dr taha
مقالات عن طه

طه عبد الرحمن يتحدث عن الآيات القرآنية والقراءات الحداثية (1/2)

الإثنين 20 ديسمبر 2004

القراءات الحداثية للقرآن كانت أبعد عن الحداثة. ومقتضي الحداثة الاسلامية يضاد المفهوم الغربي عنها

كيف نتحرر من وصاية المنقول ونحقق الابداع في قراءة الآيات القرآنية بما يجعل هذه القراءات معاصرة حقا؟

مرة أخري، يصنع منتدي الحكمة للباحثين والمفكرين الحدث الفكري، وهو المنتدي الذي تأسس علي قواعد ثلاث: العقلانية والحوارية والأخلاقية، عندما استضاف مفكرا مبدعا وصفه مصطفي المرابط في تقديم المحاضرة بالفيلسوف المجدد، وأوجز مداخلته المفكر السوداني الكبير محمد أبو القاسم الحاج حمد بـ دفعة فكرية فلسفية باتجاه التجديد ، أما المفكر المغربي محمد وقيدي، وفي معرض تعقيبه علي ثنايا المحاضرة، فقد نبه الي حاجة الحضور والمتلقي عموما الي خطة بيداغوجية تبين القضايا التي حفلت بها المحاضرة .

قراءات واشارات تعفينا من تمرير تقييم ما حفلت به آخر ابداعات الفيلسوف المجدد طه عبد الرحمن، والتي قدمت تحت عنوان الآيات القرآنية والقراءات الحداثية ، ألقاها مؤخرا بقاعة باحنيني التابعة لوزارة الثقافة.
قبل أن يفصل المحاضر بين ما وصفه بخطط القراءات النقدية الحداثية، وذلك في معرض الاجابة علي السؤال المؤرق كيف نقرأ القرآن علي شرط الحداثة؟ عرج علي وصف القراءات الحداثية لآيات القرآن بأنها قراءات تحقق قطيعة معرفية بينها وبين القراءات التراثية التي هي علي نوعين: أحدهما القراءات التأسيسية القديمة التي قام بها المتقدمون، مفسرين كانوا أو فقهاء أو متكلمين أو صوفية، والثاني القراءات التجديدية الحديثة التي قام بها المتأخرون، سلفيين اصلاحيين كانوا أو سلفيين أصوليين أو اسلاميين علميين (وخص بالذكر كلا من طنطاوي جوهري ومصطفي محمود ومحمد شحرور). كما أشار أيضا الي خاصية مميزة للقراءات التراثية، وهو أنها عبارة عن تفسيرات للقرآن لا تنفك تضع للايمان أسسه النظرية أو تقوي أسبابه العملية، أي أنها قراءات ذات صبغة اعتقادية صريحة، أما القراءات الحداثية، فهي تفسيرات لآيات القرآن تخرج عن هذه الصفة الاعتقادية، مادامت لا تريد أن تحصل اعتقادا من الآيات القرآنية، وانما تريد أن تمارس نقدها علي هذه الآيات.
ولعل أهم المحاولات الحداثية التي عملت علي قراءة بعض الآيات القرآنية علي هذا المقتضي الانتقادي، تلك التي تمثلها قراءة محمد أركون ومدرسته في تونس، ممثلة في عبد المجيد الشرفي وفريقه، وقراءة نصر حامد أبي زيد وطيب تزيني وحسن حنفي، مستفسرا عن الكيفية التي باشرت بها هذه القراءات الحداثية انجاز مشروعها الانتقادي.
وبرأي طه عبد الرحمن، فقد اتبعت هذه القراءات في تحقيق مشروعها النقدي استراتيجيات وصفها بخطط انتقادية، كل خطة منها تتكون من ثلاثة عناصر: الهدف النقدي الذي تقصد تحقيقه. الآلية التنسيقية التي توصل الي هذا الهدف. ثم العمليات المنهجية التي يتم التنسيق بينها للوصول الي هذا الهدف، علي أن الهدف الذي تسعي الي بلوغه كل واحدة من هذه الخطط النقدية يبقي ازالة عائق اعتقادي معين، وهو عين ما يفصله بمنطقه الرهيب مبرزا الآليات التي تخصها والعمليات المنهجية التي تتوسل بها في رفع العوائق الاعتقادية.

 

خطة التأنيس أو الأنسنة

حسب تصنيف المحاضر، تجسد خطة التأنيس (أو الأنسنة) الخطة الأولي التي تنبني عليها القراءة الحداثية، وتستهدف رفع عائق القدسية، ويتمثل هذا العائق في الاعتقاد بأن القرآن كلام مقدس وآلية هذه الخطة في ازالة هذا العائق هي نقل الآيات القرآنية من الوضع الالهي الي الوضع البشري، ويتم هذا النقل الي الوضع البشري بواسطة عمليات منهجية خاصة، نذكر منها ما يلي:
ـ حذف عبارات التعظيم، وذلك عبر حذف العبارات التي يستعملها جمهور المؤمنين في تعظيمهم لكتاب الله مثل القرآن الكريم أو القرآن العزيز .. الخ..
ـ استبدال مصطلحات جديدة بأخري مقررة، حيث يعمد القارئ الحداثي الي استعمال مصطلحات يضعها من عنده مكان مصطلحات متداولة كأن يستعمل مصطلح الخطاب النبوي مكان مصطلح الخطاب الالهي ، ومصطلح الظاهرة القرآنية مكـان مصطلح نزول القرآن .
ـ التسوية في رتبة الاستشهاد بالقول، وذلك عبر قيام القارئ الحداثي بانزال الأقوال البشرية منزلة الآيات القرآنية في الاستشهاد، كأن يصدر فصول كتبه بآيات قرآنية مقرونة بأقوال لدارسين من غير المسلمين، بل غير مؤمنين.
ـ التفريق بين مستويات مختلفة في الخطاب الالهي، عبر تفريق القارئ الحداثي بين الوحي والتنزيل ويفرق بين الوحي والمصحف كما يفرق بين القرآن والمصحف ويفرق بين القرآن الشفوي والقرآن المكتوب.
ـ المقارنة بين القرآن والنبي عيسي عليه السلام، حيث يري القارئ الحداثي أنه كما أن كلمة الله تجسدت في عيسي بن مريم، فكذلك كلام الله تجسد في القرآن، وعلي هذا، فلما كان المسلمون ينفون عن السيد المسيح الطبيعة الالهية ويثبتون له الطبيعة الانسانية، فقد وجب عليهم، حسب ظنه، أن ينفوا عن القرآن الطبيعة الالهية ويثبتوا له الطبيعة البشرية.
والحال أن تطبيق هكذا عمليات منهجية تأسيسية يؤدي الي جعل القرآن نصا لغويا مثله مثل أي نص بشري، لكل التبعات الفجة التي تترتب علي هذه المماثلة اللغوية، ويلخصها طه عبد الرحمن في النتائج التالية:
ـ السياق الثقافي للنص القرآني، فالنص القرآني عبارة عن نص تم انتاجه وفقا لقوانين الثقافة التي تنتمي اليها لغته، ولا يمكن أن يفهم أو يفسر الا بالرجوع الي نظام هذه الثقافة.
ـ الوضع الاشكالي للنص القرآني، ومعلوم أن النص القرآني نص اجمالي واشكالي ينفتح علي احتمالات متعددة ويقبل تأويلات غير متناهية، ولا ميزة لتأويل علي غيره، فضلا عن أن يدعي أحدها حيازة الحقيقة أو الانفراد بها.
ـ استقلال النص القرآني عن مصدره، حيث ينفصل النص القرآني عن مصدره المتعالي ويرتبط كليا بالقارئ الانساني، لذلك فلا يقين في ادراك المقاصد الحقيقية للمتكلم المتعالي، ولا داعي الي طلب المدلول الأصلي لكلامه، وكل ما يقتنصه القارئ من النص القرآني انما هو حصيلة الاستنطاق الذي يمارسه عليه من خلال مرجعيته الثقافية وخلفيته المعرفية ووضعيته الاجتماعية والسياسية.
ـ عدم اكتمال النص القرآني، لأنه يبدو نصا غير مكتمل، اذ أنه لا يرفع احتمال وجود نقص فيه يتمثل في حذف كلام منسوب الي المصدر الالهي، كما لا يرفع احتمال وجود زيادة فيه تتمثل في اضافة كلام منسوب الي مصدر غير الهي.

 

خطة التعقيل أو العقلنة

وعلي غرار خطة، هناك خطة ثانية، لها هدف ولها آليات تنسيقية وضمن هذه الآليات التنسيقية ثمة مجموعة من العلميات، وتترتب عن هذه العمليات مجموعة من النتائج. يتعلق الأمر هذه المــــرة بخطـــــة التعقيل (أو العقلنة ) التي هي الخطة الثانية التي تنبني عليها القراءة الحداثية، وتستهدف رفع عائق الغيبية، ويتمثل هذا العائق في الاعتقاد بأن القرآن وحي ورد من عالم الغيب، وآلية هذه الخطة في ازالة هذا العائق هي التعامل مع الآيات القرآنية بكل وسائل النظر التي توفرها المنهجيات والنظريات الحديثة، ويتم هذا التعامل بواسطة عمليات منهجية خاصة يذكر منها المحاضر ما يأتي:
ـ نقد علوم القرآن، حيث اشتغل القارئ الحداثي بنقد علوم القرآن علي أساس أن هذه العلوم النقلية أصبحت تشكل وسائط معرفية متحجرة تصرفنا عن الرجوع الي النص القرآني ذاته كما أنها تحول دون أن نقرأ هذا النص قراءة تأخذ بأسباب النظر العقلي الصريح.
ـ التوسل بالمناهج المقررة في علوم الأديان، فقد تم نقل مناهج علوم الأديان التي اتبعت في تحليل ونقد التوراة والأناجيل الي مجال الدراسات القرآنية، منها علم مقارنة الأديان وعلم تاريخ الأديان وتاريخ التفسير وتاريخ اللاهوت.
ـ التوسل بالمناهج المقررة في علوم الانسان والمجتمع، وذلك عبر انزال مختلف مناهج علوم الانسان المجتمع علي النص القرآني، لا سيما اللسانيات والسيميائيات وعلم التاريخ وعلم الاجتماع وعلم الاناسة.
ـ استخدام كل النظريات النقدية والفلسفية المستحدثة، ومن ينكر أن القارئ الحداثي لم يتردد في الاستعانة بكل النظريات النقدية التي تسارع ظهورها في الساحة الأدبية والفكرية، متمثلة في الجدليات والبنيويات والتأويليات والحفريات والتفكيكيات والاتجاهات الجديدة في النقد الأدبي وتحليل الخطاب.
ـ وأخيرا اطلاق سلطة العقل، عندما قرر القارئ الحداثي أنه لا آية قرآنية تمتنع علي اجتهاد العقل، ولا آفاق مخصوصة لا يمكن أن يستطلعها.
وكما تبين مع ت