dr taha
المحاضرات

طه عبد الرحمن وتقويم الفلسفة الأخلاقية الأمريكية

الثلاثاء 4 أبريل 2017

حدث الساحة العلمية في تطوان مؤخراً، جاء من خلال المحاضرة التي ألقاها الفيلسوف المُجدد طه عبد الرحمن يوم الخميس 20 مارس الماضي بكلية أصول الدين التابعة لجامعة عبد المالك السعدي بتطوان، في موضوع: “الأوامر الإلهية والفلسفة الأخلاقية”، في حفل احتفالي تميز باستقبال رسمي لإدارة الجامعة والكلية، وهو الاستقبال الذي كان مُصاحباً بحضور طلابي غفير، قلما شهدته المؤسسة الجامعية، بشهادة أهل الدار، إلى درجة أن أحد الأساتذة في الحرم الجامعي، تحدث عن لقاء تاريخي احتضنته المؤسسة.

تميزت المحاضرة التي ترأسها تاج الدين الحسيني، بإلقاء رئيس جامعة عبد المالك السعدي، حذيفة أمزيان، كلمة ترحيبية، منوهاً بموضوع المحاضرة، وأهميته في الانشغالات العلمية والفكرية في الوضع الراهن؛ وتلته مداخلة احتفالية مشهودة لعميد كلية أصول الدين، محمد الفقير التمسماني، والذي ارتأى الحديث عن المنهج العطائي (موازاة مع المنهج الطهائي)، داعياً الطلبة الباحثين إلى النهل والاستفادة من اجتهادات طه، بل توقف التمسماني عند بعض إشارات ثلاثية “دين الحياء” التي صدرت لطه عبد الرحمن في مطلع السنة الحارية، داعياً الطلبة الحضور، ومعهم الفقهاء والباحثين في العلوم الشرعية، إلى الاستفادة من هذه الثلاثية من باب المساهمة في تصحيح منهج النظر في التصورات والتصديقات، قبل أن يختتم كلمته بالتوقف عند بعض معالم المشروع الفكري المُميز لطه عبد الرحمن، وأحصاها في خصائص خمس، وجاءت كالتالي: الربانية، المنهجية، الوسطية، الموضوعية، وأخيراً، الجدة.

تعريف برموز الفلسفة الأخلاقية الأمريكية

نأتي للمحاضرة، ونورد بعض المقتطفات منها، مع الإشارة إلى أنه حتى العرض الذي ألقاه المحاضر، هو الآخر جزء من المحاضرة الأصلية، لأن سياق اللحظة في مثل هذه المناسبات، يحول دون قراءة النص الكامل للمحاضرة.

كانت المحاضرة مناسبة لكي يطلع الحضور على بعض رموز الفلسفة الأخلاقية الغربية، وسبق لطه عبد الرحمن أن توقف مراراً عند عدة رموز من المجال التداولي الغربي، الأوروبي على الخصوص، ولكن الجديد هذه المرة، يكمن في التوقف عند رموز فلسفة أخلاقية من المجال التداولي الأمريكي، أي المجال التداولي الذي لا زال بعيداً عن المتابعة البحثية والتأملية، بله المقارعة و”الاشتباك المعرفي” في مجالنا التداولي، مادامت العديد من الأقلام الفكرية والبحثية في مجالنا التداولي تختزل الفلسفة الكونية في المجال التداولي الأوروبي، بل إن بعضها لا يشتغل إلا على ما يصدر في الساحة الفرنسية أو الألمانية، فيما يُشبه اختزال الاختزال الفلسفي.

استهل طه محاضرته بتذكير الحضور الكريم إلى أنه خلُصَ منذ أواسط سبعينيات القرن الماضي إلى أن ماهية الإنسان تتحدد أساساً بأخلاقه، وأن الأصل في هذه الأخلاق إنما هو دينه وحياً من ربه، كما اشتغل بعد ذلك على نقد الفكر المعاصر في الفكر الغربي، موضحاً كيف أن هذا الفكر فَصَلَ بين الأخلاق والدين فصلاً أفضى به إلى الخروج من الأخلاق، فضلا عن الخروج من الدين، وقد اتضحت معالم هذا الاشتغال في أعماله الأخيرة، وفي هذه الجزئية بالذات ذات الصلة بالخروج من الدين والخروج من الأخلاق، يمكن العودة إلى كتابيه “بؤس الدهرانية” و”شرود ما بعد الدهرانية”.

جاء الجديد في التناول الفلسفي الغربي لهذه الثنائيات، منذ أقل من 50 سنة حينما ظهر في هذا المجتمع المعاصر، تيار فلسفي منطقي استقل كلياً عن هذا التوجه الفكري العام في الفصل بين الأخلاق والدين، إذ يُقرر هذا التيار بأن الأخلاق تابعة للدين، مُسلماً بأن إرادة الله هي الأصل في الأخلاق وباحثاً عن أصول هذه المُسَلمة في تراثه الفكري، ومطلقاً على هذه الأصول إسم “الإرادية الإلهية”، وقد برز من رجال هذا التيار الفلسفي الأخلاقي الديني المعاصر فيلسوفان منطقيان اختلف اجتهادهما في هذه المسألة باختلاف نظرتهما إلى الإرادة الإلهية، إذ رأى أحدهما أن هذه الإرادة عبارة عن أوامر؛ ورأى الثاني أنها عبارة عن قصود، فوضع نظريتين مختلفتين في صلة الأخلاق الإرادة الإلهية، ولو أن كل واحد من النظرتين لم تتخذ صورتها النهاية إلى بعد تعديلات متلاحقة.

كان الغرض من محاضرة تطوان هذه أن يبسط طه عبد الرحمن الكلام في النظريتين في صورتهما النهائيتين، ومناقشتهما من زاوية “النظرية الائتمانية” في الأخلاق، أي النظرية التي جاءت مُفصلة في أعماله منذ “روح الدين” حتى ثلاثية “دين الحياء”، بما تطلب بداية، تحديد بعض المفاهيم الأخلاقية، وتذكير الحضور بمعالم اشتغال فلاسفة الأخلاق المعاصرين، ومن ذلك التفرقة بين نوعين من المفاهيم الأخلاقية، وهما مفاهيم التكليف، ومفاهيم التقييم، حيث يكتفي هؤلاء في أغلب بمفهومين تكليفيين أساسيين، وهما الحلال والحرام، ولأن إفادة الجانب الشرعي للأوامر، عند المحاضر، أظهر في هذين المفهومين، من إفادة الجانب التخليقي، فقد ارتضى أن يستبدل بهما مفهومين قرآنين آخرين هما المعروف والمنكر؛ وعلى صعيد آخر، يكتفي هؤلاء الفلاسفة، بمفهومين تقيميين أساسيين، هما الحُسن والقبح، وواضح أنه لا خلاف على دلالتهما الأخلاقية.

النظرية الأمرية والنظرية القصدية

اعتبر طه عبد الرحمن أن النظريات الأخلاقية الإرادية [نسبة إلى الإرادة الإلهية] اختلفت باختلاف نظر هذه الأطروحات إلى تبعية الأخلاق للأوامر الإلهية، فهذه التبعية عبارة بين طرفين، واشتغل بالتحديد على نظريتين من المجال التداولي الغربي الأمريكي؛ تعود الأولى للفيلسوف الأمريكي روبرت أدامز [ازداد في 1937 وتوفي في 1996]، بينما تعود الثانية لفيليب كوين [ازداد في 1940 وتوفي في 2004].

1 ـ اشتهرت النظرية الأولى باسم “نظرية الأوامر الإلهية”، أو اختصاراً “النظرية الأمرية”، حيث حدّد هذا الفيلسوف علاقة تبعية الأخلاق للأوامر إلا بكونه عبارة عن مطابقة بين طرفين، بين الأخلاق والأوامر الإلهية، بمعنى آخر، الأخلاق هنا هي عين الأوامر، حيث اتخذ أدامز من المنكر مفهوماً أصلاً فرّع عليه عدة مفاهيم، وجاء بتعريف اصطلح عليه بالتعريف الأمري، ومرادفه أن المعروف هو عين موافقة أوامر الإله الودود.

أبدى طه ملاحظتين، مع التركيز على تعريف المنكر:

ــ أن هذه المطابقة بين الأوامر الإلهية والأخلاق، ليست تحليلاً دلالياً للفظ المنكر، وإنما هي بيان لطبيعة المنكر.

ــ أدخل أدامز في وصفه قيداً معرفياً هو الودود، واصفاً به الإله تحت تأثير تراثه العقدي، والداعي على ذلك، هو دفع بعض الشُّبَه التي وردت في تعريف سابق للمنكر، غير أن ذلك لم يصرف عن هذا التعريف المُقيد [أي وصف الإله بالودود]، اعتراضاً آخراً، هو أن قيمة الود متى أضحت مُستقلة عن قيمة الأمر الإلهي نتج عن ذلك أن القدرة الإلهية ليست مطلقة، وهذا ما لم يمكن قبوله (أشار طه حينها إلى أن هذه التفاصيل تقف وراء اشتغال أدامز لاحقاً على تطوير نظريته).

اجتهاد روبرت أدامز في النظرية الأمرية تعرض لبعض الانتقادات الطهائية، وتوقف المحاضر عند آفتين اثنتين: أولهما تشبيه الصلة بالإله بالاجتماع البشري، (ومرد ذلك مُعتقد التجسيد وخلق الإنسان على صورة الإله، عند المسيحية)، حيث غال أدامر في تشبيه الأمرية الإلهية بالأمرية الإنسانية؛ والآفة الثانية تجزيئ تقسيم الصفات الإلهية، لأن أدامز لا يعتبر كمالات الصفات الإلهية كونها تنزل مرتبة واحدة، وإنما يُفرق بين رُتبها ولوازمها ويقدم ثلاث قيم أساسية، وهي الود والخير والعدل.

2 ــ نأتي للنظرية الثانية، وهي النظرية القصدية للأوامر، وصاحبها هو فيليب كوين، ويرى أن النزاع في مسألة المنكر والمعروف ينبغي حسمه لا على مستوى ظاهر الأوامر، وإنما على مستوى باطن الإرادة الإلهية التي هي من وراء هذه الأوامر، وباطنه هو القصد، فوضع نظريته الأخلاقية التي اشتهرت بالقصود الإلهية أو “النظرية القصدية”، وبناها في صورتها النهائية على تفريقين أساسيين: التفريق بين معنيين للقصد وهما المعنى العام والمعنى الخاص (يتجه القصد العام إلى كل الحقائق الأخلاقية، سواء كانت ضرورية أو غير ضرورية، بينما لا يتعلق القصد الخاص إلا بالحقائق الضرورية)؛ ثم التفريق الثاني بين القصد الإلهي السابق والقصد الإلهي اللاحق (المراد بالقصد السابق هو أن يقصد الإله أن يأتي المُكلف الفعل ولم يُمارس هذا المُكلف اختياره في ممارسة هذا الفعل، في حين أن المراد بالقصد اللاحق، هو أن يقصد الإله كل ما يتصف بالفعل، بعد ممارسة المكلف باختياره)، معتبراً أن القصد الإلهي للفعل هو السبب في وجود صفته الأخلاقية، فلا وجود للمنكر إلا بوجود تحريمه، ولا وجود للمعروف إلا بوجود قصد إلهي بإيجابه.

هذا التشويش الذي قد يطال المتلقي من فرط تفرعات النظرية القصدية، والسياق التداولي المرتبط به، اقتضى من المحاضر تمرير تعريف أقرب إلى التداول العربي الإسلامي، مفاده أن المنكر [عند فيليب كوين] عبارة عن الفعل الذي يجعل سابق القصد الإلهي منكراً، أما المعروف، فعبارة عن الفعل الذي يجعل سابق قصد الإله معروفاً، ليتوقف بعدها عند بعض الملاحظات، أهمها أن ما حصل مع “النظرية الأمرية” أنها قزمت الصفات الإلهية ولو أن صاحب التعريف (كوين) يرى أن تعريفه أفضل من تعريف أدامز صاحب “النظرية الأمرية”.

وعلى غرار الوقفة النقدية الطهائية مع “النظرية الأمرية”، أورد المحاضر بعض الآفات التي سقطت فيها “النظرية القصدية”، ولخصها في آفتين اثنتين: أولها أن هذه النظرية وقعت في تشبيه شؤون الإله الباطنة بالأحوال النفسية للإنسان، إذ حملها الانتقال من الإرادة الإلهية للقصد الإلهي على الخوض في الباطن الإلهي نَاسِبة للإله العقل والانتقاد كما يُنسبُ للإله، بل الأدهى من ذلك، يضيف طه، فتحت هذه النظرية، الطريق لنظريات أخلاقية أخرى تقول بما تُسميه بـ”الحياة الذهنية للإله”، تشبيها للحياة الذهنية للإنسان رغبة وانفعالا وسخطاً، وظلت هذه النظريات تتنافس على تحديد الحالة التي تميز الحالة الذهنية المزعومة. فنجد منها “النظرية الاعتقادية” و”النظرية الوجدانية” و”النظرية الرغبانية” و”النظرية التعليلية”؛ أما الآفة الثانية، فتكمن في وقوع “النظرية القصدية” في تجزئة الأفعال الإلهية، من قبيل أن الإرادة الإلهية عند أتباع هذه النظرية، إلى قسمين، إرادة التكليف وإرادة التقييد.

بعد فراغه من عرض مضامين هذه النظريات، اعتبر طه أنه لا بد من نظرية تدفع مُجمل هذه الشبهات والآفات المرتبطة بها وتدفع الاعتراضات التي وردت على هذه النظريات، وبالتحديد “النظرية الأمرية” و”النظرية القصدية”.

في إطار الاشتغال النقدي والتقويمي على النظريتين سالفتي الذكر، ولأن الأعمال الأخيرة لفيلسوف الأخلاق اشتغلت بالتحديد على “النظرية الائتمانية” أو قل “الفلسفة الائتمانية”، فقد انطلق من هذه النظرية تحديداً، قصد تقويم اجتهادات روبرت أدامز وفيليب كوين، ومعلوم أن خصوصية النظرية الائتمانية، تكمن في وجهيين:

ــ أنها تصل بين روح التّديُّن وروح التفلسف، فروح التدين عند المحاضر هو “الإحسان”، وهي التي توجب انتقال المتكلف من ظاهِر الأعمال إلى باطنها؛ محولاً إلى آيات التكليف لا مجرد الاتصاف بالأشكال الشرعية؛ أما روح التفلسف فتكمن في “التفكر”، ورتبة التفكر فوق رتبة التفكير، إذ يوجِبُ التفكر انتقال العقل من ظاهر الأشياء إلى باطنها، جاعلاً من هذه الأشياء آيات تكوينية لا مجرد ظواهر طبيعية.

ــ أما الوجه الثاني الذي تتميز بها الخصوصية الائتمانية، هي أنها تستثمر في الأصول معرفة هذه الآيات التكليفية الآيات البعيدة للميثاقين الملكوتيين الذين أخذهما الحق سبحانه وتعالى على الإنسان، وهما “ميثاق الإشهاد” و”ميثاق الأمانة”.

التعريف الائتماني للمنكر والمعروف

وجد الجمهور من العلماء والطلبة أنفسهم في هذه المحاضرة، أمام ثلاث نظريات فلسفية أخلاقية: “النظرية الأمرية” عند روبرت أدامز و”النظرية القصدية” عند فيليب كوين و”النظرية الائتمانية” عند طه عبد الرحمن.

واعتبر المحاضر في هذا السياق، في إطار التعريف بمعالم “النظر الائتماني”، أن هذا الأخير، وبخلاف النظر الأمري والنظر القصدي، يجعلنا نُدرك أن هذه المسؤولية بموجب ميثاق الائتمان، وقعت على الإنسان، قبل تلقي الأوامر، وقبل تبيُّن القصور، وذلك عندما مارس اختياره لأول مرة، مُتحملاً الأمانة ومتعهداً بالقيام بواجباتها. [بمعنى أن المسؤولية عند الإنسان، سابقة على الأوامر والقصور، وهذه جزئية مفصلية في "النظرية الائتمانية"، ونحسبُ أنها مفتاح نظري يُساعدنا على مواجهة العديد من التحديات التي تواجهها الإنسانية اليوم، في حقول عدة، سياسية واقتصادية وصحية وبيئية وغيرها].

لذلك، يضيق طه عبد الرحمن، أصبح الائتمان هو الأصل في تحديد تبعية الأخلاق للأوامر الإلهية، وبناءً على هذا المعطى، يَبني المحاضر تعاريفه للمنكر والمعروف؛ فالمنكر عبارة عن الفعل الذي ائتُمِن الإله الإنسان على تركه؛ والمعروف عبارة عن الفعل الذي لم يُؤتَمن من الإله الإنسان على تركه، ليسرد لائحة من النتائج المرتبطة بهذا التعريف الائتماني للمنكر والمعروف: أن كل فعل إما ائتُمِنَ على تركه أو غير مُؤتمن على تركه؛ الحرام هو المنكر، إذ هو الفعل الذي ائتُمِنَ على تركته وأن الواجب هو الفعل الذي ائتُمِن على عدم تركه؛ الواجب جزء خاص من المعروف لأن الفعل الذي لم يُؤتمن على تركه أعمّ من الفعل الذي ائتُمِن على عدم تركه؛ بعض الأفعال يكون معروفاً وواجباً معاً، إذ ليس فقط أنه لم يُؤتَمن على تركه، بل أيضاً ائتُمِن على عدم تركه، كما أن بعض الأفعال يكون معروفاً غير واجب، لأنه لم يُؤتمن على تركه من غير أن يُؤتَمن على عدم تركه؛ وأخيراً، أن المُباح يمكن وضع تعريف ائتماني له، فيكون عبارة عن الفعل الذي لم يُؤتَمن على تركه ولا ائتمِن على عدم تركه.

وهكذا، يتضح أن تبعية الأخلاق للأوامر الإلهية تبرز في التعريف الائتماني بما لا تبرز فيه في التعريفين السابقين، الأمري عند أدامز والقصدي عند كوين، ليخلص إلى أن طبيعة الطرفين في العلاقات الثلاث المُميزة للتعريفات الثلاث مختلفة:

ــ فالتعريف في العلاقة الأمرية يربط بين الحكم الأخلاقي للفعل والأمر الإلهي، ولما كان الفعلان في هذه النظرية متطابقين، لزم عن ذلك أن العلاقة هي بين الفعل ونفسه؛

ـ أما بالنسبة للنسبة للنظرية القصدية، فالعلاقة هنا بين الحكم الأخلاقي للفعل وبين ذات فاعلة، وهو الآمر الإلهي، أي علاقة بين ذات وفِعلها؛

ــ لكن في النظرية الائتمانية، العلاقة قائمة بين مؤتمِن ومؤتمَن، أي بين ذاتين: الذات الإلهية والذات الإنسانية، وكل ذات تتجلى بأفعالها، من قبيل أفعال الأمر بالنسبة للذات الإلهية، وأفعال الطاعة بالنسبة للإنسان، وهنا تترتب أفضال كثيرة، أحصى منها طه عبد الرحمن لائحة عريضة، نذكر منها ثلاثة على سبيل المثال:

ــ منزلة الذات تعلو على منزلة الفعل؛

ــ فضل معرفة الآمر على معرفة الأمر، بخلاف السائد في “النظرية الأمرية” التي لا تهتم إلا بالأفعال، ولا يخفى أن من عرف الأوامر لا يعرف بالضرورة الآمر، وقد يَجمد على طلب الأوامر حتى إنه ينسى بالمرة الآمر، أو يختزل الآمر في الماهية الأمرية؛ أما مع “النظرية القصدية”، فإنها لم تطلب الطريق إلى معرفة الذات الإلهية، مُكتفية بأفعالها، فمن عرف القصد من الأوامر، فلا يعرف بالضرورة القاصد؛ أما النظرية الائتمانية، فبموجب وَصلها بين الذات الإلهية والإنسانية، تعتبر أن الذات الإنسانية تحتاج في إتيان أفعالها إلى معرفة الذات الإلهية التي ائتمنتها على هذه الأفعال، ومتى عرف الإنسان هذه الذات، عرف الأمانات المودعة عنده؛

ــ فضل التعامل الشهودي على التعامل الغيابي، وبيان ذلك أن التعامل في “النظرية الأمرية”، لا تحضر فيه إلا الأفعال وتغيب فيه ذات الإله وذات الإنسان، فيكون تعاملاً غيابياً كلياً؛ بينما التعامل في “النظرية القصدية”، تحضر فيه الذات الإلهية، ويحضر فيه فقط الفعل الإنساني، فيكون تعاملاً غيابياً جزئياً؛ بينما التعامل في “النظرية الائتمانية” تحضر فيه الذاتان معاً، الذات الإلهية والذات الإنسانية، بوصفهما لا ذاتين مجردتين وإنما ذاتين فاعلتين، فيكون هذا التعامل تعاملاً شهودياً صريحاً، لأن الشهود هو حضور الذات مع الذات. [الشاهد، الشهود والشاهدية.. هذه مفاهيم فَصّل فيها طه عبد الرحمن ملياً في الكتاب الأول من "دين الحياء: من الفقه الائتماري إلى الفقه الائتماني"، وبالتالي الحضور الكريم الذي لم يطلع قبل تاريخ هذه المحاضرة على مضامين هذه الثلاثية، وقبلها أعمال "النظرية الائتمانية"، وجد صعوبة في الإمساك بإشارات ودروس المحاضرة، نقول هذا بشهادة رموز علمية أطرت اللقاء، ولذلك كانت هذه مناسبة، لكي يكتشف العديد من الأساتذة والطلبة الباحثين اجتهادات الرجل من جهة، ومنها اجتهاده الأخير الذي يحمل عنوان "النظرية الائتمانية"، وهذه لوحدها مبادرة علمية وأخلاقية كريمة تُحسبُ للمسؤولين عن كلية أصول الدين بتطوان].

بديل “النظرية الائتمانية”

وعلى هذا، يمكن اعتبار التبعية الائتمانية هي الأصل، وأن التبعية الأمرية والتبعية القصدية، متفرعتان عنها، فالتبعية الأمرية انتزعت الأفعال من الذاتين الإلهية والإنسانية، والتبعية القصدية انتزعت الأفعال من الذات الإنسانية، وبمقتضى هذه المطرقة النقدية الائتمانية، توقف المحاضر عند مُميزات “النظرية الائتمانية” التي تخول له تجاوز الآفات التي وقعت فيها “النظرية الأمرية” و”النظرية القصدية”، ونورد منها المُميزات التالية [لأن هذا التقرير مجرد اختصار لبعض ما جاء في المحاضرة، والتي بدورها مجرد اختصار لما جاء في النص الأصلي للمحاضرة الذي لم يتلوه طه عبد الرحمن كاملاً]:

ــ تُنزه النظرية الائتمانية الإله تنزيهاً مطلقاً لأن القول بالتشبيه نقص في العقلانية، أما القول بالتنزيه فتحقق بها، وقد حصل للإنسان هذا التشهيد في ميثاق الإشهاد.

ــ لا تقول النظرية الائتمانية بالتشبه، وإنما تقول بالتقرب، لأن هذا الأخير يُوصل إلى اكتساب الفضائل ولو شابهت أسماؤها أسماء الصفات الإلهية، فإنها تباينها مُباينة مطلقة.

ــ تنفي النظرية الائتمانية أن يحصل التقرب بغير الأوامر الإلهية، لأن هذه الأخيرة محبوبة للإله، ولا أحبّ إليه بأن يُتقرب إليه بما يُحب، ولا أكثر تنزيهاً له من التقرب الذي يُحب.

ــ القيم التي توجهنا في حياتنا، مأخوذة من الصفات الإلهية، فالرحمة مثلاً، مأخوذة من الصفة الإلهية الرحمن الرحيم، وهكذا، ترى “النظرية الائتمانية” أن فطرة الإنسان حملت قدراً مقدراً من هذه القيم الصفاتية، بحيث لا يأمر الإله إلا بما يُوافق صفاته.

ــ ترجع الائتمانية إلى الاختيار الأصلي، وهو المُحدد للمسؤولية، أي قبل الأوامر الإلهية، بما يتطلب تعديل الأوامر التي وضعها أدامز بالنسبة للنظرية الأمرية بما يوافق الاختيار الأصلي.

ــ تمتاز “النظرية الائتمانية” عن “النظرية القصدية” بكونها تقر بالشهود، أي الحضور مع الحضور، بما يتطلب تقويم “النظرية القصدية”. وإذا كانت “النظرية الائتمانية” تلح على الشهود، فلأنها ترى أن العلاقة الأمرية للإله، ليس منشئوها ظاهر العالم الذي يستغني بالأوامر المسموعة، وإنما باطن العالم الذي لا تغنيه إلا القصود المشهودة، أي عالم الملكوت: إن الشهود الذي هو أساس الصلة الملكوتية هو الأصل، والقصود إنما هو فرع منه، حيث لا شهود، لا سبيل إلى قصود، ومن طلب القصود من غير شهود، فقد أخطأ القصود.

ــ يُزودنا ميثاق الائتماني بالمنظور الإشهادي وهو شهود الإنسان بالصفات الإلهية وهذا الشهود هو الذي وَرّثه القيم وحملها في فطرته، أما المنظور الائتماني، فهو منظور شهود الإنسان للأوامر الإلهية، وهذا الشهود يقفه على الأوامر الموافقة للقيم [أنظر التفصيل في "دين الحياء"]، وإذا صَحّ أن الصفات الإلهية هي مصدر القيم، وأن هذه القيم مبثوثة في أوامره، صَحّ معه أيضاً أن الأوامر الإلهية لا تأتي إلا بالخير.

واضح أن النظرية الائتمانية تحل الإشكال الفلسفي العقدي القديم الذي يسأل فيه الإنسان “هل الفعل واجب لأن الإله أمر به، أم أن الإله أمر به، لأنه واجب؟”، إذ يجوز أن يتوسّل المُكلف بأحد المنظورين الملكوتيين في التعامل مع المنظور الآخر، فمتى توسّل المُكلف بالمنظور الائتماني في التعامل مع المنظور الإشهادي صار إلى تقديم الأمر التكليفي على القيمة الأخلاقية كما لو كان يبتغي أن يعود بالأمر الإلهي إلى أصله في الصفات الإلهية.

أما إذا توسّل بالمنظور الإشهادي في التعامل مع المنظور الائتماني صار إلى تقديم القيمة الأخلاقية على الأمر التكليفي، كما لو كان لا يُفارق شهود الصفات، وقد يستمد المنظور الإشهادي به فتجده يستغرق في النوافل كأنما يشهد من القيم ما ليست لديه أوامر عليه.

كانت هذه إشارات مختصرة وملخصة لمضامين محاضرة حافلة بالمصطلحات والتفريعات، تطلبت تركيزاً كبيراً قصد المتابعة، وليس صدفة أن تتكرر العبارات التالية مراراً في ثنايا الإلقاء: “أرجو الانتباه، اصبروا عليّ”؛ “لا أريد أن أدخل في التفاصيل”؛ “هذه نقطة في غاية الأهمية”، إلخ، ومؤكد أن هذا المخلص المركز لا يحول دون العودة إلى النص الكامل للمحاضرة الذي من المنتظر أن يصدر لاحقاً حسب ما تقتضيه الأعمال القادمة لفيلسوف “النظرية الائتمانية” في مجالنا التداولي.

منتصر حمادة