dr taha
مقالات عن طه

طه عبد الرحمن.. من مفاتيح روح الدين إلى فتوحات بؤس الدهرانية

الأحد 16 فبراير 2014
1526621_10201447891095578_183924570_n

سنتان بالضبط بعد صدور كتابه “روح الدين: من ضيق العلمانية إلى سعة الائتمانية”، والذي زلزل فيه المؤلف لائحة من القراءات التي اشتغلت على مفهوم العَلمانية، سواء تعلق الأمر بالقراءات التي تنهل من فكرانية (إيديولوجية) حداثية أو إسلامية، يعود طه عبد الرحمن عبر كتاب جديد يُسلط فيه الضوء على المفهوم، من خلال كتاب لا يقل أهمية، ويعلو مراتب في التفكيك والنقد، والإحالة على عمل يحمل عنوان “بؤس الدَّهرانيَّة: النقد الائتماني لفصل الأخلاق عن الدين”. (صدر الكتاب مؤخرا عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، الطبعة الأولى 2014، وجاء في 191 صفحة من الحجم الكبير).

بما أن المؤلف اشتهر بالانطلاق من مُسلّمات في مُجمل إصداراته، فسوف نؤسِّس هذا العرض المتواضع على مُسلّمة أيضا، مفادها أنه من الصعب اختزال أعمال طه عبد الرحمن، باستثناء أعماله الحوارية، ونخص بالذكر كتاب “حوارات من أجل المستقبل” و”الحوار أُفقا للفكر”، ومَرد ذلك أن مؤلفاته قائمة على منهجية استدلالية منطقية، بدليل الحضور الكبير للمُسلمات في هذه المؤلفات، وبالتالي فإن أي إخلال بمضامين خطاب استدلالي، تسيء بشكل أو بآخر إلى مضامين هذه الأعمال، ولكن “ما العمل” مع إكراه التعريف بأهم هذه المضامين للجمهور غير المُتخصص، أو الترويج لها للجمهور المُتتبع، ومن هنا أسباب نزول هذه المواد التقريرية العابرة، التي ينطبق عليها شعار “القليل خير من العدم”، لأن السائد عند البعض، صرف النظر بالكلية، ورفع شعار اللامبالاة من الأعمال والمشروع، فالأحرى الحديث عن تعريف أو ترويج! (بخصوص الحضور اللافت للمُسَلّمات في أغلب أعمال طه عبد الرحمن، فقد افتتح المؤلف مدخل الباب الأول من هذا العمل، بمٌسلمة مؤرقة لأهل العقلانيات المُجرَّدة، مفادها أن “العقل ليس ذاتا مُدرَكة، وإنما فعل إدراكي”، وافتتح الفصل الأول من العمل بالإشارة إلى حتمية تحديد أدنى قدر من المُسلَّمات التي يبني عليها نظره في الدَّهرانيّة، لأن الخلو من المُسلَّمات، في أي مجال، أمر مُتعذر، فما الظن بمجال الدين والأخلاق الذي هو أعلق بحياة الإنسان. ص 32).
تضمّن المدخل العام للكتاب مجموعة من المفاتيح التي تنير الطريق أمام المتلقي قبل السفر في مُجمل فصول العمل، وافتتح المؤلف المدخل بالتوقف عند أبرز الآليات التي توسّلت بها الحداثة في إقامة مشروعها الدنيوي، وخَصَّ بالذكر آلية “تفريق المجموع”، أو آلية “فصل المتصل”، ومن هنا، فيما يتعلق بتعامل الحداثة مع المرجعية الدينية، قامت بفصل العلم عن الدين، وفصلت عنه الفن والقانون كما فصلت السياسة والأخلاق، ووصف المؤلف هذا المشروع ـ القائم على انتزاع قطاعات الحياة ـ من الدين باسم عام هو “الدُّنيانية”، حيث تتعدد صور الدُّنيانية بتعدد هذه الفصول، فتكون العَلمانية، مثلا، هي الصورة الدُّنيانية التي اختصت بفصل الدين عن السياسية [أو "العَلمانية الجزئية" بتعبير عبد الوهاب المسيري]، والعِلمانية هي الصورة الدُّنيانية التي اختصت بفصل العلم عن الدين. (يُشير المؤلف في أولى صفحات العمل إلى لطيفة هامة: عقل ما قبل الحداثة يصل الأشياء بعضها ببعض (ص 27)، بينما عقل الحداثة يفصل الأشياء بعضها ببعض ص 28).
تأسيسا على هذا الفصل، يَخلُصُ طه عبد الرحمن إلى أن انعكاسات هذه الفصول الدُّنيانية ليست ذات لون واحد، وإنما تختلف باختلاف أشكال هذه الفصول، من قبيل أن انفصال القانون عن الدين ليس كانفصال العلم عنه، ولا انفصال السياسة كانفصال الفن، لولا أن أشد هذه الفصول خطرا من وجهة نظره، يبقى فصل “الأخلاق عن الدين” [الإحالة هنا عن العنوان الفرعي للكتاب]، إذ انعكس بشدة على صلة الأخلاق بالإيمان، فضلا عن صلة الدين بالإيمان، كما فتح الطريق لأن يَدَّعي بعض المعاصرين أحوالا شعورية وأنماطا سلوكية غير مسبوقة تُصادِم الوجدان قدر مُصادَمتها للعقل مثل الاتصاف بـ”أخلاقية بلا ألوهية”، والتمتع بـ”روحانيات بلا إله” [بتعبير المفكر الفرنسي أندريه كونت سبونفيل] أو “روحانيات بلا دين” أو “روحانيات بلا إيمان”، ناهيك عن الأخذ بـ”دين بلا دين” أو بـ”الديني بلا دين”، أو حتى “الكون أمام الإله ومع الإله بغير الإله”، ومن هنا أسباب نزول المُصطلح الذي خَصَّ به طه عبد الرحمن هذه الصورة البارزة من الدُّنيانية، مقترحا أن يكون هذا الاسم هو “الدَّهرانيَّة”، إشعارا بأن فصل الأخلاق عن الدين يَنزَع عن الأخلاق لباسها الروحي ويكسوها لباسا زمنيا؛ وبهذا، تكون الدَّهرانيَّة أختا للعَلمانية كما هي أخت للعِلمانية، إذ كلها بنات للدنيانية. (ص 13).
التدقيق في مقتضيات هذه المفاهيم الجديدة (“الائتمانية”، “الدُّنيانية”، “الدَّهرانيَّة”..)، تطلّب من المؤلف التذكير بأنه نجََز في التاريخ الغربي الحديث، الانفصال عن أرباب الكنيسة الكاثوليكية، دفعا لتحكمهم في الرقاب والقلوب ولظهورهم بالفساد والظلم؛ وكون هذا الانفصال اشتهر باسم “انفصال السياسة عن الدين”؛ كما تمت، قبلَ ذلك، الدعوة إلى الانفصال عن أركان الدين المسيحي، لدرء آفتين عرضَتا له وهما: “لا عقلانيات المعتقدات” و”لا تسامحية المعتقدين”؛ وعُرِفَ هذا الانفصال الثاني باسم “انفصال الأخلاق عن الدين”؛ ولقد أُطلق على هذين الانفصالين: السياسي والأخلاقي اسم واحد جُعل له مقابل عربي هو “العَلمانية”، لولا أن المؤلف استقر رأيه على أن يخُصّ مصطلح العَلمانية بالدلالة على انفصال السياسة، وأن يضع مصطلح الدَّهرانيَّة للدلالة على انفصال الأخلاق، مقترحا مصطلح “الدُّنيانية” للدلالة على عموم انفصال نشاطات الحياة المختلفة عن الدين. (ص 29) ولما كان الانفصال عن أركان الدين ـ مع الأخذ بعين الاعتبار أن الأخلاق أحد هذه الأركان ـ أقوى من الانفصال عن أربابه، فقد لزمَ أن تكون الدَّهرانيَّة أقوى من العلمانية، ناهيك عن آثارها المختلفة التي تجلت في الفصل بين الأخلاق والإيمان، بل الفصل بين الدين والوحي، والفصل بين الدين والإيمان، بل الفصل بين الاعتقاد والإيمان، ومن هنا تشكِّل الدَّهرانيَّة نسقا تصوريا وتأويليا للعلاقة بين الأخلاق والدين يستحق أن ينزل رتبة ما يُسمّى بـ”الأنموذج”؛ وتظهر هذه النسقية في الصيغ المختلفة التي اتخذها، فضلا عن المُسَلمات المُضمرة العامة التي تجمع بينها. (ص 30)
كما اختار المؤلف لمنهج النقد الذي اتبعه في مقاربة الدَّهرانيَّة اسم “النقد الائتماني”؛ ومعلوم عند متتبعي أعمال المؤلف، أن مفهوم الائتمانية كان أحد مفاتيح كتابه الفصل الأخير من كتابه ما قبل الأخير: “روح الدين: من ضَيق العَلمانية إلى سَعة الائتمانية” (المركز الثقافي العربي، بيروت- الدار البيضاء، ط 1، 2012)، حيث التأسيس الأولي لما اصطلح عليه بـ”الفلسفة الائتمانية” والتي استعرض في مدخل “بؤس الدَّهرانيَّة” المبادئ الأول التي تقوم عليها عقلانيتها، مُعتبرا في هذا الصدد ـ بعد التفصيل في مراتب العقلانية بين عقلانية مُجردة وعقلانية مُسَدّدة وعقلانية مُؤيّدة ـ أنه إذا كانت الفلسفة الدَّهرانيَّة تتوسل بالعقل المُجرّد وحده، واقعة في شبهة الانقلاب والانتكاس، فإن الفلسفة الائتمانية تنبني على العقل المؤيَّد، متقيةً مفاسد العقل المُجرّد وعوائق العقل المُسدَّد، (ص 14) متوقفا ببعض التفصيل عند أهم مبادئ العقل الأولى التي تتحدد بها الفلسفة الائتمانية، وجاءت كالتالي:
ـ هناك أولا مبدأ الشهادة، ومفاده أن الشهادة بمختلف معانيها تجعل الإنسان يستعيد فطرته، مُحَصلا حقيقة هويته ومعنى وجوده، وهو مبدأ يُقابل مبدأ الهوية المُجرّد الذي تأخذ به الفلسفة غير الائتمانية، ليخلُصَ إلى أن الهوية الائتمانية ـ أو المُؤيدة ـ تفضُل الهوية غير الائتمانية ـ أو المُجرّدة ـ إذ أنها تزدوج بالغيرية، وليس الذي بُني على الغيرية كالذي لم يُبْن عليها؛ فوجود الغيرية خير من عدمها، نظرا لأنها تحفظ مما ليس يُحفظ منه بدونها كعبادة الذات أو اتباع الهوى؛ وإذا كان فضل غيرية المخلوقات، فما الظن بغيرية الخالق!
ـ هناك ثانيا مبدأ الأمانة، ومفاده أن الأمانة بمختلف وجوهها تجعل الإنسان يتجرّد من روح التملك، مُتحملا كافة مسؤولياته التي يوجبها كمال عقله، ومن أهم مقتضيات هذا المبدأ أن كل الموجودات، في العالم الائتماني، عبارة عن أمانات لدى الإنسان (يشير المؤلف في هامش ص 17 إلى وجود فوارق جوهرية بين نظرية “الأمانة الإسلامية” ونظرية “المسؤولية الحديثة”)، مُضيفا أن مبدأ الأمانة هذا يقابل مبدأ عدم التناقض المُجرّد (أو مبدأ الاتساق المُجرّد) الذي تأخذ به الفلسفة غير الائتمانية؛ فإذا كان “مبدأ عدم التناقض” يقضي بأن الشيء ونقيضه لا يجتمعان، فإن مبدأ الأمانة يُقيد هذه القضية المُجرّدة، إذ يقضي بأن الشي ونقيضه لا يجتمعان متى كان العقل مسؤولا، بدءا من المسؤولية عن عدم الجمع بين الشيء ونقيضه، وانتهاءً بالمسؤولية على نتائجه النظرية وآثاره العملية. (ص 16).
ـ وأخيرا، مبدأ التزكية، ومقتضاه أن التزكية بمختلف مراتبها خيار لا ثاني له يجعل الإنسان يُجاهد نفسه للتحقق بالقيم الأخلاقية والمعاني الروحية المُنزَلة، ابتغاء لمرضاة خالقه، وحفظا لأفضلية الإنسان في الوجود، وتصديا لجديد التحديات والأزمات في القيم الإنسانية داخل عالم يزداد ضيقا، مُعتبرا أن الأصل في التزكية هو الترقية ـ أي التنمية الخُلُقية والروحية ـ وليس مُجَرّد التقويم، تصحيحا أو علاجا أو وقاية، وهنا إشارة دقيقة من إشارات “الفلسفة الائتمانية”: يرى طه عبد الرحمن أن واجب الإنسان، في العالم الائتماني، أن يطلب التقدم المعنوي كما يطلب التقدم المادي، بل واجبه أن يجعل التقدم المادي تابعا للتقدم المعنوي، وإلا فلا تقدُّمَ في الإنسانية، (ص 17)، وهذه لوحدها إشارة تُزَلْزِل فلسفات مادية مُعاصرة في ربوع العالم.
واضح هنا أيضا أن “مبدأ التزكية” من حيث منطقه، يقابل مبدأ “الثالث المرفوع المجرَّد” الذي تأخذ به الفلسفة غير الائتمانية، وإذا كان مبدأ الثالث المرفوع يقضي بأن الشيء إما هو وإما نقضيه، فإن مبدأ التزكية الذي يُسطّر معالمه المؤلف، يُقيد هذه القضية المُجرّدة، إذ يقضي بأن الشيء إما هو وإما نقيضه متى كان العمل مطلوبا، بدءا من الأعمال الخارجية وانتهاء بالأعمال الداخلية، ليخلُصَ إلى أن العمل في البدل الائتماني هو بمنزلة المعيار الذي يُتوسّل به في الحكم على النظر كله، فإما هو نظر تَحصُل بها تزكية النفس، فيُؤتى، أو هو نظر تَحصُل به تدسيتها، فيُصرَف. (ص 19)
وبناء على هذه المبادئ العقلية الثلاثة، أي “مبدأ الشهادة” و”مبدأ الأمانة” و”مبدأ التزكية”، يتضح أن مشروع فيلسوف الأخلاق الذي أصبح يحمل عنوان “الفلسفة الائتمانية” يستمد عقلانية التأييد من النصوص المؤسِّسة للتراث الإسلامي، مُتضَمِّنا لفلسفات ثلاث هي: “فلسفة الشهادة” و”فلسفة الأمانة” و”فلسفة التزكية”؛ لذلك صَحَّ بأن توصف هذه الفلسفة بأنها فلسفة إسلامية خالصة، وجلّي أن الأمر هنا لا علاقة بجنس الفلسفة التي اقترنت بمن تسموا بـ”فلاسفة الإسلام” من أمثال الكندي والفارابي وابن رشد وابن سينا والتي حملت، في الأصل، اسم “الفلسفة الإسلامية”، من منطلق أن هؤلاء، على غزارة علمهم وسعة اطلاعهم، لم يخوضوا إلا في بحر الفلسفة اليونانية التي تقوم على عقلانية التجريد؛
أما مُتفلسفة هذا العصر من المسلمين، [بيت القصيد في فصول كبيرة من العمل، رغم أن المؤلف لا يستشهد بأي رأي صادر عن هؤلاء، على اعتبار أن لائحة المراجع تضمنت فقط المراجع الأجنبية] فلم يتكلفوا حتى عناء التوفيق بين الفلسفة الغربية والإسلام، بل أخذوا يتلقفون قضاياها تلقفا أشبه باللقم منه بالتلقي، ويُقلدون مفكريها التقليد الأعمى، وهؤلاء، للمفارقة، أبعد ما يكون من المتقدمين عن الفلسفة الإسلامية، فلا هم قادرون على التصرف فيما يتلقفون، ولا، بالأحرى، هم يطيقون أن يتصوروا خلاف ما يُقلدون. (ص 20). ونطلع في مدخل الباب الثاني للعمل على تفاصيل أدق بخصوص بعض المآزق المعرفية التي يسقط فيها المُقلدون المنتمون إلى مجالنا التداولي، فمادام ديدن هؤلاء المقلِّدة هو الإقبال بالكلية على إنتاج المفكرين الذي ظنوا أنهم قطعوا صلتهم بالعالم الروحي، ثائرين على الكنيسة لأنهم لا يرومون إلا أن يَحظوْا بقسط من التقدم المادي، فقد فاتهم أن يتبيّنوا أن ما يتهافتون عليه من نظريات وأنساق فكرية لا يخول من أن يحمل آثار المعاني الدينية الكبرى لأصحابها، تثليثا وتجسيدا وتأليها، إما لأن قلوب هؤلاء أُشربت بها أيما إشراب، وإما لأنهم تعاطوا إلى إخفاء أصولها في الدين وإلباسها لباس العقل، فكان أن نقل هؤلاء المقلدون إلى ثقافتهم من هذه الآثار الدينية التي تخالف أصولها الاعتقادية ما ظنوه فكرا كونيا تتلقاه العقول السليمة بالقبول، وما هو، على الحقيقة، إلا مذاهب وآراء تخص ثقافة المنقول عنهم ولا تُلزم في شيء سواهم. (ص 134)
وفي سياق نقد التيار الدَّهراني، أو الدَّهرانيين، من مفكرين ومُقلدين وأتباع هؤلاء، أقام المؤلف الدليل على مسائل أساسية ثلاث: أولاها، أن دعوى “فصل الأخلاق عن الدين” التي يقوم بها الدَّهرانيون دعوى باطلة. والثانية، أن بطلان دعوى الدَّهرانيين في فصل الأخلاق عن الدين يستلزم بطلان تصوراتهم للأخلاق والدين. والثالثة، أن تقليد المثقفين: عربا ومسلمين، لهؤلاء المفكرين في تصوراتهم الباطلة للأخلاق والدين لا يُجديهم نفعا في دفع قرائهم، بأساليب ملتوية أو مشبوهة، إلى التسليم بالفصل بين الأخلاق والدين.
بتعبير آخر، توقف عنده مليا المؤلف في الفصل الأخير من الكتاب، إذا كان مفكرو الحداثة، بفصلهم الأخلاق عن الدين، قد ظلموا الأخلاق والدين معا، فإن ظُلم المقلدين ـ أو “مُحترفي التقليد”، من مُثقفينا للدين والأخلاق أعظم من ظلم الذين يُقلدون لأسباب عدة:
أحدها أنهم يُقلدونهم ويتبعونهم فيما لا ينبغي تقليدهم وابتاعهم، لأن، في مجالات تراثهم، غَناءً عن هذا الذي يقلدون ويتبعون فيه غيرهم.
والثاني، أنهم يقعون في تشويه ما ينقلون عن هؤلاء المفكرين، بحكم إنهم يقطعون المنقول عن سياقاته الأصلية.
والثالث أنهم يتعثرون في استيعاب مضامين ما يُقلدون، فضلا عن آلياتها التي هم أعجز عن الارتياض عليها كما يرتاض عليها أصحابها، إن لم يصل الأمر إلى تحميل هذه المضامين على محاميل وتأويلات هي نقيض دلالاتها في أصولها.
والرابع، أنهم يغالون في تصديق ما يقلدون إلى غاية أن يضفوا عليه صفة الإعجاز والتقديس.
والخامس، أنهم يشددون على قرائهم في التسمك بمنقولهم، بحجة أنه لا دخول إلى عالم الحداثة إلا من بابه، مُكرسين بشكل أو بآخر، عُقد تُبقيهم عبيدا يستمرئون عبوديتهم. (ص 184)
جاءت مُجمل مضامين الفصول السبعة التي تضمنتها أحدث إصدارات طه عبد الرحمن للترحال مع مفهوم الدَّهرانية في ثنايا بابين يتضمن أولهما مدخلا فرعيا وأربعة فصول، ويتضمن الثاني مدخلا فرعيا وثلاثة فصول؛
وهكذا أفرد المؤلف الباب الأول منها لنقد الأنموذج الدَّهراني، فأحصى له صيغا أربعا هي “الصيغة الطبيعية” و”الصيغة النقدية” و”الصيغة الاجتماعية” و”الصيغة الناسوتية” (موضوع الفصل الأول)؛ مُبيّنا كيف أن هذه الصيغ الدَّهرانيَّة تنبني على تصورات عن علاقة الإله بالإنسان تنُمُّ عن بؤس فكري شديد، وهي “التصور الخارجي” و”التصور التسيّدي” و”التصور التجزيئي” (موضوع الفصل الثاني)؛ ثم اجتهد المؤلف ـ كما جرى في أغلب أعماله، بعد نقد الدعاوى لينتقل في مرحلة ثانية نحو الإتيان ببديل ـ في وضع أنموذج بديل يجتنب الشبهات والأخطاء التي وقع فيها هذا الأنموذج الدَّهراني، واصطلح عليه اسم “الأنموذج الائتماني”، ما دام يرفع شعار الفلسفة الإصلاحية الائتمانية، ويتأسس هذا النموذج البديل على مبادئ خمسة مأخوذة من مفاهيم محورية في الثقافة الإسلامية، وهي: “الشهادة” و”الأمانة” و”الآية” و”الفطرة” و”الجمْع” (موضوع الفصل الثالث)؛ وأخيرا تطرق إلى ما سماه “ظلم الدَّهرانيَّة”، مُوضّحا كيف أن التصورات الدَّهرانيَّة أضرت بماهية الإنسان، دينيا وخُلُقيا (موضوع الفصل الرابع)، وهذه جزئية دقيقة وهامة جدا، تتطلب الكثير من التفكر لأهميتها وراهنيتها، ونوجز أهم مضامينها كما جاءت في خاتمة هذا الفصل، حيث اعتبر طه عبد الرحمن أن “المفكرين الدَّهرانيين بنوا تصورهم للأخلاق على مُسلَّمات أحصى منها أربعا تؤدي كلها إلى إلغاء الأخلاق؛ أولاها “التزام الأخلاق الواحدة”؛ والثانية “الأخلاق بلا عبادة”؛ والثالثة “الأخلاق بلا شهادة”؛ والرابعة “الفرق بين الأخلاق والروح”، مُوضحا ومُشتغلا على بطلان هذه المُسلمات، فتكون الأخلاق الدهرية التي وضعها هؤلاء عبارة عن أخلاق ذاتية أو “نفسية”، أي أخلاق قائمة على “النسبة” أو “المِلكية”؛ والأخلاق التي تكون بهذا الوصف أخلاق بلا روح؛ والأخلاق بلا روح كَلا أخلاق، فلا تنفع الإنسانَ في خاصيته الإنسانية، ولا، بالأحرى تنفعه، في خاصيته الروحية؛ وفي هذا غاية الظلم لأخلاقية الإنسان في بعدها الروحي؛ فلولا أن هذه الأخلاقية تحفظ خاصيته الإنسانية، لَتردّى إلى درك البهيمية؛ ولولا أنها تحفظ خاصيته الروحية، لَتردّى إلى درك الشيطانية” (ص 128).. لهذا نجدّد التذكير بأن المعني هنا بهذا التنظير، في هذا العمل وغيره، يُلقب بفيلسوف الأخلاق الأبرز في المجال التداولي الإسلامي العربي.
أما الباب الثاني فقد خُصّصَ لنقد التقليد الفكري الذي اندفع فيه المثقفون في المجال التداولي الإسلامي، حيث توقف المؤلف مليا عند طبيعته التي وصفها بالغريبة وآثاره السيئة؛ كما وقف عند دعاوى ثلاث يقوم عليها الاتجاه الدَّهراني في الأخلاقيات، دعاوى قلّد فيها هؤلاء المثقفون مفكري الحداثة (هناك في المجال التداولي الغربي)، وهي: “حصر الأخلاق في التعامل مع الآخر” و”الفرق بين الديني والروحي” و”دهرية الروحانيات” (وليس الروح، أو الروحي، حيث يقصد بالروحانيات هنا ـ كما جاء في تدقيق تضمنه المدخل العام للكتاب ـ النزعات التي تبالغ في الانتساب إلى المجال الروحي، بحيث قد تنكر الوجود المادي بالمرة، وقد لا يكون تحتها أي روحيات حقيقية، وإنما هي رياضات بدنية للتغلب على بعض الدوافع النفسية، كما نجدها اليوم في بعض الروحانيات الأسيوية التي غزا بعضها المجتمع الغربي الحديث، هامش ص 23).
وهكذا تصدى المؤلف بالنقد والإبطال لهذه الدعاوى الثلاث (موضوع الفصل الخامس)؛ قبل أن ينعطف على أدلة متواترة ثلاثة يستند إليها أهل التقليد الفكري للقدح في روحيات التراث الإسلامي، وهي “توريث القيم البالية” و”ترك العلم” و”التمسك بالطقوس”، كاشفا وجوه تناقضها وتهافتها (موضوع الفصل السادس)، كما توقف عند معالم يؤس العقلانية التي تُميّز المقلّد، مُبيّنا كيف أنها عقلانية مقلوبة ومنكوسة معا، أي انقلب اتجاها الأفقي واتجاهها العمودي جميعا (موضوع الفصل السابع).
في أهم خلاصات الفصل الخامس المُخصص لنقض دعاوى “حصر الأخلاق في التعامل مع الآخر” و”الفرق بين الديني والروحي” و”دهرية الروحانيات”، يرى المؤلف أن الذي يأخذ بالروحانيات الحداثية، على شنيع تناقضاته، إنما يأخذ بالذي هو أدنى أو أفقر، على اعتبار أن الروحيات الائتمانية تتأسس على التزكية التي تعلو بدرجات على الروحانيات الحداثية، إذ تقوم، أصلا، على مبدإ الفطرة الذي يفتح الإنسان على أرحب وجود؛ فيلزم أن المقلّد إنما يؤْثِر البؤس الروحي لنفسه على الثراء الروحي الذي تورّثه هذه الروحيات العليا. (ص 154)، أما خلاصة الفصل السابع، فلا تقل أرقا عند أهل الحداثة المُقلدة، حيث اعتبر طه عبد الرحمن أن روحيات التسيُّد التي يُقلِّد فيها المثقف غيره من مُفكري الحداثة لن تورثّه إلا عقلا مقلوبا أو منكوسا أو هما معا؛ والعقل الذي يكون بهذا الوصف عقل ميئوس منه، لا هو يقدر على أن يدفع آفات المجتمع، ولا أن يقي أبناء هذا المجتمع من عثرات التاريخ؛ لأن من انقلب أو انتكس عقلُه، لا يُمكن أن يُرجى خيره، بل ينبغي أن يُتقّى شره، مُضيفا أنه ليس من سبيلٍ إلى دفع الآفات المجتمعية والعثرات التاريخية إلا بإنشاء إنسان جديد ينبذ التقليد نبذا كليا؛ فهذا الإنسان هو وحده الذي يكون قد تعاطى مناضلة نفسه، حتى استرجع فطرته الأولى، والأمل معقود على هذا الإنسان المُجدِّد في قيام مجتمع يستبدل بآفات الاجتماع آيات مُبهرات وفي تحقُّق تاريخ يستبدل بعثرات التاريخ ثورات مُبصرات. (ص 181)
في خاتمة الفصل والكتاب يؤاخذ طه عبد الرحمن الشيء الكثير على أهل الحداثة المُقلّدة، كونهم نسوا حقيقتين من حقائق التراث: إحداهما أن العبادة ظلت في ثقافتنا إلى اليوم أقرب إلى صورتها الفطرية، فلم يتصرف فيها أهلها بالتغيير والتعديل، عبر تاريخهم، تصرّف رجال الكنيسة في عبادتهم؛ والثانية أن العبادة فيها ذات صبغة خاتَمية، بحيث تنسخُ غيرَها ولا ينسخها، مما يجعل قدرتها على التواصل والعقل والتجديد أقرب إلى الصورة الفطرية للدين. (ص 184)، موجها لهم النصح بتدارك ما يمكن تداركه عبر طريقين اثنين، يوصلان إلى الصورة الفِطرية لدينهم؛ أحدهما طريق التفقه، متى اكتفوا بالنظر؛ إذ يُطلعهم على الطرق المميَّزة التي اتُّبِعت في حفظ دينهم، نصوصا وأعمالا؛ والثاني طريق التزكية متى أخذوا بالعمل؛ إذ يُزيل عن الفطرة ما غشَّاها، مع مرور الزمن، من طبقات دنيوية مُترسّبة، مفجِّرا طاقتها الروحية على مقتضى ما جاء به دينهم؛ وعلى هدا، فظلم المُقلدة الدَّهرانيين للماهية الدينية والخُلُقية للمسلم أنكى من ظلم مُفكري الحداثة الدَّهرانيين للماهية الدينية والخُلُقية للمسيحي. (ص 186)
نختتم هذا العرض بإشارة لطيفة، نعتقد أنها حُبلى بالدلالات: باستثناء الاستشهاد ببعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ومقتطفات عابرة من بعض أعماله السابقة (“العمل الديني وتجديد العقل”، “اللسان والميزان”، “فقه الفلسفة: القول الفلسفي”، “روح الدين”.. وبالكاد)، فإن العمل لم يتضمن أي مراجع باللغة العربية، والمُطلع على لائحة المراجع التي جاءت في آخر الكتاب (من ص 187 إلى ص 191، وضمت حوالي 80 مرجعا)، سيعاين لائحة لمراجع أجنبية، لفلاسفة غربيين قدامى ومعاصرين، فيما يُشبه انخراطا للمؤلف في حالة “اشتباك معرفي” مع الفكر الغربي تحديدا، باعتباره ـ أي المؤلف ـ قلما محسوبا أو منتميا إلى المجال التداولي الإسلامي، وبالتالي، يمكن قراءة العمل باعتباره مساهمة لفيلسوف مُسلم في سياق دحض الأطروحات الغربية المروجة للدَّهرانية والدُّنيانية. (من باب التذكير فقط، العنوان الفرعي لكتاب “سؤال الأخلاق” والصادر في غضون سنة 2000، كان كالتالي: “مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية”).
تأسيسا على ما سبق، يتضح أن الفيلسوف المُجدد طه عبد الرحمن لا زال وفيا لمشروعه الإصلاحي القائم على مرجعية الإصلاح الأخلاقي، أولا وأخيرا، منذ أولى إصداراته في هذا الصدد (نخص بالذكر هنا، كتابه المرجعي “العمل الديني وتجديد العقل”) حتى كتابه هذا، والمؤلفات القادمة، بحول الله.

منتصر حمادة