dr taha
مقالات عن طه

عبد الرحمن : لا أرى بين المسلمين إلا فراغ الفكر وقحط الروح

الإثنين 18 نوفمبر 2013

رغمَ إقلالهِ عن الظُّهور منذ عودتهِ من رحلات العلاج بالولايات المتحدَة، لمْ يتخلفْ فيلسُوف الأخلاق المغربِي طه عبد الرحمن، أمسِ الأحد، عن حضور موعدٍ جمعهُ بثلَّة من الباحثِين ضواحيَ الربَاط، فِي ورشَة نظمهَا مركز مغارِب للدراسات فِي الاجتماع الإنسانِي.

صاحب “سؤال الأخلاق” لمْ يبدِ مرتاحًا لمَا آل إليه وضعُ الإنسان، الذِي تحول إلى آلة، مطلقًا تحذيرهُ ممَّا يرافق ذلك من تجلٍّ وَتجزيء، وخفضٍ   للوجود الإنسانِي في صورة تسائلُ السبل الممكِنة لتجدِيد الإنسان وإحيائه، وإخراجهِ من وضعِ الآلة إلى نطاق الآية، يقول طهَ عبد الرحمن.

الفيلسوف المغربِي أوضحَ أنَّ نقل الإنسان من وضع الآلة، الذِي أضحَى عليه اليوم، يتمُّ على عدة مراحل أولها إخراج الإنسان من وضع السلعة إلى ما يناقضُها؛ باعتبارهِ هبة ذَات قيمةِ تحظَى بالتكرِيم، ثمَّ نقل الإنسان من وضع المعلومة إلى نقيضها، أيْ وضع النفخة التي مبناهَا الفطرة والحقيقة، على اعتبار أنَّ الأخذَ بتلكَ المعانِي، من شأنهِ أنْ يرفعَ الإنسانَ ووجودَهُ، لما يترتبُ عنهُ من تكامل.

المفكر ذاته رصدَ ما عرفهُ الإيمان فِي الحضارة الإنسانيَّة من تحول بانتقالهِ من رسمٍ إلى نقلٍ فَوهم، حيث يستغنِي الرسمُ بالقشور عن اللب، ويسوِي النقل بين الإيمان وعدمه، فيما يجعلُ الوهمُ الإيمانَ خاضعًا للهوَى، وهيَ عناصرٌ قال المتحدث إنهَا تعطلُ الحقيقة الإيمانيَّة.

الفيلسُوف المغربِي أوضحَ أنَّ التجديد يكونُ بإخراج الإيمان من الرسم إلى نقيضه، ممثلًا فِي الروح الوجودِي، وبإخراج الإيمان من وضع النقلِ من الأعمال إلى وضعِ الحاجة الإنسانيَّة، التِي لا محِيد عنها. وكذا إخراج الإنسان من وضعِ الوهم الزائف إلى الوضع الجماعِي، الذِي يتحققُ فيه الإيمان كقيمةٍ فِي الوُجود.

فِي المنحَى ذاته، زاد الأستاذ عبد الرحمن أنَّ هناك حاجةً إلى تجدِيد الإنسان بإنشاء الإنسان الموسع، موازاةً مع تحقيق إيمانٍ مشغل وفعال، ذاهبًا إلى أنَّ تحقيق الإنسان الموسع والإيمان المشغل، لا يتحققُ إلَّا بتحصيلِ يقظةٍ رُوحيَّة وفكريَّةٍ شاملة، “لكن، ويا للأسف لا نرى بين أضلعنَا نحن المسلمِين، إلَّا فراغًا فكريًّا وقحطًا روحيًّا.

عبد الرحمن أردفَ في سياقِ قراءته لما يعتملُ في الساحة، حاليا، أَنَّ خطاب الدعوة والفتوَى، اكتسحَ مجال الفكر والروح، وهو خطابٌ لا يمكنُ أنْ يواجهَ التحديات التي أفقرتْ الإنسان وعطلتْ الإيمان، ولا تأسيس فضاء فكرِي وروحِي يكون أوسع من الفكر المادِي الذِي أنتجَ تلك التحديات.

وفي مضمَارٍ ذِي صلة، أردف المفكر المغربيُّ، أنَّ الإشكال الكبير، في يومنا هذا، يكمنُ فِي كيفيَّة جعلِ إبداعنا الفكرِي والروحِي يوسعُ إنسانيتنَا، ويوسعُ الإنسانيَّة بوجهٍ عام، وكيفَ نجعلُ إبداعنا الفكرِي يشعلُ إيماننا من جهةٍ أخرى، لأنَّ الآفتين الخطيرتين المهددتين للإنسانية لا تخرجان عن الإيمان المعطل والإنسان المضيق.

في غضون ذلك، قال عبد الرحمن إنَّ هناكَ أربعة شروط ضرورية للإبداعِ، أولهَا أنَّ لا إبداع من غير تخلص الباحث من عقدة النقص، فِي احتقاره لنفسه وتعظيمه لغيرها، بحيث لا يمكن للإنسان أن يبدع دون أن يكون واثقًا من نفسه.

أمَّا الشرطُ الثانِي فيظهرُ أنَّ لا إبداع من غير أنْ ينمِّي الباحثُ أفكارهُ ونتائجه على قاعدة المجال التداولِي الذِي يختصُّ به، فِي عمدهِ إلى استنباطِ الاستدلالاتِ والإشكالات، انطلاقًا من حقله، بالنظر إلى كون الإنسان موصُولًا غيرَ مفصولٍ، فِي الوصلِ الذِي ينعكسُ على صلته بالآخرين.

ثالثُ تلك الشروط يقوم، فقَ عبد الرحمن، على ما مؤداهُ أنَّ لا إبداع من غير تجاوز الإحاطة بالمضامين الفكريَّة والمعرفيَّة المنقولة، والتمكن من الآليَّات التِي صيغتْ بها، على اعتبار أنَّ الأصلَ في النصِّ مفاهيمه واستدلالاته.

زيادةً على ذلك، يقول فيلسوف الأخلاق إنَّ الشرطُ الرابع يفرضُ تقديم بدائل، لأنَّ لا إبداع من دون القدرة على تصور الأخيرة، التي أضحَى تقديمها نادرًا اليوم، ضاربًا المثل بالإعلام، الذِي غالبًا ما يلجأ إلى محاكاةِ أفكار برامج أخرى، فِي سياقٍ أضحتْ سمته الجوهريَّة فقدان القدرة على التخيل، “ومشكلَة الأمَّة أننَا لمْ نعدْ نعرفُ طريقًا إلى الإبداع” يقول عبد الرحمن.

وعن كون العلمانيَّة متخفيَّة فِي العلم، قال عبد الرحمن إنَّ العلمَ انبنَى أساسًا على العلمانيَّة، لأنَّ أولَ من فصلَ بين العلم والإيمان هو ابن رشد، فأصبح العلمُ مستقلًا منذُ ذلك الحين عن الإيمان، وَأصبحنَا نسمعُ ما مفادهُ أنَّ لا أخلاقَ فِي العلم، فلمْ يعد العالم يشغل بالآيات بقدر ما يشغل بالظواهر، فوقعَ طلاقٌ مع المعالجة الآياتيَّة.

التصورُ المذكور ليسَ علميًّا حسب المفكر، وإنمَا تصورٌ إيديلوجِيٌّ، فضلًا عن كونه قرارًا تعسفيًا ينقطعُ عن مساءلَة ما وراء الظاهر ومخاصمة الحقيقة الإلاهية، بالرغم من الإقرار بوجود حاجةٍ لدى الباحث إلى الحديث عن مستويات الواقع.

إلى ذلك، خلُصَ المفكر إلَى أنَّ لا وجودَ لفكرٍ إسلامِيٍّ حديث، منبهًا إلى اعتبار البعض الإسلامَ مجردَ فقهٍ ودعوة، فيما يستدعِي الفكر خلقَ خطابٍ استدلالِي على القضَايَا العقديَّة.

“الموجود لا يتجاوز الخطاب الوعظِي الإرشادِي، القائم على دغدغة العاطفة، وهو ما لا يمكنُ أنْ يُسْتعان به لمواجهة الخصم، “الساحةُ أحوج إلى الفكر منها إلى الموعظة”. يزيد المتحدث.

وبشأن ما يثارُ حول عودة الدين بقوة إلى الواجهة، لمْ يبد عبد الرحمن آبهًا، لما قالَ إنَّها روحانيَّات بلا إله فِي كثير من مناحيها، وانتشارٍ لجماعات متطرفة، فِي الوقتِ الذِي كان جديرًا بالمسلمِين أنْ يضعُوا تصورًا للإيمان يخرجُ الإنسانيَّة من التِيه الذِي تتخبطُ فيه، لوْ أنهم قعدُوا لنظريَّاتٍ أخلاقيَّة إسلاميَّة.

هشام تسمارت