dr taha
مقالات عن طه

روح الحداثة لدى طه عبد الرحمن: من النظر الملكي إلى النظر الملكوتي

الخميس 15 ديسمبر 2011

من ذا الذي ينكر أن الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن قد بلغ مبلغا قد لا يضاهى في تقليب النظر والتفكير في أمر الحداثة.ذلك الأمر الذي استعصى، بل قل استشكل أمر الحداثة عند دعاة الحداثة أنفسهم.
اعلموا أن رؤية طه عبد الرحمن للفكر الفلسفي الغربي الحديث إنما تصدر على انه فكر قومي تاريخي مخصوص لا كوني، وانه نسبي لا مطلق، وانه فرض بالسيطرة والقوة لا بالمناظرة والمعاقلة التشاركية. بهذا الاعتبار، صارت الحداثة هي حداثة غربية مؤسسة على المصلحة والصراع والصدام. وهذا كله من شانه أن يرسخ أيما رسوخ النظر الملكي في الثقافة الإسلامية العربية المعاصرة الذي يقف، كما يقول المغربي طه عبد الرحمن، عند حدود الظواهر. وهو الأمر الذي يعارض نظرة العربي المسلم للحداثة المنشودة والمعبرة عن هويته التاريخية العربية الأصلية، من حيث هي نظرة ملكوتية تشيد على العمل التعارفي والجهاد الأخلاقي والجهد الارتقائي الكلي.
ومن المؤكد أن الأمثال والقصص في القران الكريم قد لعبت أدوارا مركزية في توطين هذا التصور الاعتباري. قال تعالى: ‘الر تلك آيات الكتاب المبين. إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون.نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبل لمن الغافلين’(سورة يوسف/الاية2).
وغني عن البيان، أن هذا التحول في المسار الإنساني الديني قد سايره التحول والانقلاب في القبلة والذي هو مؤشر كبير على تكامل أخلاق إشارة مع أخلاق انفتاحية مع أخلاق اجتماعية، لتستوي الدعوة الإسلامية أو الحداثة الإسلامية في وجهها الأخلاقي في ما بين أخلاق الروح وأخلاق الجوارح، أخلاق القلب وأخلاق الظاهر. يقول طه عبد الرحمن في هذا المعرض: ‘في حادثة تحويل القبلة أنها تمد الإنسان بأخلاق تجعله يتوسل بالعبارة المحسوسة للانتقال إلى الإشارة المعقولية كما يطلب الانفتاح والتعرف على الأشياء والأحياء من حوله، ويندفع في الحياة الجماعية متقلبا مع أطوارها المختلفة تمد الإنسان بأخلاق تخرجه إلى العالم’(كتاب: ‘سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية’ للمؤلف طه عبد الرحمن، الناشر: المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى 2000، ص166 و167). فانظر كيف أن هذا التجديد الأخلاقي الإسلامي الأصيل يفتح أمام الإنسان المسلم آفاقا جديدة من التفاعل مع الذات من حيث هي مشاعر وأحاسيس وعواطف وبين التفاعل مع العالم الخارجي بهمة أخلاقية عالية تتطلع إلى التخلق. فالإنسان ما خلق، كما يقول الكاتب، إلا ليتخلق.
وينجم عن هذا، أن هذه النظرة الملكوتية تفضي إلى ‘أشرف اعتقاد وأيقن اعتقاد وأعمل اعتقاد (كتاب: ‘الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري’ للمؤلف طه عبد الرحمن، الناشر: المركز الثقافي العربي، الطبعة الاولى2005، ص236 و237).. فهذه التجربة الإيمانية للمسلم تزوده بالقوة الأنطولوجية أو الكيانية التي تجعل كينونة المؤمن كينونة متصلة غير منفصلة. وهذا معناه أن المؤمن في اتصال دائم ومستمر بالعوالم المعنوية والروحية حتى يتحصل لديه معنى ‘التواجد’ أو قل حتى يحصل إلى مستوى إنسان ملكوتي. وهو على عكس الإنسان الملكي(الحداثة الغربية) الذي يمتلك كينونة منفصلة انفصالا كليا، بحيث لا يصح من منظوره الخارجي أو قل على مقتضى عالم الملك.
وهكذا، فإن الاتصال الكلي لكينونة الذات المؤمنة ‘لا يفتأ يتقلب بين العوالم، حتى يحقق بكينونته اتصالا على قدر طاقته، ولما كانت تبلغ الجهد الارتقائي الكلي، فإن تقلبه بين العوالم لا يبقى محصورا في عوالم محددة، بل يشمل كل العوالم المادي منها والمعنوي.
وهكذا، فإن اتصال الإنسان المسلم بالعوالم المعنوية والروحية المغايرة لا تتأسس إلا على النظر الملكوتي، الذي يشرع في تأصيل الفعل الخلقي، بل وتوجيه وترشيد النظر الملكي القابع في مربع الظواهر والقوانين. فإذا تمكن هذا الإنسان من الارتقاء الكلي بقيمه وأخلاقه حصل ما يسميه طه بـ’الكينونة المتصلة’.
ولا يخفى على ذي بصيرة، أن الحداثة الإسلامية تسعى أيضا إلى تأصيل معايير الفعل الخلقي الرفيع من خلال معيار العدل ومعيار المساواة ومعيار الإحسان. ففي معرض ‘العدل’ ‘لا يكون إلا من أجل استرداد حق سلبه ظالم، لا يتعداه إلى انتزاع حق أحد’(كتاب: ‘الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري’، الناشر: المركز الثقافي العربي، الطبعة الاولى2005، ص 254).
كما أن الأمة المسلمة لا تجعل هدفها وغاياتها خدمة ذاتها ومصالحها فسحب، إنما تسعى سعيا جادا، لا شبهة فيه، إلى بسط الخيرات والفضائل على الأمم الأخرى للنهوض بالأخلاق الإسلامية والإنسانية جمعاء. وهذا مرده إلى الخصوصية الإسلامية المبادرة إلى تجديد روح الإنسان على مقتضى التخلق المستمر والعطاء الدائم مع الذات والآخر عن طريق الجهد الاعتيادي والجهد الارتقائي الكلي وجهد الاكتمال. حيث تتخلق الأمة المجاهدة ‘بالإخلاص للقدوس، فتظهر في حاضرها أكثر مما تظهر في مستقبلها، وتظهر في مستقبلها أكثر مما تظهر في ماضيها، ولما كان الحاضر على ضربين: زمني وسرمدي، كان تظاهرها بحاضرها السرمدي الذي يصلها بالقدسي أكثر من ظهورها في حاضرها الزمني، فإذن الأصل في اتصال ديمومة الأمة المخلصة هو تظاهر بالحاضر السرمدي مع تقدم ظهورها في المستقبل على ظهورها في الماضي’(كتاب: ‘الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري’، الناشر: المركز الثقافي العربي، الطبعة الاولى2005، ص 254). فانظر واعتبر !!.
لقد برع المغربي طه عبد الرحمن في التدليل والاستدلال على أن الحداثة الغربية المشهودة هي حداثة خارجة عن مقتضيات الفطرة الإنسانية التي تنبني على الشعور الإيماني والديني والأخلاقي. إذ إن الاكتفاء بالنظر العقلاني المجرد وحده يوقعنا في سلبيات وآفاق مسدودة. فانظر كيف ان بعض من دعاة الحداثة لم يلتزموا بما يقوله ‘ايمانويل كانط’ بـ’مبدأ النقد’ أو قل الخروج من حالة القصور إلى حالة الرشد’. وبالتالي، وقعوا في فخ التقليد ومطب التبعية الهشة والادعاء الفكري الزائف!!.
ولعل من مداخل الخلل عند هؤلاء حسب طه عبد الرحمن هو تغافلهم عن التمييز بين ‘روح الحداثة’ و’واقع الحداثة’. فروح الحداثة هي من ‘صنع المجتمع الغربي الخاص، حتى كأنه أنشأها من عدم، وإنما هي من صنع المجتمع الإنساني في مختلف أطوراه(…) لا يبعد أن تكون مبادئ هذه الروح أو بعضها قد تحققت في مجتمعات ماضية بوجوه تحققها في المجتمع الغربي الحاضر، كما لا يبعد أن يبقى في مكنتها أن تتحقق بوجوه أخرى في مجتمعات أخرى تلوح في آفاق مستقبل الإنسانية’ (كتاب: ‘روح الحداثة.المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية’ للمؤلف طه عبد الرحمن، الناشر: المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى 2006، ص31.).
في حين أن ‘واقع الحداثة’ لا يعدو أن يكون ‘تطبيق واحد من الإمكانيات التطبيقية المتعددة والمختلفة التي يحملها روحها (…) بل لا نعدو الصواب إن قلنا بأن هذا التطبيق للحداثة الخاص هو نفسه اتخذ في المجتمعات الغربية أشكالا مختلفة، حتى كادت أن تكون لكل مجتمع منها حداثته الخاصة به’( كتاب: ‘روح الحداثة. المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية’، الناشر: المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى 2006، ص30). وبهذا الاعتبار، شرع المفكر المغربي عبد الرحمن بصناعة البديل الفلسفي والفكري على أساس ركنين هما: ‘الاستقلال’ و’الإبداع’.
فالاستقلال هو التحرر من كل وصاية، حتى يحقق الإنسان ذاتيته في النظر والتأمل والتفكير. والركن الثاني هو الإبداع حيث يسعى الإنسان الراشد إلى أن يبدع أفكاره وأقواله وأفعاله وكذا أن يؤسس هذه الأفكار والأفعال على قيم جديدة يبدعها من عنده أو على قيم سابقة يعيد إبداعها حتى كأنها قيم غير مسبوقة.
ومن الواضح، أن الانتقال من التعقيل المقلد إلى التعقيل المبدع إنما يشترط فيه شرط الوعي بأن ‘الحداثة لا تنال إلا بطريق الإبداع، بمعنى أنه على الحداثي(…) أن يبدع في تعقيله للأشياء وتفصيله لها’(كتاب: ‘روح الحداثة. المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية’، الناشر: المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى 2006، ص34).
ومن البين، أن تجاهل المناهج والمقاربات الإنسانية الحديثة للعلل الحكمية والنظر الاعتباري أو قل تأسيس النظر الملكي على النظر الملكوتي إنما يؤدي، حتما، إلى التقليد، بل تقليد التقليد.
ويتحصل من هذا، المفارقات العجيبة التي تطفو على السطح المتمثلة في أن دعاة الحداثة هم أهل التقليد من المتأخرين. إذ أن المطلوب هو الإقلاع عن الاتباعية نحو الإبداع أو الانتقال من التعقيل المقلد إلى التعقيل المبدع. لان الحداثة الحقة هي الإبداع والاجتهاد والتجديد.
وعلى الجملة، فالحداثة لا تكون إلا بطريق الإبداع، والحداثة لا تكون مع وجود التقليد.لذلك سارع طه عبد الرحمن إلى بيان مبادئ روح الحداثة التي تتأسس على مبدأ الرشد بركنيه: الاستقلال والإبداع. ومبدأ النقد بركنيه: التعقيل والتفصيل. ومبدأ الشمول بركنيه: التوسيع والتعميم. إذن تلكم مبادئ روح الحداثة الإسلامية التي تخرج العرب والمسلمين اليوم من ظلمانية التقليد إلى حقانية الإبداع.

يوسف بن عدي