dr taha
مقالات عن طه

شروط الإبداع : هوامش على متن محاضرة طه عبد الرحمن حول الإبداع

السبت 23 نوفمبر 2013

في إطار أشغال ورشة علمية، نظمها مركز “مغارب للدراسات في الاجتماع الإنساني” نهاية الأسبوع الماضي بضواحي مدينة سلا المغربية، حاضر الفيلسوف المُجدد طه عبد الرحمن في موضوع “شروط الإبداع”، ولَخصّ أهداف البحث العلمي في حفظ الإنسان وحفظ الإيمان وحفظ التجديد.

تكفل بعض الحضور بنشر تقرير إخباري بأهم ما جاء في المحاضرة القصيرة، والنوعية لصاحب “فقه الفلسفة” و”سؤال الأخلاق” و”روح الدين” وغيرها من الأعمال المرجعية.

على هامش المحاضرة، تفضل الحضور الكريم بطرح مجموعة من الأسئلة على طه عبد الرحمن، وفيما يلي بعض المقتطفات من الأجوبة التي جاءت على لسان المحاضر، وسوف نقتصر على عرض مضامين الأجوبة كما جات حرفيا، مع بعض التصرف الذي لا يخل البتة بمضامين الأجوبة. والله الموفق.

ــ أول من فصل بين الدين والعلم هو ابن رشد، ومنذ تلك الحقبة، أصبحنا نسمع مثلا أنه “لا أخلاق في العلم”، وأن العالم لا يشتغل بالآيات، وإنما بالظواهر التي سوف تُحدد القوانين… [ومع هذا المنعطف]، أصبح الإيمان ظاهرة من الظواهر، يُدرس كما تدرس الظواهر الطبيعية… [وواضح أن] هذا التصور للعلم ليس تصورا علميا، وإنما تصور فكراني/ إيديولوجي.

كل ما ينبني على العلم مُخاصم للحقيقة الإلهية، وهذه مخاصمة مضرة بالإنسانية.

ــ [الإشكال الآخر مع ابن رشد]، أنه حاول القطع مع التأثيرات الإسلامية في النصوص الفلسفية، و[اجتهد في] صرف كل المحاولات التي أجراها الغزالي وابن سينا والكندي وغيرهم، و[من هنا أهم أسباب] تبني الغرب لابن رشد.

ــ المدخل الرئيس للإبداع هو وضع المفاهيم، وقد اجتهدت، وقد أصيب أو أخطأ، في إمداد القارئ بوسائل ضبط المضمون.

ومن أجل إبداع المفهوم، ينبغي أن تكون هناك حاجة بحثية لإبداع المفاهيم، تليها وضع أوصاف إجرائية لهذا الإبداع، وتنتهي باختبار المفهوم في استخلاص بعض النتائج.. [على أن خدمة] الإبداع تتطلب التخلص، مما وصفه أحد المتدخلين الأفاضل بعبارة “الفتنة المفهومية” الموجودة في الساحة، وهي فتنة تخلق عقولا غير سليمة.

ــ ليس هناك فكر إسلامي حديث، لا زلنا نتصور الإسلام في أنه مجرد فقه ودعوة وفتاوى.. الفكر الإسلامي لا وجود له، رغم وجود الجامعات والمعاهد، بخلاف ما هو موجود في الغرب، حيث نجد أنماطا من الفكر… لا يوجد لدينا فكر إسلامي يقارع الخصوم بالحجة، و[نعاني من] غياب كلي للفكر الإسلامي في مجال الإيمان.

والغريب، أن المتقدمين (المتكلمين مثلا)، استطاعوا التأسيس لنوع من الفكر الإسلامي، عبر خلق خطاب استدلالي على القضايا العقدية، بخلاف تعامل الخطاب الوعظي والإرشادي مع هذه القضايا.

ومعلوم، أن الخصم [من منظور أهل المناظرة] يستخدم خطابا استدلاليا، ولا يمكن التكافؤ مع الغير ونحن نستعمل الخطاب الوعظي.

ــ فاجأ طه عبد الرحمن الحضور بالتأكيد على أنه لو كان هناك فكر إسلامي إيماني لما سقط جدار برلين، وفي سياق توضيح هذا الطرح، أضاف فيلسوف الأخلاق إنه لو كانت لدينا نظريات أخلاقية إسلامية موازاة مع سقوط جدار برلين؛ أي في عز بحث شعوب أوروبا الشرقية عن الدين، لما تردد المسلمون في تقديم هذه النظريات، ولكن ما حصل أن الكنيسة الغربية قدمت هذا الفكر [البديل]، مضيفا أن هذا الإيمان يمكن أن يقدم للإنسانية الشيء الكثير، مجددا التأكيد على أنه من السهل إيصال معنى الإنسانية للإنسان عبر الاستدلال، ولأنقذناهم من الإقبال [الكبير] على الخرافات والتلفيق [الذي يتم اليوم باسم الدين]؛

وبكلمة : الإسلام قادر على أن يقدم للإنسانية فكرا إيمانيا، يخرجها من التيه الإيماني الذي تعاني منه.

ــ في معرض الرد على سؤال يتعلق بأسباب الانتقال من تتمة مشروع “فقه الفلسفة” إلى “الإسلاميات”، أجاب طه عبد الرحمن أنه سعى إلى إعطاء نموذج تطبيقي لهذه الآليات التي سَطّر بعض معالمها في الجزأين الأولين من مشروع “فقه الفلسفة”، (والتي يتكون من خمسة أجزاء، وصدر منه حتى الآن: “فقه الفلسفة: الفلسفة والترجمة”؛ و”فقه الفلسفة: كتاب المفهوم والتأثيل”)، بل إنه عجل بهذا التطبيق بسبب واقع الإسلام والمسلمين اليوم، وهو واقع يتطلب التوفر على عدة نظرية للمواجهة، وأنه بدأ تحديدا بالجانب الأخلاقي في باب “الإسلاميات”.

وأضاف صاحب “سؤال الأخلاق”، أنه سعى إلى إدخال الجانب العملي في التفلسف، لأنه يؤمن إيمانا راسخا بأن الفيلسوف الذي لا يعمل بعلمه ليس فيلسوفا، وبدهي أن الفقه يُقصد به العلم المعمول به، [فكيف يتحدث عن "فقه الفلسفة" ولا يعمل بعلمه].

بعد هذه الوقفة العابرة، يهمنا استحضار ما يُشبه صرخة طه عبد الرحمن بخصوص نفي وجود فكر إسلامي (إيماني وأخلاقي) معاصر، وكون السائد في المجال التداولي الإسلامي، لا يتجاوز الخطاب الوعظي والإرشادي، المُهيمن في المؤسسات الدينينة والمعاهد العلمية والفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي.. إلخ.

حري بنا طرح الاستفسار التالي: ألا يُعتبر مشروع طه عبد الرحمن، جوابا إسلاميا، على لائحة من الأسئلة/ التحديات المعاصرة؟ (بيئية وصحية واقتصادية..) أم أن تواضع الرجل، وزهده في المناصب وابتعاده عن الأضواء، وتفرغه شبه المطلق لإنتاج فكر/ علم ينفع الناس، يحول دون تزكية مشاريعه العلمية؟

نحسبُ أن الأمر كذلك، ونحسبُ أيضا أن ترجمة بعض أعمال طه عبد الرحمن لباقي المجالات التداولية، كفيل بتقديم نماذج تطبيقية حول أجوبة إسلامية معاصرة. (استعمل طه عبد الرحمن عبارة “الجواب الإسلامي” في كتابه “الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري” (المركز الثقافي العربي، بيروت ـ الدار البيضاء، ط 1، 2005)، ونعتقد أخيرا أن الأمر ينطبق على أمثال الراحلين عبد الوهاب المسيري، المفكر الموسوعي، وعلي عزت بيغوفتيش، المفكر والسياسي البوسني.

على أن الإشكال الأكبر في مشروع ترجمة أعمال طه عبد الرحمن، يكمن في ترجمة المصطلحات التي ينحثها في أغلب أعماله، حيث لا يخول أي عمل من أعماله (مؤلفات، محاضرات..) من لائحة من المصطلحات التي أصبحت لصيقة باسمه. (في كتابه “العمل الديني وتجديد العقل”، على سبيل المثال لا الحصر نعاين ثلاثة محاور مُخصّصة لثلاثة مفاهيم لا نجدها إلا في “القاموس الطاهائي”: “العقل المُجرّد”، “العقل المُسَدّد” و”العقل المُؤيد”: لنلاحظ أننا نتحدث عن مصطلحات ومفاهيم جاءت في عمل واحد من أعماله، وصدر في غضون 1987، ولنا أن نتصور لائحة المصطلحات والمفاهيم، التي تراكمت منذ أولى أعماله، حتى آخرها. (أي حتى حدود تحرير هذه الكلمات على الأقل، أي كتاب “الحوار أفقا للفكر”، والصادر عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، 2013)

نحن أمام معادلة مُركبة: هرم علمي كبير بعيد عن الأضواء، يحمل مشروعا علميا يُفيد الأمة والإنسانية، لولا أن ترجمة بعض معالم مشروعه العلمي النافع، تتطلب وجود مجموعة من الباحثين المهتمين والمقتنعين في آن بجدوى المشروع وراهنيته، زيادة على تمكنهم من علوم الترجمة وعوالم المصطلح.
والله أعلم.

منتصر حمادة