dr taha
مقالات عن طه

رضوان السيد: «روح الدين» لطه عبد الرحمن والقراءة الأخرى.. العلائق وإشكالياتها بين الدين والشأن العام

الجمعة 31 يناير 2014

موضوع الدين والدولة واحد هو تدبير الشأن الإنساني. لكنّ الوظيفة والأهداف مختلفة بينهما، ولذا تختلف طرائق المعالجات والمقاربات، وتكثر التشابكات والاشتباكات. فالدين يقوم على الحرية، والدولة تقوم على النظام. والدين يتجه إلى الفرد ويهدف لتربيته وتوجيهه من الداخل على أساس الاقتناع فالخضوع – والدولة تتجه إلى الجماعات الإنسانية وتفرض عليها خضوعا وانتظاما معينا يقوم على المصالح العامة والأمن والاستقرار، ويؤدي في النهاية إلى التسليم والاقتناع. وهكذا فإنّ شرعية الدين داخلية في الأصل، وشرعية الدولة خارجية في الأصل. الدين يعد الفرد الإنساني بالنجاة أو الخلاص والقائم في أمرين: الجزاء الدنيوي بالسلام الداخلي، والجزاء الأخروي لدى ديانات التوحيد أو النفسي والمعنوي (حالة السلام الدائم) لدى الديانات الآسيوية. والدولة تعد الجماعات (ومن ورائها الأفراد) بانتظام حياتها العامة، وحركيتها الدنيوية، من ضمن حريات منظمة ومحددة وظاهرة للأفراد والمجموعات. وتبدأ المشكلات بين الطرفين لأن كلا منهما يريد استخدام الآخر أو الإفادة من إمكاناته. فالدعوات الدينية تبدأ بأفراد ثم تتطور إلى «جماعة مؤمنة». ومن الطبيعي أن تتطور لدى الجماعة المؤمنة اهتمامات عامة إمّا من خلال المؤسسة الدينية الناشئة لإدارة الشأن التعبدي والأخلاقي لديها، أو بشكل مباشر من خلال ظهور زعامات تريد إحلال قناعاتها الدينية في الشأن السياسي والعام. ولا تقبل السلطة أو السلطات في العادة (حتى لو كان القائمون عليها من أتباع الدين ذاته) التدخل في وظائفها، فتتصارع من خلال أدواتها السلطوية والآيديولوجية مع المؤسسة الدينية الناشئة أو مع القائد الديني الكارزماتي الذي ينطق باسم سلطة عليا، ويعتمد على اندفاع «الجماعة المؤمنة» لإحلال حكم السلطة العليا في الأرض، بطرائق الدولة ذاتها. وقد يتأخر الصراع بين الطرفين أو الجهتين لأحد ثلاثة أسباب: توحد السلطتين السياسية والدينية في شخص واحد كما عند بني إسرائيل القدامى (عندما كان النبي هو الملك)، أو اتجاه السلطة الدينية الجديدة إلى فلسفة للتغيير الداخلي في الأفراد والجماعات على مديات متطاولة لا تأبه خلالها لتحدي السلطة الدنيوية القائمة (كما عند البوذيين القدامى)، أو اتفاق السلطتين وتوافقهما على «تقسيم العمل» في فترة مبكّرة، كما حصل في التاريخ الإسلامي بعد القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي. وبالطبع فإنّ ما نقرره هنا هو بمثابة «النماذج الصافية» بحسب ماكس فيبر، ولا ينطبق في كلّ الأحوال بحذافيره. وعلى سبيل المثال فإنّ المسيحية الأولى ما كانت تميل لتحدّي السلطة الرومانية الزمنية، لكنّ السلطة واجهتها لأنها كانت تعتبر أنّ الإمبراطور هو الذي يحدّد ديانات رعاياه أيضا فيسمح أو لا يسمح بها. وعلى سبيل المثال أيضا فإنّ أردشير بن بابك (228 – 241م) مؤسس الأسرة الساسانية بإيران هو الذي اعتبر الزرادشتية دينا للدولة للمرة الأولى في الغالب. ومع ذلك فإنّ ابنه أو حفيده اصطدم بالموبذ موبذان كارتير الكاهن الأكبر للديانة، ربما بسبب طموحاته السلطوية. وهكذا نجد في العهد المنسوب لأردشير إلى ابنه سابور التحذير من ظهور ثنائية بين الملك والدين، لأنّ رأس الدين يتغلب في النهاية على رأس الملك! لماذا هذا الاستطراد كلّه بشأن الدين والدولة أو الدين والشأن العامّ؟ إنه بمناسبة صدور الكتاب الرائع للمفكر المغربي الأستاذ طه عبد الرحمن بعنوان «روح الدين: من ضيق العلمانية إلى سعة الائتمانية». فالكتاب فضلا عن راهنيته مؤسّس لفلسفة الدين في عالم المسلمين الحديث والمعاصر. وهو يأتي في ثلاثة سياقات: سياق المجادلة والصراع مع العلمانية الغربية (والفرنسية على الخصوص)، وسياق المواجهة المستمرة مع البيئات الفكرية والثقافية في العقود الخمسة الماضية في المغارب (المغرب وتونس)، وهي بيئات ماركسية ويسارية وليبرالية حداثية، عملت بدأب وعقائدية على تنحية الدين (في هذه الحالة: الإسلام) عن التأثير في الدولة والثقافة الاجتماعية والسياسية. وقد دخل بعض زملائه من أصحاب هذا المنزع من مدخل «التراث»، بينما دخلت قلّة من مدخل «الدين» بشكل مباشر. والسياق الثالث التجارب والتطورات التي حدثت مع الدين في الغرب في العقود الأربعة الأخيرة، حيث استعاد الدين في جوهره أو فكرته الأصلية اعتباره لدى الفلاسفة الجدد أو أهل فلسفات التأويل. يطرح الأستاذ طه عبد الرحمن منذ البداية مقولة «وجود الإنسان في عالمين اثنين لا في عالم واحد». فالإنسان حيوان ديني كما هو حيوان سياسي، لوجود الدين في الفطرة، بمعنى أنه سابق على وجود «الجماعة» البشرية التي تبدأ بالتفكير في الشأن السياسي أو العامّ عندما تظهر المجموعات الإنسانية الصغيرة والمتوسطة والكبيرة. وفي مختلف مراحل التكوّن الاجتماعي والسياسي لا ينفصل الديني عن العامّ أو السياسي، لأنّ الجانب الإيماني والروحي والأخلاقي هو الذي يؤلّف بين الناس في الجماعة بحيث لا تسيطر الغرائز وتعّلل بها نشأة السلطة السياسية القاهرة التي تنهي «حرب الجميع على الجميع» بحسب توماس هوبز. إنّ حرب الجميع على الجميع غير متصوّرة إلاّ في غياب الدين وأخلاقه. والعلمانيون العنيفون الذين ردّوا على استئثار الكنيسة بالسلطتين (الدينية والزمانية) بالفصل القاطع بين السلطتين أو تسييد الزماني على الديني، إنما ضيّقوا من الوجود ودفعوا باتجاه التسيّد والتربّب، من طريق اصطناع الدولة القومية والوطنية التي تسودها نظرية السيادة المطلقة، والتي لا تخفّف منها إلاّ قليلا الأنظمة الديمقراطية. ولا معنى لنظرية السيادة (التي تملك فيها الدولة حقّ الإرغام) إلاّ الحلول محلّ الله عزّ وجلّ، بوعي أو من دون وعي. بمعنى أنّ الدولة العلمانية تؤمن باستقلال الإنسان في جانبه المادي، وسطوتها هي الكاملة على هذا الجانب لدى الأفراد والجماعات. وهكذا فإنّ العلمانية والفلسفات المادية إنما تفقر الوجود الإنساني، بعدم اعترافها بالجانب الديني والروحي فيه، فيظلّ ذاك الوجود المتألّه مضطربا على الرغم من التظاهر أو الاقتناع والثقة الزائدة بالنفس. والصحوة الدينية الحالية هي ثوران شبابي على ذاك الانفصال، وذاك التسيّد.
يريد أستاذنا طه عبد الرحمن أن يتصحّح هذا الخطل الخطير فتعود السلاسة ويعود التواصل في الداخل الفردي الإنساني، وعلى مستوى الجماعات والعالم. أمّا على مستوى الدولة فإنّ نظرية التسيّد وممارساته تنكسر من طريق أخلاقيات الدين. إنه يريد أن يعتدل الميزان من ضمن الثنائية المتسامحة والمتجاوبة. وعلى المستوى العملي يريد أن يعود الدين وأخلاقياته للتأثير في الشأن العامّ. ولكي لا يبدو أنه مندفع مع اتجاهات الإسلام السياسي للدولة شبه الدينية؛ فإنه يسارع إلى نقد فكرة الحاكمية وتطبيق الشريعة، كما ينقد من جهة أخرى ولاية الفقيه. فولاية الفقيه لا تعتصم بأخلاق الدين، بل بالوكالة عن الإمام المعصوم، مع بعض الممارسات الشعائرية والشعبوية الحديثة. والحاكمية تحوّل الشريعة إلى قانون، وتتنكّر للأخلاق، وتسوّد فئة على فئات أخرى باسم الدين. كيف يريد طه عبد الرحمن إذن للدين أن يؤثّر؟ يريده أن يؤثّر من خلال «الأخلاق التزكوية» أي الأخلاق «الصوفية» الزاهدة والورعة، التي تكسر حدّة السلطة، أي سلطة، وتضع الدولة في مجرى تقدم إنساني فاضل وكبير. إنما ما هو الضمان في حالة انطلاق التأثير الديني في الشأن العامّ، والتنكّر للعلمانية الفاصلة، أنّ لا يتحول هذا التأثير إلى استيلائية من نوع ما؟ الضمان هو في الائتمانية، أو مجتمعات الثقة والطمأنينة التي يحدثها الدين المستند إلى الفكرة، والمسلّم بالولاية العليا لله عزّ وجلّ. وهذا أمر جيد، وقد تتطور آليات داخلية/ اجتماعية للتصحيح والتسديد ما دام الانفصال قد انتهى والتواصل داخل الفرد والجماعة قد اكتمل. على أنّ سؤال «الولاية» هذا يبقى أخطر الأسئلة وفي أوضاعنا الحالية بالذات. وقد اهتمّ به الفقهاء كثيرا، فجعل إمام الحرمين الجويني ضمان عدم سلطوية الإمامة بل أصلها في الإجماع – وهو ما عبّر عنه الشيخ محمد مهدي شمس الدين حديثا بولاية الأمة على نفسها. والأستاذ طه عبد الرحمن يرى في إحدى حواشي كتابه أنه يكاد يلتقي مع شمس الدين في وجهته تلك. وشكوكه آتية من طاغوت الشعبويات الديمقراطية في الحداثة الغربية. ولذا يعود إلى التأكيد على تفضيل «الولاية» النخبوية الصوفية المستسّرة والورعة، والمعتصمة بل المعصومة بالأخلاق التزكوية والمستعصية على التسيّد والتربّب. لكنّ الولاية الصوفية تداخلها أيضا أوهام وأحلام وهوامات التألّه والتسيّد والتربّب. ولنتذكر «ختم الأولياء» للحكيم الترمذي، و«خلع النعلين» لابن قسي، و«بدّ العارف» لابن سبعين، «والتدبيرات الإلهية للمملكة الإنسانية» لابن عربي (قارن بمدينة الله عند القديس أوغسطين) حين تؤول المعرفة إلى عرفان، ويصبح العرفان حلولا أو وحدة وجود، في الوقت الذي يحسب فيه أنه إنما يفصل الديني عن الزمني.

تقوم فلسفة الدين أو روحه لدى أستاذنا طه عبد الرحمن على الجوهر الأخلاقي للإنسان، والذي يتمثّل في منظومة قيمية في القرآن الكريم. وفي ذلك استعادة للفطرة الإنسانية والتهيّب أمام الجلال الإلهي بحسب أوتو في كتابه: «المقدّس» (1925). ولدى الأستاذ عبد الرحمن قدرة هائلة على التجريد، وقدرة هائلة أخرى على التناصّ والتوليد. ولدينا اليوم تحدّي «الإسلام السياسي» الذي يحوّل الدين إلى أداة سلطوية، لا تقلّ هولا في مآلاتها على الدين والمجتمع من الانفصالية التسيّدية العلمانية: فهل ينجح المتدينون الحزبيون الجدد في النجاة من التربّب والتفرد بالالتزام الأخلاقي؟ «والله غالب على أمره، ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون».