dr taha
المحاضرات

طه عبد الرحمن محاضراً في “مرابطة المثقف والائتمان على الإنسان”

الخميس 24 مايو 2018
طه عبد الرحمن مرابطة المثقف والائتمان أفكار5

“مرابطة المثقف والائتمان على الإنسان”، هو عنوان أحدث المحاضرات التي ألقاها الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن، على هامش انعقاد أشغال ندوة دولية في موضوع: “العلوم الإسلامية وسؤال التجديد” أيام 26 و27 و28 فبراير 2018 برحاب كلية الآداب والعلوم الإنسانية ـ بني ملال، والتي نظمها مختبر المقاصد والحوار للدراسات والأبحاث بكلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة السلطان مولاي سليمان بني ملال ومركز دراسات المعرفة والحضارة.

وبداية، اعتبر صاحب “سؤال الأخلاق” أن المحاضرة لم تتخذ إشكال التجديد موضوعاً مباشراً لها، فإنها تناولت مسألة واجب المثقف في حاضر مجالنا التداولي بطريقٍ يُبيّن فيها المحاضر كيف نجدّد في المسألة الثقافية تجديداً فلسفياً يرتقي ببعض مفاهيمنا الأصلية الخاصة إلى رتبة المفاهيم الإنسانية الكليّة، بل يرتقي بها إلى رتبة المفاهيم الكونية التي تتّسع لما هو أكبر من نطاق الإنسانية، أو قل التجديد الذي يجعل من ثقافتنا ثقافة الائتمان على الكائنات كلها.

افتتح طه عبد الرحمن المحاضرة بالتوقف عند ظاهرة تعدد تعريفات الإنسان، من قبيل الحديث عن “الحيوان العقلي” أو “الحيوان اللغوي” أو “الحيوان المدني” أو “الحيوان السياسي” أو “الحيوان الاجتماعي” أو “الحيوان الاقتصادي” أو “الحيوان الثقافي” أو “الحيوان الصناعي” أو “الحيوان الإعلامي” وما شابه ذلك، ملاحظاً أن الجامع بين هذه التعريفات المتنوعة سمتان اثنتان؛ إحداهما أنها تجعل الجنس القريب الذي يتحدد به الإنسان هو الحيوان، وذلك بالبناء على فرضيتين اثنين، أولاهما أن الموجودات مراتب مختلفة؛ والثانية أن مرتبة الإنسان تلي مرتبة الحيوان، مضيفاً في هذا السياق، أن التسليم  [من المُسَلمة] بإمكان ترتيب الموجودات، لا يُفيد التسليم بأنه يجب أن يدخل الحيوان في تعريف الإنسان، إذ يجوز صوغ حدٍّ للإنسان تدخل فيه مراتب وجودية أخرى غير الحيوان.

أما السمة الثانية للتعاريف السابقة، فتكمن في التعامل مع الإنسان على أساس أنه ظاهرة من الظواهر، وذلك بالبناء على فرضيتين أخريين؛ إحداهما أن كل شيء مردود إلى الظواهر؛ والثانية أن الظاهرة تكون عناصرها جلية بحيث يمكن ضبطها، إن تحديداً لها أو تحكماً فيها. [لمزيد من التفصيل في هذه الجزئية، يمكن العودة بداية إلى كتابه "الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري"، 2005، حيث توقف عند الفرق بين "الظاهرة" و"الآية"، وقبل التوقف بالتفصيل عند الفوارق بينهما في الكتاب الأول من ثلاثية "دين الحياء"، 2017]

 

الإنسان الظاهرة ليس الإنسان الآية

وعلى غرار الاعتراض سالف الذكر والخاص بالسمة الأولى، اعتبر طه عبد الرحمن أن التسليم بأن من الأشياء ما يمكن ضبط عناصره الجلية، فلا يُفيد التسليم بأن الإنسان يمكن ردّه بكليّته إلى جملة من العناصر الجلية المنضبطة، بل اعتبرَ أن عناصره الجلية تشير بالضرورة إلى وجود عناصر خفية من ورائها لا يمكن تحديدها ولا التحكم فيها، وإنما يُتفكّر فيها ويُعتبر بها. والشيء الذي يكون بهذا الوصف لا يكون مجرد ظاهرة بل يكون آية. والأصل في الآية الواحدة أن تكون آيات كثيرة.

انطلاقاً من هذه الاعتراضات ــ ونوردها بشكل مختصر، لأنها ستصدر بالتفصيل في عمل يتضمن النص الكامل للمحاضرة ــ يُضيف مُنظر “الفلسفة الائتمانية” أنه يجوز وضع تعريف للإنسان يجعل منه آية يُتفكّر فيها ويُعتبر بها لا مجرّد ظاهرة تُحدّد عناصرها ويُتحكّم فيها، وقد ارتضى أن يصوغ حدّاً للإنسان يأخذ بالإمكانين التعريفيين اللّذين أتى على ذكرهما، وهما ترك “ذكر المراتب الوجودية” و”اعتبار الإنسان آية”، بحيث يكون هذا الحدّ أوسع تعريف للإنسان وأقرب تعريف لمجالنا التداولي، وجاءت صيغة هذا التعريف كالتالي: “الإنسان هو الكائن الذي حمل الأمانة باختيار”.

وواضح أن هذا التعريف يجعل للإنسان الآية وجودين اثنين، أحدهما يُسميه طه بـ”الوجود القريب”، وهو وجود الإنسان في صلة بإنسان مثله، وهذه الصلة تنشئ عالماً مستقلاً بذاته وهو عالم الإنسان. وتحصل هذه الصلة بواسطة عملية اصطلح على تسميتها بـ”المؤانسة”، بحيث لا إنسانية بغير مؤانسة.

أما الوجود الثاني، فاصطلح عليه بـ”الوجود البعيد”. وهو وجود الإنسان في صلة بالكائنات الأخرى التي يمكن أن تنشئ بدورها عوالم مستقلة بذاتها، وهي عوالم غير الإنسان. وتحصل هذه الصلة هي الأخرى بواسطة عملية اصطلح عليها باسم “المُعالَمة”، بحيث لا عالمية للإنسان بغير مُعَالَمة، والمُعالَمة هي الاتصال بالعوالم الأخرى غير عالم الإنسان، وبقدر ما تقوى قدرة الإنسان على المُعالَمة، أي على الاتصال بالعوالم الأخرى غير عالم الإنسان، يزداد تحققه بالعالمية. [التفصيل في هذه الجزئية، يقتضي العودة إلى كتابه "بؤس الدهرانية: النقد الائتماني لفصل الأخلاق عن الدين"، 2014، وبالتحديد على هامش التعريف بـ"مبدإ الإيداعية"؛ بين الصفحة 98 والصفحة 100]

 

الإنسان الآية معني بالحمل الاختياري للأمانة

بالنتيجة، يتضح للمتلقي أن الإنسان الآية ــ بمقتضى هذا التعريف الذي ينهل من “النظرية الائتمانية” ــ يتميز عن كائنات هذه العوالم كلها بصفة أساسية وهي الحمل الاختياري للأمانة.

تترتب عن هذين الوجودين أُخوّتان اثنتان؛ إحداهما “الأخوة القريبة”، على اعتبار أن المؤانسة تورّث الإنسان أخوة خاصة داخل عالم الإنسان؛ والثانية “الأخوّة البعيدة”، على اعتبار أن المُعالَمة تورّث الإنسان أخوته العامة للكائنات الأخرى التي تستقل بها العوالم الأخرى، وبمقتضى هذا التنظير، ذهبَ المحاضر إلى مقام ائتماني يُفيد أن الإنسان الآية أخ الشجرة، وأن الإنسان الآية أخ الماء الذي أنبت هذه الشجرة، وأن الإنسان الآية أخ السحاب الذي حمل هذا الماء، وأن الإنسان الآية أخ الجبل الذي يمرّ مرّ هذا السحاب، والإنسان الآية أخ الأرض التي جعلت الجبال رواسي فيها، وما إلى ذلك.

هذه إذن أرضية أولى للأسُس التي سيبني عليها طه عبد الرحمن نظرته في المثقف، إلا أن هذا الكائن الآية الذي لا يلزم عالماً واحداً، وإنما يتّصل بعوالم كثيرة، ولا يؤاخي داخل عالم واحد، وإنما يؤاخي في عوالم كثيرة، هذا الإنسان الواسع، كينونة وأخوة، الذي لا يؤانس مثله فحسب، بل أيضاً يعالم غيره، أُنزل به من صنوف الأذى حتى ضاق العالم الواحد بوجوده، بل ضاق به كل موضع فيه، فلو لم يكن من هذا الانقباض إلا انقطاع الاتصال بإخوته في أي عالم من العوالم لكفى به أذى لا يُطاق.

ليس هذا وحسب، هذه الإشارة ذات الصلة بوضع ساكنة المنطقة، من البحر إلى البحر، كانت أشبه بحالة وجدانية في قاعة المحاضرة، من هول الوصف التي لخصَّ به المنطقة، وهو وصف أصبح واقعاً لا يرتفع، ويبعث بالتالي على الأسى، ونورده حرفياً:

“لم يحدث هذا المحق للإنسان الآية عند غيرنا أو أعدائنا وإنما حدث بين أظهرنا وفي بني جلدتنا، فمنذ ما يقارب ثلاثة عقود والعرب يقتلون بعضهم بعضاً بكل صور القتل الممكنة، وبكل أشكال الأسلحة المتاحة، حتى إنه لا أمة بلغت في هذه الفترة مبلغهم، تفننا في قتل أنفسهم، فهناك القتل الفردي والقتل الجماعي، وهناك القتل العلني والقتل الخفي، وهناك القتل السريع والقتل البطيء، بل هناك تحت كل واحدة من هذه الصور صور أخرى من القتل؛ فمثلاً القتل السريع قد يكون ذبحاً أو قنصاً أو قصفاً أو تجريفاً؛ والقتل البطيء قد يكون تجويعاً أو تسميماً أو تعذيباً أو إهمالاً مميتاً أو سجناً طويلاً؛ ثم هناك القتل الذي يأتيه أفراد شذاذ، والقتل الذي تأتيه الطوائف السائبة، وهناك قتل تقوم به الدول المحلية، والقتل الذي تؤجر فيه الشركات الارتزاقية، والقتل الذي يلجأ فيه إلى الدول الأجنبية، والقتل الذي يستعان فيه بالأعداء، بل بأعدى الأعداء، حتى كأنهم اًصدق الأصدقاء. أما أدوات القتل، فهي الأخرى ألوان شتى، تبتدئ بالأدوات الحادة وتنتهي بالمواد السامة، مروراً بمختلف الآلات الطّاخّة والآليات الدابة، وليس من وصف جامع لهذا الاقتتال الشامل إلا أنه شاهد على ثقافة القتل التي عمّت بلاد العرب”.

أخذاً بعين الاعتبار أن ثقافة قتل الأخ لأخيه أصبحت سائدة في المنطقة، فقد اصطلح عليها المحاضر اسم “الفتنة القابلية”، نسبة إلى “قابيل” ابن آدم عليه السلام، الذي قتل أخاه “هابيل”. [لمزيد تفصيل، يُرجى الاطلاع على الباب الأول من كتابه: "سؤال العنف بين الائتمانية والحوارية"، 2017].

حتى لا نُصبح رواد “ما بعد الأمانة”

وإذا ظهر أن الفتنة القابلية، يضيف المحاضر، جعلت من العرب أشبه برواد عالم ما بعد الأمانة، ويقصد بذلك، أن خصوصية القاتل العربي أنه لا يقصد بقتل أخيه مجرد إتلاف ذاته وإنما إنكار هويته الائتمانية، فإن الغرض من الثقافة، ما دمنا نتحدث عن “مرابطة المثقف والائتمان على الإنسان”، تفيد الائتمان على الإنسان الآية، لولا أننا نُعاين عدة مواقف للمثقفين العرب في مواقفهم من هذه الفتنة القابلية، فهذا يميني لا يستكين، وهذا يساري لا يلين، وهذا “أصولاني” مشدود إلى ماضيه، وذاك “فكراني” متطلع إلى ماضي غيره، بل نجد أن “الأصولانية” أصولانيات، إصلاحية وسلفية وجهادية. والفكرانية فكرانيات، ليبرالية واشتراكية وقومية. ولمّا كان تكوينهم الثقافي بهذا التشتت الفاحش لزم أن تكون مواقفهم من الفتنة القابلية هي كذلك شتّى، فهناك المؤيدون للقتل باسم الدين، وهما فئتان كبيرتان، إحداهما تؤيد القتل بحجة دخوله في باب الجهاد، والثانية تؤيده بحجة دفع الفتنة.

وهناك المؤيدون للقتل باسم الدولة بحجة حفظ الأمن والاستقرار، وهناك الصامتون الذين يخشون ضياع مصالحهم أو فوات مكاسبهم في حال الاعتراض. وهناك المُخرسون الذين اشتريت ضمائرهم. وهناك الخائفون الذين توسوس لهم أنفسهم أن القتل يترصّدهم في أدنى كلمة تنقل عنهم. وهناك الحياديون الذين يحتجون بأنهم في شغل عن الخوض في السياسة. وهناك المترددون الذين يتقلبون بين التأييد والإنكار تقلب آرائهم ومصالحهم وحساباتهم. وهناك الانتظاريون الذين يعلقون اتخاذ قرارهم بمآل القتل أو بانتصار الجهة التي يراهنون عليها. وهناك المعارضون على استحياء الذين لا يثبتون على موقفهم إلا بالقدر الذي لا يتعرضون به إلى أي سوء.

أحصى المحاضر ثلاثة مقامات من خيانة المثقف في المنطقة: خيانة المثقف نفسه، وخيانة غيره، أي الذين يشاركونه عالمه الإنساني، وخيانة غيره، الذي يشاركهم عوالمهم، مقترحاً نموذجاً بديلاً للمثقف، اصطلح عليه بـ”المثقف المرابط”.

المثقف من المنظور الامتلاكي إلى المنظور الائتماني

يُخوّل واقع الحرمان لطه عبد الرحمن توجيه الدعوة إلى طلب مثقفٍ جديد، واصطلح عليه بـ”المثقف المرابط”، بما يقتضي التوقف عند خصائصه، ولكن قبل هذه المحطة، توقف المحاضر عند بعض الضرائب التي كانت ــ ولا زالت ــ تربط المثقف المنسلخ بالعالم، أي رؤيته إلى العالم التي تحجبه عن إدراك القيم التي يوجبها الوقت، وقد تميزت هذه الرؤية الحاجبة بكونها تجعل علاقة هذا المثقف بالأشياء تتأسّس على ما يُسميه طه عبد الرحمن بـ”مبدأ الحيازة” أو مبدأ الامتلاك، وبيان ذلك أن هذا المثقف لا يعقل الأشياء والقيم إلا من جهة إمكانات التملك التي تنطوي عليها، جاعلاً من العقل نفسه مِلْكاً، فمثلاً الحق مِلك، والعدل مِلك، والحرية مِلك، ناهيك عن الأمور الحسية، لأن معقولية الأشياء لدى المثقف المنسلخ هي مملوكيتها. وقد ثبت لدى المحاضر أن الحيازة أو التملك أصل التنازع بين البشر، بل اتضح أن الحيازة أو الشعور بالحيازة هو الأصل في الفتنة “القابيلية” وجعلت هذه الفتنة غايتها هي بالذات انتزاع الأملاك، أراضيَ وكراسيَ، مناصبَ ومراكزَ، واتخذت وسيلتها إلى هذا الانتزاع القتل والقتل وحده.

تأسيساً على ما سبق، تورط المثقفون المنسلخون وأهل الفتنة “القابيلية”، في الأخذ بالمنظور الاحتيازي أو الامتلاكي، فأخفى عنهم هذا المنظور أبعاد القتل الوجودية، بل كان سبباً في تعاطي المثقفين أنفسهم نشر ثقافة القتل التي قامت عليها هذه الفتنة، بما يقتضي أخذ مسافة أو التحرر من هذا المنظور الاحتيازي إلى الأشياء، وهذه أولى المهام المنوطة بالمثقف المرابط، أي الانخراط في ما يُشبه تحويل جذري في الرؤية للعالم، مُستبدلاً بالرؤية الاحتيازية، رؤية تضادها، وهذه الرؤية المضادة إلى العالم التي يأخذ بها المثقف المرابط هي ما اصطلح عليه المحاضر بـ”الرؤية الائتمانية”، ما دامت أرضية المحاضرة تنهل من “النظرية الائتمانية” سالفة الذكر.

تفيد “الرؤية الائتمانية” أن المثقف يعقل الأشياء والقيم على جهة الإمكانات الائتمانية التي تنطوي عليها، جاعلاً من العقل نفسه أمانة، فالحق ليس مِلكاً وإنما أمانة، والعدل ليس مِلكاً وإنما أمانة، فضلاً عن الأشياء المحسوسة، ومرد ذلك أن معقولية الأشياء عند المثقف المرابط هي مأمونيتها أو ائتمانيتها، بينما معقوليتها عند المثقف المنسلخ هي مملوكيتها.

تورث هذه الرؤية المثقف البديل ثلاثة خصائص معُارِضة لخصائص الثقافة الاحتيازية: تجاوز رتبة الالتزام؛ وصل السياسي بالأخلاقي؛ وصل الديني بالإنساني، بما يقتضي بعض التوضيح، مع تجديد التأكيد أن التفصيل بالمراجع سيصدر لاحقاً في كتاب يضم النص الكامل للمحاضرة.

أ ــ نبدأ بالخاصية الأولى، أي تجاوز رتبة الالتزام، حيث اشتغل المحاضر على تقييم وتقويم أصل مفهوم الالتزام في معناه الثقافي، لأنه مفهوم أجنبي، وقد وضعه كما هو معلوم الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر، حيث عرَّف المثقفين بكونهم أولئك الذين اكتسبوا شهرة بأعمالهم التي تنتمي إلى مجال الفكر، واستغلوا هذه الشهرة للخروج من مجالهم والتدخل فيما لا يعنيهم، ويقصد بذلك الالتزام.

بخلاف هذا التعريف السارتري، يرى طه عبد الرحمن أن المرابطة الائتمانية عبارة عن ملازمة، والملازمة غير الالتزام بمعناه الأصلي من وجوه عدة، ذكر بعضها خمسة وجوه ضمن أخرى، ومن ذلك أن الملازمة اختيار، إذ تستند إلى تعريف الإنسان بكونه الحامل للأمانة، اختياراً لا اضطراراً، فيكون المثقف المرابط قد اختار الملازمة باختياره الأمانة. أما الالتزام، فقد ذهب مُنظره إلى أنه لا خيار لنا في أن نكون ملتزمين أو لا نكون؛

ومنها أن الملازمة هي الثبات في ثغر من الثغور بينما الالتزام هو اعتناق فكرة من الأفكار، وواضح أن الثغر الثقافي غير الفكرة الثقافية، إذ الثغر يدل على الموضع البين والمحدد، بحيث تكون علاقة المثقف المرابط بهذه الثغور علاقة خارجية، متعاملاً بفكره معها تعاملاً جغرافياً، بينما الفكرة هي عبارة عن موضوع ذهني؛ ومنها أيضاً أن الملازمة ليست عملاً سياسياً بالمعنى الاحتيازي بينما الالتزام عمل سياسي بهذا المعنى، إذ يصل إلى حد الانتماء الصريح إلى تنظيم حزبي مخصوص؛

ومنها كذلك أن الملازمة توجب مراقبة الذات بقدر ما توجب مراقبة الآخر، لأن واجب المرابط بالثغر الثقافي ليس فقط القيام بحراسته، مستبقاً الأضرار التي ترد منه فحسب، بل أيضاً اتخاذ هذه الحراسة حالة تأملية يختبر فيها قدراته ويمحص صبره وينقد ذاته، ولا سبيل إلى هذا التطوير إلا بالدخول في مراجعة المُسلمات، أما الالتزام، فيتطلب وجود صفوة من الناس أدركت من الرشد والمعرفة ما لم يدركه غيرها، فاستحقت أن تعتلي كرسي الحقيقة كأنها المُخلِّص الذي لا يشغله إلا إنقاذ الآخرين.

وأخيراً، أن الذي تتميز به الملازمة أنها تفتح الآفاق الإدراكية بما لا يفتحها الالتزام.

 

في وصل السياسي بالأخلاقي

ب ــ نأتي للخاصية الثانية، أي وصل السياسي بالأخلاقي، حيث توقف المحاضر الاعتقاد الذي طغى على الثقافة المنسلخة من أن السياسي منفصل عن الأخلاقي بدعوى أن الأول أمر مصلحي بينما الأخلاقي أمر قيمي، مُفنداً هذا الاعتقاد الباطل لاعتبارات ثلاثة على الأقل، لأنه قائم على مقدمات مغلوطة، أولاً: اعتبار السياسة حيازة، وهذا لا يصح إطلاقاً حسب طه عبد الرحمن، لأنه يجوز أن تكون السياسة أمانة يؤديها الإنسان ولو مع وجود التصرف بأمورها. والأمانة لا ملك معها؛ ثانياً: ردّ السياسة إلى المصالح، وثالثاً: بناء السياسة على العنف وأيضا هذا لا يصح بإطلاق.

كما اعتبر المحاضر أن المثقف حسب الرؤية الائتمانية، لا يُرابط في ثغر السياسة إلا لكي يتجاوزها إلى أفق التخليق، لأنه يروم التصدي لهذه الإرادة التسلطية المُحددة لماهية السياسة الاحتيازية؛ كما أنه هذا المثقف يتصدى للاستئثار بالحيازة القصوى الذي تمارسه الدولة، بأقوى مما يتصدى به للحيازة القصوى من غير استئثار التي تمثلها السياسة.

ج ــ فيما يتعلق بالخاصية الثالثة والأخيرة، وتفيد وصل الديني بالإنساني، فقد انتقد المحاضر طغيان اعتقاد آخر، مفاده أن الديني منفصل عن الإنسان بدعوى أن الأول أمر خصوصي بينما الثاني أمر عمومي، والحال أن هذا الاعتقاد ينبني على مُسَلمات مستخلصة من تجربة أهل الغرب التاريخية مع الدين، بمقتضى أنه لا حقيقة في الدين، لأن الدين خرافة، وأنه لا تمايز بين الأديان، وأخيراً، لأنه لا عموم في الدين يعني أنه شأن خاص.

وهنا يبرز دور المثقف من منظور ائتماني ــ أي “المثقف المرابط” حسب اصطلاح المحاصر ــ لأنه مُطالب بأن يصل القيم الأخلاقية بالأسماء الإلهية، عبر المساهمة في فتح باب الدين ليكون مجالاً لتحقق كمال المؤانسة، وتحقيق كمال المُعالَمة.

الأصل في الثقافة أن تكون إنتاجاً إنسانياً وعالمياً

من خصائص المثقف المرابط أيضاً، أنه يُؤسس الثقافة على الدين، بمقتضى ميثاق الأمانة، أي ائتمان الإنسان على القيم المشتركة بين الدين تشريعاً والإنسان فطرة، وبالنتيجة، لا يُصبح الأصل في الثقافة أن تكون إنتاجاً قومياً أو محلياً، وإنما أن تكون إنتاجاً إنسانياً وعالمياً، وحينها يفتح المثقف المرابط الثقافة على آفاق تتعدى المجتمع الواحد إلى غيره من المجتمعات.

بخصوص تفاعل المثقف المرابط مع تحدي الفتنة بين الإخوة، فيقتضي ذلك حسب طه عبد الرحمن، أن يبدأ مواجهته للفتنة “القابيلية” بالتصدي لفاسد الأفكار، أي التصدي لأولئك الذين يُبرّرون الاقتتال بين الإخوة أو يروجون له أو يشجعون عليه وهم الفئة المنسلخة من المثقفين. وهما فئتان عظيمتان: المثقفون الديانيون، [يقصد التيار الإسلامي الحركي]، والمثقفون الدنيانيون [يقصد التيار العَلماني] مستخرجاً لائحة مبادئ أساسية لهذه العملية التي اصطلح عليها بـ”ثقافة الإحياء”، منها: مبدأ اعتبار الإيذاء عملاً اختيارياً لا اضطرارياً؛ مبدأ اعتبار قتل الأخ لأخيه قتلاً للإخوة جميعاً، مبدأ تقديم الإحسان على العدل، مبدأ الخروج من السياسة الاحتيازية، وقاعدته كالتالي: لتؤسس تصوراتك السياسية وتصرفاتك التدبيرية على كونك مؤتمناً على الأشياء باختيارك لا مالكاً لها، ويستند هذا المبدأ بدوره على مبدأين آخرين: مبدأ الاستباق إلى رد الأمانة، ومبدأ الإشفاق من مبدأ تحمل الأمانة، معتبراً أن من شأن هذين المبدأين الإحيائيين أن يُخرج السياسيين من التنازع عن التدبير، الذي هو السمة الاحتيازية.

أعدها للنشر: منتصر حمادة

……..

المرجع: مجلة “أفكار”. الرباط، العدد 24-25، أبريل/مايو 2018.