dr taha
مقالات عن طه

طه عبد الرحمان .. فيلسوف الأخلاق وعبد الخفاء

الأحد 21 يوليو 2013

اسمه ذو رنة مشرقية لا تخطئها الأذن، رغم أن الرجل مغربي قح، فهو رُداني الأصل ودكالي المنشأ، فقد رضع من أثداء الرودانيات الحليب الذي يُمزَج به تواضع الهامات السامقة، وأخذ من أرض دكالة شموخ العظماء غير مُتكبر، وعطاء الكرام غير مجذوذ.

ولا تخطئ العين التواضع الرهيب للفيلسوف المغربي الذي يحرص أيما حرص على “الفرار” من الأضواء والتعاطي مع صحافة وإعلام بلاده، كأنه يطبق المقولة المأثورة عن ابن القيم الجوزية “من أراد الظهور فهو عبد الظهور، ومن أراد الخفاء فهو عبد الخفاء، أما من أراد الله وهو عبدٌ له، فهو الذي إذا شاء أظهره وإذا شاء أخفاه، لا يختار لنفسه ظهورا”.

إنه المفكر والفيلسوف الدكتور طه عبد الرحمان، رائد المنطق والأخلاقيات، والملقب بـ “فيلسوف الأخلاق” أحيانا، و”فقيه الفلسفة” أحيانا أخرى، والذي يعد من القامات الرفيعة في سماء الفكر والمعرفة في المغرب والعالم الإسلامي، وهو المقام الذي لم يشفع له عند قطاع عريض من المغاربة الذين حتى لم يعلموا بأن مفكرهم الفذ عانى من أزمة صحية شديدة تطلبت تنقله إلى أمريكا للعلاج منذ أسابيع خلت.

مسار حياة

ولد طه عبد الرحمان في مدينة الجديدة سنة 1944، متنفحا عبق مطالبة المغاربة باستقلال البلاد من ربقة الاستعمار الفرنسي الغاشم، وفي عاصمة منطقة دكالة تابع طه دراسته الابتدائية، وبعدها انتقل إلى المدينة المجاورة الدار البيضاء ليكمل فيها دراسته الثانوية، ليحول وجهته صوب العاصمة الرباط حيث حصل على شهادة الإجازة في الفلسفة.

كان الطالب طه قد أبان عن نباهة لافتة ترتكز على القدرة الفائقة في التحليل والاستنباط المنطقي للأشياء، جسَّدها أكثر في دراسته الجامعية التي قضاها في جامعة السوربون بفرنسا، وعلى مدرجاتها حصل على إجازة ثانية في الفلسفة ودكتوراه السلك الثالث عام 1972 متوجا بحثه الذي أفرده لموضوع “اللغة والفلسفة: رسالة في البنيات اللغوية لمبحث الوجود”، ثم حصل على دكتوراه الدولة عام 1985 عن أطروحته “رسالة في الاستدلال الحجاجي والطبيعي ونماذجه”.

وطه عبد الرحمان يشبه الطيور الوفية التي تعود دوما إلى أعشاشها حيث ترعرت، إذ بعد أن اغترف من علوم الفسلفة وفنونها ما شاء الله له أن يغترف، عاد الفيلسوف إلى حضن وطن خلال السبعينات من القرن المنصرم ليقوم بتدريس الطلبة دروس المنطق في جامعة محمد الخامس بالرباط.

ولأن نبوغه الفكري لا يمكن إلا أن تنحني له الهامات أينما حل وارتحل فإن الرجل حصل من ضمن ما حاز عليه على جائزة المغرب للكتاب مرتين، وجائزة الإسيسكو في الفكر الإسلامي والفلسفة عام 2006، كما أنه عمل أستاذا زائرا في العديد من الجامعات المغربية، وتقلد عضوية الكثير من الهيئات والجمعيات الفلسفية في العالم، كما أنه عضو محكم ومستشار في عدد من المجلات العلمية، وهو أحد مؤسسي اتحاد كتاب المغرب، ومن خيرة خبراء أكاديمية المملكة المغربية.

تواضع من غير منقصة

واعتاد طه عبد الرحمان ألا يلتفت، بالرغم من الحظوة العلمية والفكرية الباذخة التي اعترف له بها البعيدون قبل القريبين داخل وخارج البلاد، إلى عدسات المصورين ولا إلى أقلام الصحفيين، فهو يبدو كمن لا يكترث بهذه “القشور” التي تصده عن استكمال مساره المعرفي والفلسلفي المتميز.

وُعرف عن طه عبد الرحمان، وفق إفادات طلبته والقريبين من محيطه، بأنه كثير التأمل لا يتحدث غلا لماما، وعندما يتكلم فإنه يُجبر الآخرين على الإنصات كأن الدرر تخرج من فيه لا جملا عادية، فقد برع بحكمته التي زينت آراءه وأفكاره من طول تفحصه لكتب العلماء والفلاسفة.

ويقول عدد من طلبته الذين أضحوا أساتذة ومتخصصين في مجالاتهم الفكرية والثقافية بأن الرجل سهل وطيع بدون ضعف، ومتواضع من غير ذل، كأنه ـ وهو المشهور عنه انتصاره لفسلفة الأخلاق ـ يعيش الحديث المأثور : “طوبى لمن تواضع من غير منقصة، وذَلَّ في نفسه من غير مسكنة”.

وكم مرة شوهد طه عبد الرحمان في محاضراته التي يلقيها بالجامعات والمراكز العلمية بالمغرب، وقد جلس متواضعا بدون “أبهة” ولا بطولة زائفة كأنه ليس صاحب المحاضرة، بل إنه كثيرا ما يحرص على مغادرة كرسيه في منصة الندوة ليستقبل الزوار من يعرف ولا يعرف أحيانا.

صوفية طه اختيارية

كثيرون يرجعون السلوكيات الراقية للفيسلوف المغربي طه عبد الرحمان إلى مرجعيته وتربيته الصوفية، خاصة في أحضان الزاوية البودشيشية، وهو ما يقر به الرجل الذي يعترف بأفضال التربية الروحية التي يزكيها التصوف في بلورة تصوراته الفسلفية ومعاملاته في الحياة.

الدكتور عباس ارحيلة، صاحب كتاب “نظرات في مشروع طه عبد الرحمان”، أفرد حيزا لأوجه التشابه بين فيلسوف الأخلاق طه وبين الفيلسوف الإسلامي الغزالي، ومن ذلك أنهما جاءا معا في أتون شعور سائد بالهزيمة النفسية والذهنية لدى العرب والمسلمين، وأيضا تمردهما على أشكال التقليد في الفكر، وتركيز فلسلفتهما حول الدين الإسلامي في عمقه الروحي والأخلاقي”.

ومن مظاهر التشابه أيضا بين طه والغزالي، وفق ارحيلة، نشأتهما معا في أسرة صوفية باعتبار “الحاجة النفسية إلى الطاقة الروحية في إنجاز مشروعهما الفلسفي، ورغبتهما في خلق التوازن بين البرهان العقلي والصدق الإيماني”.

وقد تحدث طه عبد الرحمان يوما عن صوفيته التي تختلف في بعض الركائز عن صوفية الغزالي عندما قال: “لا يجمعني أنا والغزالي إلا خوض غمار الصوفية؛ فلم أدخل فيها فارّاً ولا شاكّا كما دخل فيها؛ ذلك أن الغزالي فرّ إلى التصوف اضطرارا، بينما أقبلتُ عليه اختياراً”.

وأردف طه “كان إقبالي على التصوف لسببين، أولهما: أردتُ أن أُقوّيَ صلتي بالله حبّاً فيه لذاته، لا فراراً من غيره، بل كانت هذه المتعة أكبر من أنشغل بسواها، والسبب الثاني هو أن أتحقق من طبيعة المعاني التي هي فوق طور العقل الفلسفي، هل هي غير عقلية كليا أم أنها عقلية بوجه ما؟”.

مشروع طه المعرفي

الباحث في الكاتب والباحث في شؤون الحركات الإسلامية منتصر حمادة قال، في حديث مع مجلة هسبريس، إنه من الصعب تلخيص مشروع طه عبد الرحمن المعرفي، بحكم أنه حرر في “فلسفة الدين”، وفي “فقه الفلسفة”، وحرر أيضا في المنطق، حتى أنه يوصف برائد الدرس المنطقي في المجال التداولي المغربي، وأيضا في الأخلاقيات، وهو الملقب بـ”فيلسوف الأخلاق”.

في الصنف الأول من التصنيف، يقول حمادة، نجد مؤلفات طه عبد الرحمان المرجعية التي تحمل عنوان: “العمل الديني وتجديد العقل”، “في أصول الحوار وتجديد علم الكلام”؛ و”روح الحداثة”، وخاصة “روح الدين”.

وفي الصنف الثاني، يضيف الباحث ذاته، نجد “فقه الفلسفة” (الجزء الأول والثاني)، و”الحق العربي في الاختلاف الفلسفي”، ثم “الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري”.

وفي الصنف الثالث، نجد بالدرجة الأولى كتابه الشهير والعصي على الهضم والفهم عند المتخصصين، فبالأحرى عند غير المتخصصين، أي كتابه “اللسان والميزان أو التكوثر العقلي”، والصادر سنة 1998، ولا يستقيم الخوض في واقع الدرس المنطقي اليوم في مجالنا التداولي العربي، دون الاستشهاد بهذا العمل بالذات على غرار الاستشهاد بأعمال الراحل إدوارد سعيد مثلا، عندما نتحدث عن الاستشراق. وأخيرا في الصنف الرابع نجد كتابه “سؤال الأخلاق”، و”سؤال العمل”.

“الأخلاق هي الحل”

وبخلاف الذين يرفعون شعار “الإسلام هو الحل” من أبناء التيار الإسلامي الحركي، أو “الإسلام هو المشكلة” من لدن التيار العلماني، فإنه يمكن اختزال ـ لو جاز هذا التعبير ـ المشروع العلمي لطه عبد الرحمان في كونه مشروع لفيلسوف مُجدد يرفع شعار “الأخلاق هي الحل”، في معرض تبني مشروع إصلاحي إسلامي المرجعية” يورد منتصر حمادة للمجلة.

أما في مشاريعه الفلسفية، يكمل المتحدث، فإن الأمور معقدة للغاية، رغم أنها بديهية لديه، مادام قد وجد ضالته وراحته في ثنائية “الكتابة ـ الحرية”، وهي برأيه، نعمة/ راحة نفسية/ روحية ما بعدها نعمة.

وبالنسبة لمنتصر فإن “الأخلاق هي الحل” هي ما يصطلح عليه طه عبد الرحمن بـ”العمل التزكوي”، كما جاء في آخر أعماله الصادرة في غضون مطلع العام الماضي 2012، أي “روح الدين”، و”سؤال العمل”، وكما جاء أيضا في أحد أعماله المؤسسة: “العمل الديني وتجديد العقل”.

وخلص الباحث إلى أن “المرجعية الأخلاقية لهذا الفيلسوف المجدد لا تحول دون أن يُصبح علامة فارقة ومفصلية في التنظير الفلسفي العربي الراهن، حتى إنه يعترف بفضل هذه المرجعية في هذا التنظير، كما نقرأ على الخصوص في كتابه “العمل الديني وتجديد العقل”، وهذا أمر عصي على الفهم عند الذين تشبعوا بعقليات متصلبة عقديا أو إيديولوجيا، سواء كان التصلب دينيا أو مادي المرجعية”.

حسن السرات*: هذا هو طه..الفيلسوف والإنسان

الفيلسوف والإنسان يلتقيان في القرآن والحياة، فالخطاب الفلسفي والمنطقي عند طه عبد الرحمن ليس بعيدا عن القرآن والحياة، بل هو من صلبهما خرج وفيهما عرج؛ فكثير من المفاهيم الفلسفية التي نحتها طه بجدارة وعلم واجتهاد تولدت في باطنه الروحي أو روحه الباطني، وهو معتكف في الآيات والسور. وما أن يبدأ القارئ لطه في القراءة أو الاستماع إليه حتى يدرك أن لحديثه طلاوة وعليه حلاوة، وأنه ليس من صنف الأحاديث الجافة والمبهمة، ثم إن طه منظم غاية التنظيم في الفكر والقول، ومحكم غاية الإحكام في الاستدلال والاستنتاج.

وطه في الحياة والعلاقات هو طه في الفكر والإبداع. رجل متواضع جدا نافر من الأضواء والكراسي البارزة، ليس بطامع في متاع من أمتعة الحياة الدنيا. مشفق على نفسه وعلى من معه غاية الإشفاق. لو أراد أن تكون له العمارات والحسابات والصخب والجلبة والضجيج لكان ذلك عنده ميسورا وكبيرا، ولكنه آثر الله والآخرة. بل إنك إذا اقتربت من الرجل وجدت فطرة وبراءة الطفولة وابتعادها عن التكلف والتصنع. ولعلمت أن جسد الرجل في الحانوت وقلبه في الملكوت. يتحدث إليك من الآخرة وهو في هذه الدنيا، فقد غادر وسافر، وهو هنا مجرد زائر وعابر.

وطه شاعر مرهف جدا حتى يخيل إليك من رقته وعذوبته وإنسانيته وروحانيته أنه كائن زجاجي عجيب لا شحم فيه ولا عظم، ولا طين ولا صلصال، بل تدرك أن الرجل من شدة رقته ومعراجه أتعب البدن فلم يعد يتحمل النور العظيم، فذابت الأشكال وتزينت الأعمال، وتطيبت الأقوال، عندها تتساءل “هل أنا مع كائنات الملأ الأعلى في المسكن الأدنى، أم أن الذين في السماء تدلوا ليكونوا مع الذين في الأرض، وجميعهم لهم مقام معلوم”.

_________________________

*كاتب ومهتم بفكر طه عبد الرحمان

 

حسن الأشرف - هسبريس