقدا منطقيا ونقدا أخلاقيا ونقدا إشاريا؛ ولا عجب في ذلك، فالحكيم أصلا لا يكتفي بالنقد المنطقي للآراء كما يكتفي به الفيلسوف، بل يتعداه إلى النقد الأخلاقي لها، لأنه لا ينظر إليها مجردة، وإنما مقترنة بالعمل، فيقوّمها بحسب أثرها العملي، ثم يرتقي بها درجة، فينظر إليها من جهة قيمتها الجمالية، فيأتي بنقده الإشاري لها.

فلنبدأ بتوضيح كيف مارس بديع الزمان هذا النقد المثلَّث على الضرب الأول من الوصل بين الفلسفة والحكمة، وهو الضرب التداخلي الذي ينبني، كما تقدم، على مبدأين اثنين هما: «مبدأ تأسيس النقل على العقل» و «مبدأ التوسل بالعقل في النقل».

1.1.2. نقد التداخل بين الفلسفة والحكمة
أ. النقد المنطقي: يرى بديع الزمان أن مبدأ تأسيس النقل على العقل الذي ينبني عليه جمع التداخل هو عبارة عن ترجيح بغير مرجِّح، ذلك لأن العقل ليس أقل من النقل حاجة إلى التأسيس، ولا يمكن أن يكون هذا التأسيس بطريق العقل نفسه متى كان هذا العقل هو «العقل الدائر بين الناس»(10) ولم يكن عقلا من نوع جديد لا عهد للفلسفة به؛(11) كما أن هذا المبدأ يحمل على تأويل النقل بما يفضي إلى تحريفه، لأن العقل المعلوم ليس له من السعة والتجرد ولا من القدرة على الانطلاق ما يستوجبه فهم هذا النقل.(12)

ويرى بديع الزمان كذلك أن مبدأ التوسل بمفاهيم العقل في بيان معاني النقل الذي يقوم عليه هذا الضرب الأول من الوصل لا يرفع من شأن النقل، وإنما ينـزل به، لأن فيه إيهاما بأن الأسس العقلية أعمق وأرسخ من الأسس النقلية؛ كما أنه لا يفيد في الظهور على الخصم، لأنه يبقى منحصرا في دفع الاعتراضات بالطريق العقلي المجرد الذي يأخذ به هذا الخصم، ولا يرقى إلى عرض حقائق النقل بالطريق الذي يمتزج فيه العقل بالقلب والذي تختص به هذه الحقائق،(13) هذا إن لم يؤد إلى تزييفها تزييفا كاملا.(14)

ب. النقد الأخلاقي: يؤكد بديع الزمان أن تعاطي المتفلسف لتأسيس النقل على العقل يصيبه بأمراض قلبية، في مقدمتها مرض الغرور، ذلك لأنه يجعل من عقله الناقص والمحدود معيارا للوحي الذي هو كلام لا حد لكماله؛(15) كما يؤكد أن التوسل بالمفاهيم الفلسفية -ولا سيما الطبيعية و «الميتافيزيقية»- في مباحث القرآن يفضي بصاحبه إلى تقديس الطبيعة وترك تقديس خالقها.

ج. النقد الإشاري: إن مَثَل الفيلسوف القائل بالتداخل بين الفلسفة والحكمة عند بديع الزمان كمَثَل من يسلك طريقا في جـوف الأرض -أي نفَقا- أو من يـأوي إلى كهف،(16) فيكون عبارة عن شبح لا يُرى شخصه وإن عُرفت عينه وشُهِد أثره، وينتهي بالهلاك في هذا النفق اختناقا ولَمَّا يُكمِّل سيره، وتكون منـزلته في القرآن -الذي هو معدن الحكمة- منـزلة الضال.(17)

من ثمَّ، يصبح الفيلسوفان اللذان ذكرهما بديع الزمان بالاسم مرات عديدة، وهما الفارابي وابن سينا معدودَين عنده في زمرة الضالين،(18) إذ كانا يقولان بالتداخل بين الفلسفة والحكمة، وهو قول أشبه بسفسطة النصارى؛ وقد ذهب ابن سينا في العمل بهذا القول إلى أبعد مما ذهب إليه الفارابي؛(19) ولما كان بديع الزمان قد أُعجب بدهائهما واعتقد الصحة في رأيهما، فقد كاد هو نفسه أن يَحار كما ضلَّا لولا أن الله تجلى عليه باسمه «الحكيم»، فأضحى أهدى سبيلا وأقوم قيلا.

وعلى هذا، فإن العمل بمبدإ تداخل الفلسفة والحكمة يُنتِج إنسانا رقيق الإيمان ضعيف الحجة متعلقا بالظاهر مغترا بنفسه وتائها عن طريقه.

ولننعطف الآن على الضرب الثاني من الوصل بين الفلسفة والحكمة، وهو الضرب التصاحبي، فنبين كيف مارس عليه بديع الزمان هذا النقد المثلَّث، مع العلم بأن هذا الضرب يقوم على مبادئ ثلاثة هي: «مبدأ الاندهاش» و «مبدأ الاستشكال» و«مبدأ الاستدلال».
____________________
الهوامش:
(1) الشاهد على أن بديع الزمان يميل إلى مثل هذا التخصيص تقييده في أكثر من موضع اسم «الفلسفة» بوصف «البشرية» كما في قوله: «إن سعيدا القديم والمفكرين قد ارتضوا بقسم من دساتير الفلسفة البشرية»، المكتوبات، ص 569؛ وأيضا حِرصُه على الإشارة إلى أن إطلاق لفظ «الحكمة» على الفلسفة هو من عمل غيره – أي الفلاسفة – كما جاء ذلك في قوله: «أما ما يسمونه بعلم الحكمة، وهي الفلسفة، فقد غرقت في تزيينات حروف الموجودات وظلت مبهوتة أمام علاقات بعضها ببعض، حتى ضلت عن الحقيقة»، الكلمات، ص 143؛ مما يشعر بأن ورود هذا الإطلاق في نصوصه هو من باب التساهل في الاستعمال ومجاراة الغير، لا من باب صحة هذا الاستعمال أو الاقتناع به. (نشير هنا إلى أن تسويد الكلمات في النصوص المنقولة هو من فعلنا).
(2) «نيقولاوس كوبيرنيك» فلكي بولوني (1473-1543)، اشتهر ببرهنته على دوران الأرض على نفسها وحول الشمس، مبطلا بذلك الرأي القديم الذي يجعل الأرض ثابتة والشمس دائبة الدوران حولها.
(3) «إيمانوئيل كانط» فيلسوف ألماني (1724-1804)، أثبت دور الذات الفاعل في تشكيل المعرفة الإنسانية، مفندا بذلك النظرية القديمة التي تجعل للموضوع الدور الفاعل في تشكيل هذه المعرفة.
(4) يقول: «كان سعيد القديم -قبل حوالي خمسين سنة- لزيادة اشتغاله بالعلوم العقلية والفلسفية يتحرى مسلكا ومدخلا للوصول إلى حقيقة الحقائق، داخلا في عداد الجامعين بين الطريقة والحقيقة»، المثنوي العربي النوري، ص29؛ انظر أيضا المكتوبات، ص 569-570.
(5) الملاحظ أن بديع الزمان لا يذكر الكندي كما يبدو أنه لم يذكر فيلسوف المغرب ابن رشد إلا قليلا جدّا، قد لا يتعدى ذلك المرتين: المكتوبات، ص 249؛ وأيضا الشعاعات، ص 663.
(6) يقول: «لما كان اشتغال سعيد القديم بعلمي الحكمة [أي الفلسفة] والحقيقة [أي التصوف] ويناظر عظماء العلماء ويناقشهم في أدق المسائل وأعمقها […]، قد لا يُدرَك قسم منها [أي من ترقياته الفكرية وفيوضاته القلبية] -بعد جهد جهيد- إلا الراسخون في العلم»، المثنوي العربي النوري، ص 32.
(7) إشارات الإعجاز، ص 23-33.
(8) يعتبر بديع الزمان هذه الولادة الجديدة بمثابة تجل لاسم «الحكيم» من أسماء الله عليه، إذ يقول: «كذلك أخوكم هذا الذي لا يُعد شيئا يذكر، وهو لا شيء، قد وُهب له وضع يجعله يحظى باسم الله (الرحيم) واسم الله (الحكيم) من الأسماء الحسنى. وذلك أثناء ما يكون مستخدَماً لخدمة القرآن فحسب، وحينما يكون منادياً لتلك الخزينة العظمى التي لا تنتهي عجائبها […] فجميع «الكلمات» إنما هي جلوات تلك الحظوة؛ نرجو من الله تعالى أن تكون نائلة لمضمون الآية الكريمة (ومن يؤتى الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا)»، المكتوبات، ص 23-24؛ كما أنه يؤرخ لهذه الولادة برؤيا صادقة رآها قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى، قائلا: «رأيت نفسي تحت جبل آرارات، وإذا بالجبل ينفلق انفلاقا هائلا- فيقذف صخورا عظيمة كالجبال إلى أنحاء الأرض كافة، وأنا في هذه الرهبة التي غشيتني رأيت والدتي – رحمة الله عليها – بقربي، قلت لها: «لا تخافي يا أماه ! إنه أمر الله، إنه رحيم، إنه حكيم»، نفس المصدر، ص 475؛ وفي كلامه عن «التجلي» و «الجبل» إشارة خفية إلى قصة موسى عليه السلام، إذ سأل ربَّه الرؤية القدسية، فـ﴿تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ (الأعراف: 143).
(9) اللمعات، ص 367-368؛ ويقول أيضا في موضع سابق: «فما كان من «سعيد الجديد» إلا القيام بتمخيض فكره والعمل على نفضه من أدران الفلسفة المزخرفة ولوثات الحضارة السفيهة»، نفس المصدر، ص 176.
(10) جاء هذا الوصف في قوله: «وشاهدت السُّنن كالجبال المتدلية من السماء، من استمسك ولو بجزئي استصعد واستسعد، ورأيت من خالفها واعتمد على العقل الدائر بين الناس كمن يريد أن يبلغ أسباب السماوات بالوسائل الأرضية فيتحمق كما تحمق فرعون بـ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ (غافر: 36)»، المثنوي العربي النوري، ص 165.
(11) إذ يقول: «من الأصول المقررة أنه إذا تعارض العقل والنقل، يُعد العقل أصلا ويؤوَّل النقل، ولكن ينبغي لذلك أن يكون عقلا حقا»، صيقل الإسلام، ص 29؛ ويقول أيضا في موضع آخر: «إذا تعارض العقل والنقل، يكون الاعتبار للعقل والتأويل للفكر، لكن يجب أن يكون هذا العقل عقلا».
(12) يقول: «اعلم أيها المتفلسف المرجح للعقل على النقل، فتؤول النقل، بل تحرف؛ إذ لم يسعه عقلك المتفسخ بالغرور والتغلغل في الفلسفيات […]؛ فعقلك عقالك وبالنقل نقلتك»، المثنوي العربي النوري، ص 190.
(13) يقول: «ولهذا، لا يتمكنون من إعطاء الصورة الحقيقية للإسلام على تلك الصورة من العمل، إذ يطعّمون شجرة الإسلام بأغصان الحكمة التي يظنونها عميقة الجذور، وكأنهم بهذا يقوون الإسلام؛ ولكن لما كان الظهور على الأعداء بهذا النمط من العمل قليلا، ولأن فيه شيئا من التهوين لشأن الإسلام، فقد تركت ذلك المسلك وأظهرت فعلا أن أسس الإسلام عريقة وغائرة إلى درجة لا تبلغها أبدا أعمق أسس الفلسفة، بل تظل سطحية تجاهها…»، المكتوبات، ص 569-570؛ ويقول أيضا: «فلا تجعل مقايـيس العلوم الإنسانية مِحَكًّا لحقائقهما [أي القرآن والمنـزل عليه القرآن]، ولا تزنهما بميزانها […]؛ ولا تطلب تزكيتهما بها بجعل دساتيرها الأرضية مصداقا على تلك النواميس السماوية.»، المثنوي العربي النوري، ص 348.
(14) صيقل الإسلام، ص 35-36.
(15) يقول: «فما أجهل من اغتر بالفنون الفلسفية وصيرها محكا لمباحث القرآن القدسية!»، المثنوي العربي النوري: ص 77؛ ويقول في موضع آخر: «قد شاهدت ازدياد العلم الفلسفي في ازدياد المرض، كما رأيت ازدياد المرض في ازدياد العلم العقلي؛ فالأمراض المعنوية توصل إلى علوم عقلية، كما أن العلوم العقلية تولد أمراضا قلبية»، نفس المصدر، ص 158.
(16) انظرْ كيف أن لِرمز «الكهف» عند بديع الزمان الحكيم مدلولا هو عكس مدلول «المغارة» عند «أفلاطون» ومدلول «القَبْوُ» عند «ديكارت»؛ فالنازل في المغارة عند «أفلاطون» هو الإنسان الجاهل الذي لا يعرف من الأشياء إلا ظلالها في مقابل الفيلسوف الذي يعرف أعيان الأشياء ذاتها (محاورة الجمهورية، الكتاب السابع)، وهو عند «ديكارت» الإنسان الأعمى الذي يعيش في الظلام الدامس في مقابل الفيلسوف الذي يعيش في النور الساطع (مقال في المنهج، الجزء السادس)، بينما هو عند بديع الزمان الإنسان الفيلسوف نفسه، هذا الذي يَعدّه «أفلاطون» العارف بحق ويعدّه «ديكارت» البصير بحق.
(17) يقول: «وهكذا، فالطريق الأول هو طريق الضالين المشار إليه بـ(الضالين)، وهو مسلك الذين زلوا إلى مفهوم «الطبيعة» وتبنوا أفكار الطبيعيين…»، الكلمات، ص 650. ويقول (ولا الضَّالين) فالمراد منه: الذين ضلوا عن الطريق بسبب غلبة الوهم والهوى على العقل والوجدان. إشارة الإعجاز للنورسي، ص 36.
(18) يقول: «إن تلك الأرض هي «الطبيعة» و«الفلسفة الطبيعية». أما النفق فهو المسلك الذي شقه أهل الفلسفة بأفكارهم لبلوغ الحقيقة؛ أما آثار الأقدام التي رأيتها فهي لمشاهير الفلاسفة كأفلاطون وأرسطو؛ وما سمعته من أصوات هو أصوات الدهاة كابن سينا والفارابي… نعم كنت أجد أقوالا لابن سينا وقوانين له في عدد من الأماكن، ولكن كانت الأصوات تنقطع كليا، بمعنى أنه لم يستطع أن يتقدم، أي أنه اختنق»، الكلمات، ص 648.
(19) إشارات الإعجاز، ص 36.