dr taha
متابعات

طه عبد الرحمن وسؤال العنف في الثقافة الإسلامية

السبت 15 أبريل 2017

“سؤال العنف بين الائتمانية والحوارية” (1)، هو عنوان الإصدار الجديد للدكتور طه عبد الرحمن هذه السنة (2017)، بعد ثلاثية “دين الحياء”، ويقع في 215 صفحة من الحجم المتوسط، والذي عالج فيه مشكلة العنف الساري في عالمنا المعاصر، وخاصة في عالمنا الإسلامي العربي حيث يصطبغ العنف بصبغة دينية متطرفة تجد لها جذوراً نظرية في الثقافة الاعتقادية الموروثة لا تزال تغذيها تيارات دينية لها امتدادات فكرية واشتغالية في العالم بأكمله.

طه عبد الرحمن حاضر من موقعه بقوة في الواقع الذي نعيشه من خلال كتابته الإبداعية في موضوعات تُهمُّ الإنسان المعاصر عموما، والمسلم على وجه الخصوص، فقد اشتبك مع أطروحات فكرية كثيرة في هذه القضية أو تلك، ولا يزال يمارس تفكيراً نقدياً على فلسفات وأفكار أصالية أو حداثية، عربية أو غربية، مبدعة أو مقلدة، جعله ينشئ مدرسة فكرية منفتحة تستوعب حسنات المدارس الفكرية المعاصرة وتتجاوزها. وهذه المرة يسائل العنف في الدوافع والتجليات والمقاصد، تلك الرذيلة التي تطمس عقل الإنسان وتهيج نفسه وتطبع على قلبه ليصير جباراً عنيداً يفسد في الأرض ولا يصلح.

بالإضافة إلى التمهيد الذي يحمل عنوان “الفلسفة والعنف” خصص المؤلِّف أكثر من 160 صفحة الأولى من الكتاب لواقع العنف وأسباب وقوعه ومنهج فهمه وطرائق رفعه، بينما خصص ما تبقى من الكتاب أي 43 صفحة لمناقشة إحدى أشهر النظريات المعاصرة في الحوار وهي نظرية الفرنسي إيمانويل ليفيناس، ليختم الكتاب بضميمة في 5 صفحات اختار لها عنواناً “الانتقال عندنا غير الإرهاب عند سوانا”.

ينطلق طه عبد الرحمن في كتابه من عُرف دافعت عنه الفلسفة عبر تاريخها الطويل باعتبارها ممارسة نظرية عاقلة تسعى لكشف الحقيقة، وهو اعتراضها المبدئي على العنف بجميع أشكاله، لكن إذا كان الأمر كذلك فما الذي يدفع الإنسان المعاصر إلى ممارسة العنف؟

على خلاف التصور الماركسي الذي يربط العنف بمرحلة تاريخية محددة هي سيادة النظام الرأسمالي وظهور الملكية الخاصة الناتجة عن تغير علاقات الإنتاج والتبادل، وعليه لا مناص من “استخدام العنف لإقامة السلطة العمالية” حسب تعبير ماركس، يعتبر صاحب “الفلسفة الائتمانية” أن العنف قد ظهر بظهور الإنسان الأول، حيث وقع الانقتال بين ابني آدم قابيل القاتل وهابيل المقتول، ومن ثمة استمر العنف في التاريخ، بنموذجين “النموذج القابيلي” في عالم العنف، و”النموذج الهابيلي” في عالم السلم.

في القسم الأول من الكتاب عبارة عن حوار طويل أجرته مع المؤلف المؤسسة العربية للفكر والإبداع، إلى تطبيق قواعد التفكير الائتماني على موضوع مخصوص هو العنف باعتباره وصفا يخص الإنسان دون غيره من الكائنات، عبر حوار فلسفي مركز على صفات الشخصية العنيفة في المجال الإسلامي العربي، والفلسفة الائتمانية هي نظر فلسفي يشترك مع جميع الفلسفات في الآليات الإنتاجية ويختلف عنها في الأصول المرجعية المؤسسة والنتائج المعرفية المستخلصة، فالنظر الائتماني هو نظر أخلاقي يُسلم بعالمية الإسلام وخاتميته، ويسع جميع الأفعال البشرية والقيم الإنسانية المشتركة بين جميع الناس، مادامت الأخلاق هي أساس الهوية الإنسانية لا مجرد فضيلة مضافة إليها أو خصيصة لأمة بعينها. ومن ثمة فإن مواجهة العنف مسؤولية جميع الناس في جميع الأزمنة والأمكنة والأجيال.

ممارسة العنف مشدودة إلى آفتي الظلم والجهل، فالعنيف لما يعتدي على غيره يظلم هذا الغير ويظلم بذلك نفسه ويجهل على الغير بجهله بنتائج عنفه، إن لم يتوهم أن العنف هو عين الصواب وأن الرفق إعطاء للدنية في الدين. فيمارس الباطل مظنونا به أنه الحق، أي كأنه عنف مشروع. وهذا ما اعترض عليه الدكتور طه ابتداء لأن لا مشروعية للعنف باعتباره شرا يحط من كرامة الإنسان، حتى ولو تبنته أجهزة الدولة وبررته قوانينها. على خلاف القوة المستحقة التي تعني في هذا المستوى تنفيذ القانون بواسطة المؤسسات القانونية لتهذيب سلوك الإنسان.

العنف والقوة

دعوى عدم مشروعية العنف الاعتقادية والاشتغالية، أي النظرية والعملية لا تفيد خُلو المجتمع أو الدولة من أجهزة لممارسة القوة كما تتصور الفلسفة الفردانية مع ماكس ستيرنر مثلاً، ولا تلتقي مع الفلسفة الماكيافيلية في تبرير العنف قانونياً كان أو غير قانوني، وإنما تنسجم مبدئيا مع المهاتما غاندي في ترذيل العنف وترذيل الدولة التي تشرعه وتمارسه تسلطاً على الناس. فالعنف بوصفه اندفاعا نفسيا جاهلا هو إلحاق الأذى بالنفس أو بالغير، بالفرد أو الجماعة، وممارسة ظالمة وجاهلة وانقلاب على القانون وتجاهل للحق، أما القوة باعتبارها طاقة عاقلة فهي فضيلة لتطبيق القانون العادل بالقدر الذي لا يؤذي ولا يعتدي، يقول طه: “سلطة الدولة تكون قوة متى لزمت صراط العدل، وتكون عنفا متى حادت عنه، وحينئذ يجوز أن نقول: عنف الدولة في مقابل قوة الدولة” (2).

العنف الديني طغيان

إذا كان الاعنف مدان مطلقا فمن باب أولى إدانته دينيا، لأن الدين جاء ليحي الإنسان لا ليميته، وليحرره لا ليستعبده، وليكرمه لا ليهينه، فكيف يستسيغ العنيف تغليف عنفه بالدين؟ أو كيف يُديِّن عنفه؟

لا شك أن العنف الديني أو العنف بدوافع دينية هو الأشد فُحشاً من غيره لأنه يصدر عن اقتناع يقيني بالرضا الإلهي، فيضحي العنيف بذاته من أجل ذاته، يضحي بنفس الغير ليرضي نفسه. فينازع الحق سبحانه في جبروته، جاهلا بالحق وجاهلا على الخلق، فيكون جباراً جامعاً بين صفتي “الظلومية” و”الجهولية”، أي ظلوماً وجهولاً.

وهذا التجبر ناتج عن فسادين في الفهم هما: فساد في فهم النص، من حيث جهل العنيف بالمقاصد الشرعية للدين والعمل بمقتضاها، وفساد في فهم الواقع لأن العنيف لا يعرف واقعه كما هو ولا يعترف بالأسباب الموضوعية ولا يأخذ بها، لذلك تراه يتشدد في الدين ويسرف في الإيذاء. لذلك لم ينجح أهل العلم في إقناعه كما لم يفلح أهل السلطة في إقماعه. فما سبب هذا العجز؟

عجز العلماء وعجز الحكام

رغم خطورة العنف واستفحاله في الأمة، ورغم الجهود الكثيرة التي تبذل من أجل إيقافه ومعالجة أدوائه، إلا أن الواقع يشهد استمرار العنف وتطوره، فالعلماء عاجزون عن إقناع العنيف بفساد اعتقاده نظرا لاقتصارهم على الطريقة التقليدية والتي يسميها الدكتور طه ب”النموذج الأمري” الذي لا يتجاوز إصدار الأوامر كأنها قوانين، فيمارسون التسلط بالأوامر عل العنيف فيزداد عنفه ولا يتوقف، إذ “العلاقة الأمرية علاقة تسلطية بامتياز، إذ لا تدع للمأمور خياراً، ولا حواراً” (3)، ولا خروج من هذا الوضع إلا بسلوك نموذج آخر غير الفقه الأمري، هو “النموذج الشاهدي” الذي يتأسس على الجمع بين “أولوية القيم الأخلاقية” و”أولوية معرفة الله” في إطار “علاقة حضور” مع الله باستحضار معيته وخشيته، ووجود بين الناس بأن يشاهدوا أخلاقه في سلوكه اليومي.

 الشخص العنيف لا يلتفت إلى من يأمره لأنه يعتقد في كفاية أدلته، فهو المؤمن الكامل الإيمان وفرقته هي “الفرقة الناجية” جاعلا من اعتقاده هو حق الاعتقاد ومن اعتقاد غيره باطل الاعتقاد، معتدا بحرفية النص لا بمقصده، ومعولا على صورية العمل لا على روحه، متصفا بصفتين مَرَضيتين أو قل شهوتين هما: “شهوة الـَميز العقدي” و”شهوة الـِملك العملي”، مخالفا لمقتضيات الميثاقين الملكوتيين “ميثاق الإشهاد” و”ميثاق الائتمان”، ومنها مقتضى “الوحدة في الاعتقاد” أو الاتحاد في التوحيد الذي اتحد بنو آدم في الشهادة به، بدل الفرقة فيه ونسبة الناس إلى ضده (الشرك)، ومنها “الائتمان على ما استُخلف فيه” بوصفها أمانات بدل أن يتملكها ويتصرف فيها بإطلاق وكأنها ممتلكات، نازعا عن الاستخلاف معناه الأخلاقي ولباسه الائتماني.

لا يقف العنيف عند النصوص بل يؤولها تأويلا يوافق هواه، ويستدل بها استدلالا فاسدا وبعيدا، فيرى العنف جهادا، والتنكيل بالأرواح والأجساد عبادة، إلى أن يتلبس عليه الأمر فيرى أنه ما من أحد يستحق البقاء على قيد الحياة إلا من كان على مذهبه، فيصير بذلك عبدا لنفسه تأمره فينقاد من حيث يظن أنه يقود. فيحقد على الحكام وكل من كان صاحب سلطة سياسية، ويتلذذ بالانتقام منهم ويتمنى الفتن.

الجهاد فضيلة والعنف رذيلة

إذا كانت المجاهدة هي بذل أقصى الجهد في التخلق، قصد التحقق من قيمتي “مخالفة النفس” و”محاسبة النفس”، فإن الشخص العنيف يخل بهاتين القيمتين من حيث انسياقه وراء انفعالاته حتى يستوي عنده الحقد على الحكام مع بُغض الجور، وشهوة الانتقام من أعداء الأمة مع واجب دفع الشر، وهوس التغيير مع الاهتمام بأمر المسلمين. في حين أنه يعاني من تغلغل ثلاثة دوافع سلبية في لاشعوره المنسي وهي: دافع التسلط ودافع العدوان ودافع إثبات الذات.

معلوم أن العنف والجهاد ضدان، فالجهاد الحق هو الجهاد الإحساني الذي يصدر عن العلم المـلكوتي (المعرفة) ويقصد إلى تحقيق العدل الملكوتي (الإحسان)، بينما العنف يُبنى على الجهل ويقصد إلى الظلم، وبناء عليه تكون القوة التي تعقل المعاني الملكوتية هي الروح، بينما القوة التي تعقل الظواهر الـمُلكية هي النفس، وشتان بين التعقلين الملكوتي العروجي العمودي والـمُلكي الإسرائي الأفقي. وإذا كان “العنف هو “جهد نفسي باطش” فإن “الجهاد هو بذل أقصى الجهد الروحي في محو الجهل وإزالة الظلم”، فهو ليس على مرتبة واحدة وإنما على مراتب متفاوتة بتفاوت هذا الجهد في مناحي سعي الإنسان، بحيث يتسع لجميع مجالات الحياة، قولاً وفعلاً، أو قل: صنفا اعتقاديا يروم محو الجهل (مثل جهاد الإيمان وجهاد العلم وجهاد الرأي..) وصنفاً اشتغالياً يقصد رفع الظلم (مثل: جهاد العبادة وجهاد التزكية وجهاد النفس وجهاد المال..) وقمة هذه الأشكال في الجهاد الإحساني (في سبيل الله) الذي هو ذروة سنام دين الإسلام.

الإسلام بريء من العنف

يرى الدكتور طه أن الشخص الذي يطلب السلطة لنفسه بغير عنف يوكل إليها ويُحرم من خيراتها الملكوتية، أما من يطلبها بالعنف فلا يستحق حتى أن يُوكل إلى نفسه لأن ظلمه يحرمه من العدل الـمُلكي والإحسان الملكوتي. وبالتالي فليس للمجاهد أن يطلب السلطة لنفسه، أو لذاتها مستعملا العنف أو غيره مهما كان مبرره (مثلاً: استبداد الأنظمة)، وعليه أن يخشى من الخروج إلى الاستبداد خشيته الخوف من بقاء الاستبداد، كما لا ييأس من زوال الظلم مثلما لا يأمن دوام العدل. فالاستبداد لا يدوم واليائس لا يفلح.

ومما لا ينتبه كثير من الناس هو ضرورة التمييز بين الدولة والنظام، فطبيعة الدولة أنها تمارس القوة بينما النظام الحاكم قد يمارس العنف وقد يجمع بين القوة والعنف، حتى لا يكاد يظهر للعنيف سوى عنفه، نظرا لتلبس عنف النظام بقوة الدولة وتماهيه معها وتوظيفه لقوتها في ممارسة عنفه (القوة العنيف أو العنف القوي)، والعنيف يقابل هذا العنف غير الخالص بعنف خالص فيجهل ويظلم. لذلك يكون أذى الدولة بلاء أي “أذى نسبي يندفع” برفع شره أو تثبيت خيره، صابراً على بلائه مشتغلا بمجاله الذي لا تضر المنازعة فيه.

ومن أخطاء العنيف أنه ينصرف عن التغيير المجتمعي الأفقي الذي يُلامس وضعه وهو خارج السلطة إلى التغيير السطحي الذي هو مِن اختصاص مَن هو داخل السلطة. فالتغيير الأول تغيير للإنسان وهو الذي يصح أن نسميه بـ”التغيير العميق” لأنه يتوجه إلى المجتمع ليجدد “أخلاقية الإنسان” التي تمده بالمعنى والحياة، بينما الثاني والذي سماه الدكتور طه بـ”التغيير في السطح” أو التغيير السطحي يلتصق بهياكل السلطة ولا يجدد سوى “شرعية المواطنة” معتدا بالهاجس الأمني الذي غرضه الضبط والتحكم. وشتان بين تغيير الإنسان وتغيير الأشياء. ولما كانت القوة فضيلة مشروعة وكان العنف رذيلة مذمومة، فلا يجوز رد العنف بعنفٍ من جنسه أو من غير جنسه، بل يجب دفع العنف بالقوة، ومقاومة عنف الدولة بقوة المجتمع، أي “دفع العنف السياسي بالقوة الاجتماعية، ودفع العنف القانوني بالقوة الأخلاقية، ودفع العنف الاقتصادي بالقوة الروحية” (4).

الإسلام دين الجهاد لا دين العنف

ليس المجاهد هو العنيف، إذ يجتهد المجاهد في مراتب الجهاد حتى يصير علمه “معرفة” وعدله “إحسانا”، متحققا بـ”ميثاق الإشهاد” الـمـُلكي و”ميثاق الائتمان” الملكوتي تحققا وجوديا يؤهله لمقام “الاستشهاد” الذي بفضله يتوصل المجاهد إلى أن يتحقق بالشهادة وجوداً، فيوحد ربه توحيداً وجودياً لا وجود لنفسه معه. آنذاك يصير فقط “استشهاده شهادة مطلقة بوحدانية ربه” (5) تتصل مباشرة بالحالة الملكوتية السابقة على الوجود. كما أنه بفضل الاستشهاد يتحقق بالائتمان وجودا فلا ينسب لنفسه قدرة على حمل الأمانة بل ولا ينسب حتى ذاته إليه، و”إنما الائتمان وذاته المؤتمنة بيد ربه وحده”.

وهكذا فالمجاهد والعنيف لا يلتقيان حياة ولا موتا، فحياة المجاهد الهابيلية الائتمانية لا كحياة العنيف القابيلية الاستعجالية، وكذلك الموت فهي في حق المجاهد “قوة روحية” تكسبه “شهادة وجودية”، لأنها تلحقه بربه وتحيي من يقتدي به، وفي حق العنيف هي “عنف نفسي” يكسبه “شهادة عدمية” لأنه يثبت ذاته بإعدامها، بعدما جُمِّد قلبه وخُدِّر عقله، فاتخذ الناس وسائل لغايته التي هي ذاته. وشتان بين مَن مشروعه الإحياء حيا وميتا ومَن مشروعه القتل حياً وميتاً.

في منهجية دفع العنف

انطلق الدكتور طه في جوابه عن طرائق دفع العنف من ملاحظتين هما:

الملاحظة الأولى: وصيغتها “لا يدفع العنف بالعنف” لأنه فعل نفسي ولأنه غير مبرر قانونياً حتى للدولة، ولوفرة الوسائل التي تغذيه، ونظرا لهيبة الدولة التي يجب أن تمنعها من ترد عنفا بعنف. ناهيك عن كون الدين يحرم الظلم.

الملاحظة الثانية: وهي: “لا يُدفع العنف على الفور”، لأن العنف اعتداء على أخلاق الإنسان وليس فقط على مواطنيته السياسية، مما يعظم من خطورته. فيستوجب حلاً أخلاقياً روحياً يعيد بناء سلم القيم الإنسانية، في إطار ما يسميه الأستاذ طه بـ”سياسة الكف”.

الحل الأخلاقي الروحي المتأني والذي يستحضر آمرية الحق وشاهديته على الخلق، أو قل “النموذج الشاهدي” لمعالجة أدواء العنف في نفوس الشباب المتدين لما فيها من قابلية لتنفيذ العنف نتيجة التربية الأمرية الغليظة التي نشأ فيها أو قل “النموذج الأمري”. يتمثل هذا الحل في “طرق اللاعنف في الدعوة” وهي طرق غير عنيفة، وإن كانت تتطلب وقتا طويلا لتؤتي ثمرتها المرجوة منها، ووسائلها ثلاثة مستمدة من القرآن الكريم:

أ‌-                   أدناها “المجادلة بالتي هي أحسن” بالتفكير مع العنيف العاقل في سلوكه من أجل صرفه عن اعتقاد الصواب في اختياره العنف وسيلة للتغيير،

ب‌-              وأوسطها “الموعظة الحسنة” التي تتضمن المجادلة، ووظيفتها تهذيب النفوس وترغيبها في تحسين سلوكها، وترقيها في إيمانها إلى أن تترك مظاهر العنف، عبر التذكير بالقيم الأخلاقية القاصدة إلى معرفة الله الآمر الحق، باستحضار مقاصد الأوامر والنواهي لا مجرد الأحكام.

ت‌-              وأعلاها “الحكمة” العملية التي تتضمن الجدال بالحسنى والوعظ الحسن، وتتجاوزهما لأن غرضها إحداث تغيير أخلاقي بالمعنى الواسع للأخلاق اعتقادا واشتغالا، يلامس ماهيته الأخلاقية التي هي كنه إنسانيته، وليس مجرد تغيير سياسي سطحي ومؤقت.

بهذه المنهجية المستمدة من القرآن يمكن للتغيير الأخلاقي العميق أن يخرج الشخص العنيف (أو الجماعة العنيفة) عبر عملية صبر ومصابرة من سلوك “أخلاق العنف” التي هي أخلاق نفسية إلى سلوك “أخلاق اللطف” التي هي أخلاق روحية، وذلك عبر نقله ست نقلات تخليقية متكاملة؛ نقله من الشعور بمِلكيته لنفسه إلى الشعور بائتمانه عليها (الائتمانية)، ومن شعوره بكونه سيداً إلى شعوره بكونه عبداً لله (العبدية)، ومن شعوره بتفوقه على خيره إلى شعوره بأخوته لبني جنسه (الإنسانية)، ومن منازعته لغيره إلى منازعته لنفسه (الاعتراضية)، ومن مواجهة العالم بالأوامر إلى مواجهة الناس بالأخلاق (الأخلاقية)، والانتقال من النظر الأشيائي إلى النظر الأسمائي (6).

وبخصوص وسائل هذا التغيير فتحضر في شكل برنامج أخلاقي أفقي بعيد المدى ينشئ الإنسان نشأة أخرى تخرجه من النظر النفسي الضيق والعنيف الذي ألفه وتمثله ذهنيا، إلى سعة النظر الروحي المتسع واللطيف، الذي سيألفه ويتحقق به، عبر تخلق ائتماني عميق يمكنه من تجديد إنسانيته وتحسين أخلاقه وتقويم سلوكه.

….

المراجع:

1 ــ طه عبد الرحمن، سؤل العنف بين الائتمانية والحوارية، المؤسسة العربية للفكر والإبداع، بيروت، ط1، 2017.

2 ــ سؤال العنف، ص 39

3 ــ ص 70

4 ــ سؤال العنف، ص124

5 ــ سؤال العنف، ص126

6 ــ النظر المتخلق بأخلاق الأسماء الحسنى.

أحمد الفراك، أستاذ الفلسفة والفكر، جامعة عبد المالك السعدي

المصدر: مجلة “أفكار”، الرباط، العدد 15، أبريل 2017.