dr taha
مستجدات

طه عبد الرحمن.. الوجود شاهد ومشهود

الأربعاء 26 مارس 2014

ينشر الموقع الكلمة التي ألقاها طه عبد الرحمن على هامش الجلسة الختامية لأشغال الندوة الدولية التي احتضنتها مدينة أكادير يومي 26 و27 فبراير 2014، في سياق الاحتفال بمشروعه العلمي، في لقاء نظمته كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة ابن زهر أكادير، بالتعاون مع مختبر القيم والمجتمع والتنمية ـ أكادير؛ مختبر الترجمة والمعرفة ـ مراكش، وفريق البحث في التعليم والترجمة ـ أكادير.
وجاءت هذه الكلمة في سياق تفاعل المُحتَفى به، مع الشهادات التي ألقاها في حقه العديد من المفكرين والباحثين، من الذين ساهموا بكلمة احتفالية بشخص ومشروع طه عبد الرحمن.
…..
بسم الله الرحمن الرحيم
الوجود شاهد ومشهود

إن “الشهادة” آية كبرى كلما ازددتَ فيها تأمُّلا، ازددت تعجُّبا! ومِن أعجب ما فيها أن لها، من ذاتها، تسلسلا أشبه بتسلسل الأعداد؛ فمن حضر، فقد شهِد؛ ومن بيَّن حضوره، مخبرا به، فقد شهِد؛ ومن حضر لهذا البيان، فقد شهِد؛ ومن بيَّن حضوره لهذا البيان الأول، مخبرا به، فقد شهِد؛ فكل حضور يُسلمك إلى بيان، وكل بيان يُسلمك إلى حضور كما يُسلمك العدد إلى تاليه، ويسلمك العددُ التالي إلى تالي التالي، وهكذا إلى ما لا نهاية (1)؛ فالحاضر، أيا كانت رتبته، شاهد؛ والمبيِّن، أيا كانت رتبته، شاهد؛ وهكذا، لا يزال الإنسان يتقلب في الشاهدين، حاضرا أو مبيّنا، ما شاء الله له أن يبقى موجودا، كأنما الوجود كله شاهد ومشهود.
وأنا، وإن حضرت شهادات البيان الأولى كما حضرتم، فقد لزمني دونكم أن أُبيِّن حضوري لهذه الشهادات، أن آتي ببيان على بيانات، أي أن أشهد على الشهادات؛ (2) وهيهات أن أوفي هذه الشهادة البيانية الثانية حقها؛ فالأصل في شهادة البيان، أيا كانت درجتها، أن لا تكون قولا من جنس الاستدلال، وإنما من جنس يعلوه، حتى إنها تأتي في المنزلة الثانية بعد الوحي من منازل القول، وما ذاك إلا لأن الحقيقة التي تنقلها ليس حقيقة برهانية مجرَّدة، وإنما حقيقة حيَّة امتزج فيها البرهان بالوجدان، بل امتزج فيها العقل بالروح، حتى عادت إلى أصلها في الفِطرة الأولى حيث اتحاد المدارك واتصال العالَمَين، فكانت حقيقةً موصولة، حقّا، بالأفق الأعلى؛ وحسْبُ الشهادة قدرا أن تنزل منزلة الكلام الأول الذي صار به الإنسان في عالم الشهادة كما في عالم الغيب إنسانا حقا!
وإذا كان حَمْل الشهادة أثقل من إقامة الاستدلال درجات، فما الظن بالشهادة التي تشهد على الشهادات! فلا أتصور مطلقا أن أطيق النهوض بآدابها، عمقا في المعاناة وخلوصا في الصدق وجزالة في العطاء، ناهيك عن شرائطها، تحيةً وتزكية وعدالة؛ لكن، مع ثبوت قصوري في أداء هذه الشهادة، يبقى أن في مِثل هذا الأداء من أسباب تزكية العلاقة بين الشاهدين، أهلَ حضور كانوا أو أهل بيان، ما يجعلني أجرؤ على الإدلاء بشهادتي، حتى ولو لم أرْقَ إلى رتبتها.
فأوّل القول بصددها هو أن شهادتي هذه تفتح علاقتي بالشاهدِين على مداها الأصلي، ومداها الأصلي إنما هو “الإنسانية” قاطبة؛ فلئن كانت هذه الشهادة تقوِّي أسباب الصلة بيني وبين الشاهدين المجتمعين في هذا المحفل الكريم، فإنها، في الآن نفسه، تصلني بالناس كلّهم حيثما كانوا وأنىَّ كانوا وكيفما كانوا؛ إذ تذكّرني بأن الحق سبحانه جمعهم، في عالم الغيب، جمعا وألهمهم علما، وجعلهم يشهدون بربوبيته طُرّا؛ فكأني، وأيم الله، وأنا أشهد على شهاداتكم، أجدّد، في عالم الشهادة، جوابي لربي في عالم الغيب؛ فأشكر لكم متعة تذكيري بلقائي الأول بربي يوم أن كان الناس أمة شاهدة واحدة؛ وكذلك أشكر لكم فرحةَ تنبيهي على قريب لقائي الثاني بربي في يومٍ مشهود، يومَ يكون الناس أزواجا ثلاثة مشهودة: مقرَّبين وأهلَ يمين وأهلَ شمال.
كما أن شهادتي تُرجع العلاقة بيني وبين الشاهدِين إلى أصلها الأول؛ وأصل هذه العلاقة الأول إنما هو “الأمانة”؛ ذلك أن الأمانة توجب أن لا يُضيف الشاهد المشهودَ، أيا كان، إلى نفسه، ولا، بالأوْلى، أن يملكه، وإنما أن يرعاه باعتباره وديعةً ائتُمِن عليها؛ ولما كان الشاهد لا يملك المشهود الذي أُودع لديه، ، فليس له من سبيل إلى أن يُورّثه لغيره؛ بل إن هذه الوديعة المشهودة تطفح دلالةً على مودعها الأعلى وتفيض على الشاهد، وتبدو وكأنها هي التي تملك من يشهدها وتُرسله شاهدا عليها، حتى إن الشاهد متى تشبّعت مداركه بمعنى الأمانة، شهد المودِع قبل أن يشهد وديعته؛ فأشكر لكم أن صرتُ أشعر بأني مؤتَمَن على شهاداتكم، أرعاها لكم كما تُرعَى أماناتُكم.
وكذلك هذه الشهادة مني تعيد علاقتي بالشاهدين إلى مقصدها الأول، ومقصد هذه العلاقة الأول إنما هو “الغيرية”؛ إذ الغيرية تقتضي أن لا تكون علاقتي بذاتي علاقةً مباشرة، وإنما علاقة بواسطة؛ وهذه الواسطة ليست إلا علاقتي بالشاهدين، ذلك أن شعور الشاهد بذاته يكون فيها، لا شعور من ينفرد بوجوده، منغلقا على عالمه، وإنما شعور من يزدوج بوجود غيره، منفتحا على عوالمهم؛ وهكذا، فإذا أدلى الشاهد بشهادته، فإنه يُعرِّف المشهود بذاته، بحيث تغدو هويةُ المشهود تتخللها غيريةُ الشاهد؛ لكن الشاهد، هو بعينه، لا تبقى ذاته بمنأى عن شهادته، بل إنه، من خلال تعريف المشهود بذاته، يتعرّف، هو الآخر، على ذاته، بحيث تغدو هويةُ الشاهد، هي الأخرى، تتخللها غيريةُ المشهود؛ وعلى قدر شعور الشاهد بالغيرية يكون نسيانه لهويته، حتى إذا كانت هذه الغيرية مطلقة كما هي الغيرية الإلهية، فني الشاهد بالكلية عن هويته؛ ولولا هذا النسيان المطلق أو قل هذا الفناء، ما ترقَّى الشاهد عن رتبته إلى رتبة “الشهيد”؛ فأشكر لكم أن جعلتموني أنسى نفسي بما لا أنساها لو أنكم شهدتم ولم أشهد، وأذكر غيري بما لا أذكره لو أني شهدت ولم تشهدوا.
ثم إن هذه الشهادة تجعل علاقتي بالشاهدين تتخذ صورتها الأصلية؛ وصورتها الأصلية إنما هي “الصحبة”؛ فالصحبة رتبة في العلاقة تعلو على رتبة “الزمالة”، بل تعلو على رتبة “الصداقة”؛ فالزمالة لا توجب شهادة؛ والصداقةُ، وإن أوجبتها، فإنها لا توجبها إلا من طرف واحد؛ فالصديق شاهد، لكن شهادته تبقى غيرَ مشهود عليها؛ بينما الصحبة توجب الشهادة والشهادة على الشهادة كِلتَيهما، وهذا الازدواج للشهادة بالشهادة عليها في هذه الرتبة الثالثة من العلاقة هو الذي يجعل الأمانة والغيرية تجتمعان فيها بما لا تجتمعان في علاقةٍ غيرها؛ فالصاحب لا يملك صاحبه، وإنما يرعاه كما يرعى الأمانة المودعة عنده، بل يرعاه خير ما تكون الرعاية، لأن الصاحب ليس أي واحد من الناس، وإنما شخص أيقَنَ مَن اتخذه صاحبا أنه مثال في الإنسانية والأخلاقية، فاختاره من أجل ذلك؛ كما أن الصاحب، على شدة اتصاله بصاحبه وقربه منه، لا يمتزج به ولا يتحد، وإنما يحفظ حماه فلا يتخطاه، حدودا أو حقوقا، حتى يحفظ لهذا الصاحب المختار منصب الشهادة، إذ لا شهادة بدون غيرية كما أنه لا شهادة بغير أمانة.
وهل كان النبي الخاتم يدعو أنصاره أصحابا لولا وجود الشهادتين في علاقته بهم: فقد شهدوا على صدق رسالته وشهد على شهادتهم! بل أعظم من هذا، إن الصاحب يخصه الخالق، سبحانه، بصحبة من عنده، ألم يقل هذا النبي الأكرم لصاحبه: “لا تحزن إن الله معنا”! فصحبة الإنسان إنما هي من صحبة الرحمان؛ فلا يسعني، أيها الشاهدون الكرام، أهل حضور كنتم أو أهل بيان، إلا أن أعبّر لكم عن عظيم الامتنان، فقد مكّنتموني من خرق الحجابين: حجاب الزميل الذي لا يَشهد ولا يُشهد، وحجاب الصديق الذي يَشهد ولا يُشهد، وأنزلتموني، من ورائهما، رتبة الصاحب الذي يَشهد ويُشهَد، على أن ذلك ليس من كسبي ولا من كسبكم، وإنما هو فضل يؤتيه المنّان لمن يشاء، فله الحمد كله والشكر كله. والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
..
1 ـ سوف يلاحظ القارئ أني أجمع عن قصد، في هذه الكلمة، بين معنيين للشهادة، وهما: “شهود الشيء” و”الشهادة على الشيء”، بحيث يزدوج معنى “شاهد الشيء” بمعنى “الشاهد على الشيء” كما يزدوج معنى “المشهود” بمعنى “المشهود عليه”؛ وقد استعملت لفظ “المشهود” هاهنا للدلالة على المعنيين الأخيرين معا، جريا على عادة الناطق العربي في اختصار المفعولات المتعدية بالحروف بحذف هذه الحروف متى أمن اللبس؛ ولعل القارئ يظفَر بالأسباب الفلسفية التي هي من وراء هذا الجمع، في لفظ واحد، بين مستوى الوجود ومستوى اللغة في كتاب روح الدين.
2 ـ المقصود بـ”الشهادة على الشهادات” هاهنا هو جواب الشكر عن الشهادات السابقة؛ فإذن لا علاقة له بالمصطلح الفقهي والقانوني: “الشهادة على الشهادة”، والمراد به أن ينيب الشهود الأصليون من يؤدي الشهادة عنهم لمانع حال بينهم وبين أدائها بأنفسهم.