dr taha
المحاضرات

طه عبد الرحمان ينتقد فصل الدين عن الأخلاق ويطرح البديل الائتماني

السبت 18 مايو 2013

بعد أن غيبه المرض عن الساحة الثقافية والفكرية لخمس سنوات، عاد المفكر والفيلسوف المغربي طه عبد الرحمان ليقدم محاضرة، أول أمس السبت 18 ماي الجاري، بالمكتبة الوطنية بالرباط، حول “أخت العلمانية وفصل الدين عن نفسه”، في افتتاح مركز مغارب للدراسات في الاجتماع الإنساني، الذي دعا إلى تأسيسه منذ سنة مجموعة من الباحثين والمفكرين المغاربة، وجاء ثمرة لمجموعة من الحوارات والنقاشات حول الإشكالات الفكرية والمجتمعية، التي أفرزتها التحولات المحلية والإقليمية والعالمية في مختلف أبعادها، والتي انتهت إلى التأكيد على أهمية وضرورة الوقوف على الجذور التاريخية والمعرفية والقيمية للنظام الدولي.

وفي هذه المحاضرة الافتتاحية، التي حضرتها جموع غفيرة من الأساتذة والباحثين المتتبعين لجديد فيلسوف الأخلاق وفقيه الفلسفة، والمدافع عن الفلسفة وروح الدين، وجه طه عبد الرحمان انتقاده للعلمانية وفصل الدين عن الأخلاق، مؤكدا أن “الدين والأخلاق لحمة واحدة، لا سبيل إلى فصل الواحد عن الآخر، لأن الدين بلا أخلاق ليس دينا، والأخلاق بلا دين ليست سوى أخلاق بهيمية”.

وأضاف صاحب كتاب “روح الدين: من ضيق العلمانية إلى سعة الائتمانية” أنه لا متنفس للأخلاق خارج هامشِ الدين، مشيرا إلى أن العلمانية من أبرز الآليات، التي ارتكزت عليها الحداثَة في إقامة مشروعها الدنيوي، القائم على فصل المتصل، أي فصل الدين عن مختلف مجالات الحياة، حيث عمدت العلمانية إلى تعطيل قانون الدين في مجالات الحياة الدنيوية، وفصلته عن العلم، والفن، والقانون، والسياسة، والأخلاق، حتى تستقل بنفسها، هذا مع العلم أن الدين برأيه كان على الدوام متصلا بكافَّة مجالات الحياة.

وأوضح طه عبد الرحمان أن أشد هذه الفصول خطرا، هو فصل الدين عن الأخلاق، لأنه ينعكس على صلة الدين بالإيمان، ويفتح المجال لأنماط سلوكية تصادم الوجدان قدر مصادمتها للعقل، مثل أخلاقية بلا روحانية أو ألوهية، ناهيك عن التمتع بروحانية بلا إيمان، أو الأخذ بالدين بلا دين، أو الكون مع الدين بلا إله، وهو ما جعله ينعتها بالدهرانية، ويعتبرها أخت العلمانية، لأنها تفصل الدين عن الأخلاق، وتلبسه لباسا زمنيا، بدل لباس الأخلاق.

وحتى لا يترك الحاضرين في حيرة من أمرهم في القضايا التي قدمها، والتي اعتمد فيها على العديد من المسلمات والمنطلقات المستمدة من الفكر الغربي من روسو، وكانط، إلى لوك فيري، عمد المفكر المغربي عمد عبد الرحمان إلى طرح البديل كعادته، وهو المتمثل في النموذج الائتماني، الذي يرى أنه النموذج الأسلم، الذي لا يتصور الأخلاق بلا دين، على عكس النماذج الأربعة، التي استعرضها وهي الطبيعي، والنقدي، والاجتماعي، والناسوتي، التي تبقي على مسلمتي التبدل الديني، والتخلق المزدوج، وتستبعد مسلمة الآمرية الإلهية، التي تأتمر بما أمر الله، سواء عقل به عقل الإنسان أم لم يعقل، ويبين عبد الرحمان أن سبب استبدالها أو رفضها لمسلمة الآمرية الإلهية، يكمن في علاقة الإنسان الفاسدة بخالقه، والإنسان بالعالم، وهذا ما يحتم برأيه اللجوء إلى نموذج جديد، هو النموذج الائتماني، الذي يختص بخمسة مبادئ هي: الشاهدية، والآياتية، والإبداعية، والفطرية، ثم الجمعية، حيث تتحول الأخلاق إلى مراتب جمالية، لأن الدين بجمعيته، كما يقول، أخلاق. وحول فرضية دعوته إلى الدولة الائتمانية بدل العلمانية، من خلال النموذج البديل الذي يطرحه في هذه المحاضرة، ذكر الفيلسوف المجدد طه عبد الرحمان أثناء المناقشة، أنه ليس رجل سياسة، وأنه يقدر أهلها المخلصين، ولا يفكر أبدا في إنشاء طار سياسي من خلال كتبه وأفكاره، بل هدفه الأسمى هو الوصول إلى الحقيقة، وأن يجهر بها ولا يخشى فيها لومة لائم، وإذا تأثر بها السياسيون فلا بأس، كما اعتذر عن انتقاده اللاذع للمفكر الراحل محمد عابد الجابري، الذي دعت إليه، كما يقول، الضرورة العلمية والفكرية.

وبخصوص مركز مغارب للدراسات في الاجتماع الإنساني، الذي يرأسه الباحث مصطفى المرابط، ويتكون مكتبه من الأساتذة: محمد بنصالح، وخالد حاجي، وعبد العزيز برحمون، ومحمد دهشور، وعبد السام الفتوح، وجواد الشقوري، وإدريس رحاوي، فهو مؤسسة فكرية بحتة مستقلة، لا تتوفر بعد على مقر، تسعى إلى الإسهام في بناء فضاء تسوده قيم المشترك الإنساني، ومبادئ التنوع والتعدد والتعارف والحوار اعتمادا على البحث والتكوين، ويطمح المركز، كما أشار رئيسه، إلى تأسيس عمل فكري جاد وفعال قادر على تنظيم الكفاءات البشرية بمختلف تخصصاتها، والنهوض بالفكر النقدي والتجديد الثقافي، والإسهام في تضييق الفجوة بين المعرفة ومختلف الممارسات المجتمعية، والارتقاء بالعمل الفكري من مستوى الممارسة الفردية إلى مستوى الممارسة الجماعية.

الرباط: سعيدة شريف
المصدر: جريدة الأخبار، الدار البيضاء، 20 ماي 2013