dr taha
الاصدارات

“دين الحياء” لطه عبد الرحمن يسلط الضوء على أطروحة “الفلسفة الائتمانية”

الأحد 27 نوفمبر 2016
livretahadinehayaetome-1

“المسلمون خانوا الأمانة”، والأمانة هنا إحالة على عدم احترام “شهادة الميثاق”، وهي شهادة موزعة على ميثاقين اثنين: “ميثاق الإشهاد”، الذي “أقرّ فيه الإنسان بربوبية خالفه لمّا تجلى له بأسمائه الحسنى”؛ و”ميثاق الائتمان” الذي “حمَل بموجبه الإنسان أمانة القيم التي تجلَّت بها هذه الأسماء”، والخيار الأمثل لهذا المأزق عند المسلمين يمر عبر بالرجوع إلى أخلاق الحياء الذي يولده في سلوكهم “الفقه الائتماني”، والحال أن هذه العودة المرجوة تقتضي مراجعة منظومة “الفقه الائتماري” التي سيطرت على مسار نظرنا في الشرع طيلة قرون خلت.

بهذه الإشارات نفتح أبواب أحد إصدارات الفيلسوف المُجدد طه عبد الرحمن، والإحالة على ثلاثية “دين الحياء: من الفقه الائتماري إلى الفقه الائتماني”، مع ضرورة الأخذ بعين الاعتبار والإقرار في آن، بصعوبة اختصار أو التعريف بمضامين عمل مُحرر بكتابة تنسيقية/ استدلالية، وقد صدرت الثلاثية عن المؤسسة العربية للفكر والإبداع (بيروت، ط 1، 2017، جاء الجزء الأول في 284، مقابل 383 صفحة للجزء الثاني و183 صفحة للجزء الثالث).

جاءت الثلاثية موزعة على العناوين التالية:

الكتاب الأول يحمل عنوان: “أصول النظر الائتماني”، أي أصول أطروحة “الفلسفة الائتمانية”، وتضمن بابان اثنان: من الآمرية الإلهية إلى الشاهدية الإلهية؛ من الشاهدية الإلهية إلى الشاهدية الإنسانية، وجاءت فصوله الأربعة تحت العناوين التالية: الإنسان بين الإدراكين: المُلْكي والمَلكوتي؛ الأسماء الحسنى وأصل القيم الأخلاقية؛ جلال الآمرية وجمال الشاهدية؛ المقاربة الائتمانية لمفهوم حدود الله؛ أما الباب الثاني فتضمن بدوره أربعة فصول، وهي: الشاهدية الإنسانية بين أصل المراقبة وأصل الأخلاق؛ خُلُق الحياء: أساساً للأخلاق؛ موت الإنسان المعاصر وضرورة خُلُق الحياء؛ إحياء الإنسان المعاصر بين الفقه الائتماري والفقه الائتماني.

“التحديات الأخلاقية لثورة الإعلام والاتصال” هو عنوان الكتاب الثاني، حيث توقف المؤلف عند ثلاث آفات رئيسية، وهي التفرج والتجسس والتكشف؛ التفرج بوصفه علاقة الإنسان المعاصر بالشاشة، محدداً له في خصائص ست، وهي: التوسط بالصور، تملك المصوَّرات، تضرُّر القدرات، إبدال الوهم بالحقيقة، آفة التلصص، عنف الصور؛ أما آفة التجسّس فجاءت مُجسدة في خمسة خصائص، وهي: الغلو في المراقبة، النفوذ إلى باطن الإنسان، النفوذ إلى الحياة الخاصة، طلب الإحاطة بكل شيء، الرغبة في التحكم بكل شيء؛ وأخيراً، آفة التكشف، مُجسدة بدورها في خمسة خصائص، وهي: إبداء الكل، إبداء الباطن، حب الوجود، حب الذات، استهواء الآخر.

بالنسبة للكتاب الثالث، فجاء تحت عنوان: “روح الحجاب”، وتضمن خمسة فصول، جاءت عناوينها كالتالي: الحجاب والظهور؛ الحجاب والاعتقاد؛ الحجاب والإعماد؛ الحجاب والإغواء؛ الحجاب والفقد.

بالعودة إلى المعالم الكبيرة لمضامين الثلاثية، نتوقف بداية عند الغرض الأساسي للمؤلف من الكتاب الأول، ويروم إبراز الجانب الفكري من النظر الإسلامي، المُكَمِّل لجانبه العِلمي الذي ينهض به الفقه، ويتم ذلك عبر استخراج مفاهيم وأصول يقوم عليها النظر الإسلامي بما يُقدِرُه على رفع التحديات التي تواجه الإنسان المعاصر، وقد تقرّر عند المؤلف أن هذا النظر ينبغي أن يستوفي شرطين: أحدهما أن يكون نظراً أخلاقياً، لأن الأخلاق هي الجانب الذي تتجلى فيه معقولية الأحكام؛ والثاني أن يكون نظراً أسمائياً، (نسبة إلى الأسماء الحسنى)، لأن القيم الأخلاقية مُستمدة من هذه الأسماء. [يرى المؤلف أن "الأسماء الحسنى هي خزائن القيم التي بها قوام تخلُّق الإنسان"، ص 72]، وواضح أنه من الطبيعي أن يكون مصطلح “الأخلاق”، هو المصطلح الأكثر تداولاً في “دين الحياء”، لأن مُحرره ينتصر لما اصطلحنا عليها سابقاً لـ”الإصلاح الأخلاقي”.

بالنسبة للمفاتيح اللصيقة بعنوان الكتاب (“دين الحياء”) وعنوانه الفرعي (“من الفقه الائتماري إلى الفقه الائتماني”)، فقد جاءت مفصلة في الفصلين السادس والسابع من الجزء الأول بالنسبة للتفصيل في مفهوم “الحياء”، حيث نقرأ مثلاً أن “الحياء هو الخُلُق الذي يرقى إلى رتبة الشاهدية، ملازما لزوم الظل للشاخص، فإذا خُصّ الإسلام بهذا الخُلُق من دون الأديان الأخرى، فقد دل على أن الإسلام دين شاهدي صريح، وليس مجرد دين آمري، كما دلّ على أن الفقه الذي يُميزه فقه ائتماني موسَّع، وليس مجرد فقه ائتماري مضيَّق؟” (ص 202)؛ بينما التفصيل في الفوارق الجلية بين “الفقه الائتماري” و”الفقه الائتماني”، فقد جاءت موزعة في عدة فصول من العمل، ولكنها مركزة على الخصوص في الفصل الثامن منه، وما أكثر مقامات التقييم والتقويم التي طالت هذا النوع من الفقه بالذات، وجاء العنوان الجامع للتقويم من خلال الحديث عن [بديل] “الفقه الائتماني”.

كما تضمن المدخل العام للثلاثية وقفات أولية عند المفهومين، وجاء هذا المدخل تحت عنوان: “الميثاق الائتماني بَدَلاً من العقد الاجتماعي”، حيث نقرأ بأنه مع “الفقه الائتماري”، يبرز فيه جانب التكليف، أما الثاني (“الفقه الائتماني”)، فيبرز فيها جانب الأمانة، أو قل، إذا كان موضوع الفقه الائتماري هو استنباط الأحكام الشرعية، فإن هدف الفقه الائتماني هو استخراج القيم الأخلاقية التي هي تحت هذه الأحكام، ليُفرق طه هنا بين ثلاثة مستويات في التعامل مع الخطاب الشرعي: مستوى النظر ومستوى العمل ومستوى الاستعمال، متوقفاً أيضاً عند عدة نقاط تلخص المقارنة بين النظر الائتماري والنظر الائتماني، يهمنا منها الإشارة التالية: “إن الغاية من استعمال الفقيه الائتماني للآخر ليس مجرد إدخاله إلى عالم التخلق، بل تكوين مَلَكة خُلُقية لديه، بحيث تصدُر عنها أعماله كما تصدُر عن “ملكته العقلية” أفكارُه أو تصدر عن “ملكته الخيالية” أوهامُه، وتكون له القدرة على التكيف الخُلُقي مع الظروف الخارجية، مهما تبدَّلت أو تسفَّلت” (ص 24).

تطبيقات الفقه الائتماري والفقه الائتماني

تفكيك مفاهيم وظواهر التفرج والتجسس والتكشف، هو مدار الجزء الثاني من الثلاثية، مع تخصيص فصول كاملة لطبيعة تفاعل الفقيه الائتماري والفقيه الائتماني مع هذه الآفات، وإجمالاً، جاء الجزء الثاني موزعاً على ثلاثة أبواب، مُوزعة بدورها على تسعة فصول، بحيث يتضمن كل باب فصلاً يستعرض فيها المؤلف قراءته لمعالم هذه الآفات، ويلي هذا الفصل (في الباب الأول أو الثاني أو الثالث)، معالم تفاعل الفقيه الائتماري مع هذه الآفة، ثم الفصل الموالي المُخصص لاستعراض معالم تفاعل الفقيه الائتماني مع نفس الآفة.

نبدأ بآفة التفرج [محور الفصل الأول من الجزء الثاني]، حيث اعتبر طه عبد الرحمن أن الحضارة المعاصرة، لَمّا كان أحد وجوهها أنها حضارة النظر، فقد نقلت الإنسان المعاصر من وضعية الناظر إلى وضعية المتفرج، والتفرج هنا عبارة عن علاقة للنظر بالصورة أو الشاشة غير مسبوقة، إذ اتخذ المتفرج الصور واسطة يتوسل بها في علاقته بذاته وعلاقته بالعالم وعلاقته بالآخرين، حتى كأنه لا شيء إلا الصور، ولا شيء لا بها، ولا شيء إلا معها؛ بل جعل الخاصية البصرية لِعَينه تزدوج بخاصية لَمسية، مضيفاً على الصور صبغة الأشياء الملموسة، فأقام معها علاقة التملك التي تقوم، أصلاً، مع مصوَّراتها. (ص 70)، وقد تطرق الفصل الثاني لمعالم تعامل الفقه الائتماري مع آفة التفرج؛ بينما استعرض الفصل الثالث معالم تعامل الفقه الائتماني مع ذات الآفة.

لا تقل الصورة قتامة مع آفة التجسس، [محور الفصل الرابع من الجزء الثاني] حيث اعتبر فيلسوف الأخلاق أن ظاهرة التجسس، وهي أحد التحديات الأخلاقية الفاحشة التي تواجه الإنسان المعاصر، تتميز بالغلو في المراقبة (وخصّ بالذكر، مراقبة المؤسسة العلمية والمؤسسة الاقتصادية والمؤسسة الأمنية والمؤسسة العسكرية)، كما تتميز بالنفوذ إلى الباطن (بمستوياته الثلاثة: اللباس الداخلي والجلد وما تحت الجلد)؛ والنفوذ إلى الحياة الخاصة؛ وطلب الإحاطة بكل شيء (عبر ثلاثة مستويات: التجسس المحيط بالفرد، والتجسس المحيط بالمجتمع والتجسس المحيط بالعالم)؛ والرغبة في التحكم بكل شيء (وهو تحكم موزع على أربعة أقسام: التحكم الخاص بالتجسس العلمي، والتحكم الخاص بالتجسس الاقتصادي، والتحكم الخاص بالتجسس الأمني، والتحكم الخاص بالتجسس الشخصي). بعدها عالج الفصل الخامس كيفية التصدي للتجسس بطريق الفقه الائتماري، حيث خلُص طه إلى أن “الدور المنوط بالفقيه الائتماري ليس أن يُلقي بالأحكام في كل مسألة مسألة، من شاء عمل بها ومن شاء نبذها، بقدر ما هو أن يُنشئ لدى المكلَّف الشعور بالمسؤولية بالنسبة إليها، لأن تحصيل هذا الشعور يكفي لأن يُشغل ذمة المكلَّف ويفرّغ ذمته”. (ص 208)؛ بينما عالج الفصل السادس كيفية التصدي للتجسس بطريق الفقه الائتماني، حيث خلُص طه إلى أن الطريق الذي يسلكه الفقه الائتماني في التعامل مع آفة التجسس، طريق اشتغالي وجداني يقتضي أن يُنشيء علاقة مباشرة بالمُتجسس، كما يقتضي أن يجاوز ملاحظة سلوكه الخارجي إلى معالجته من الآفات النفسية التي تسبَّبت في انحراف هذا السلوك (ص 248).

أما آفة التكشف التي تسببت فيها تقانات الإعلام والاتصال [محور الفصل السابع من الجزء الثاني]، فيرى صاحب “دين الحياء” أن التكشف طغى على الحياة المعاصرة أيما طغيان، فقد صار الفرد لا يجد غضاضة في أن يكشف كل شيء عن نفسه، سواء طُلِب منه ذلك أو لم يُطلب؛ كما صارت الجماعة لا يتورَّع أفرادها عن التكشف بعضهم لبعض؛ ولا يكتفي هذا التكشف بأن يتناول بعض الجوانب من الحياة الخاصة، بل قد يتناول أخص ما في باطن الإنسان مما يجب إخفاؤه أو كتمانه؛ حيث أضحى التكشف السبيل الأمثل الذي يوصّل إلى الوجود. (ص 284)؛ وبعدها تناول الفصل الثامن كيفية التصدي للتكشف بطريق الفقه الائتماري؛ بينما تناول الفصل التاسع كيفية التصدي للتكشف بطريق الفقه الائتماني.

أخلاق “ثقافة الاعتراف”

تضمن الجزء الثالث من الثلاثية خاتمة بعنوان “من شعب الحياء الإقرار لذوي الفضل بأفضالهم”، ويمكن إدراجها في أخلاق “ثقافة الاعتراف”، حيث يرتحل المؤلف في علاقته الشخصية بالشيخ حمزة بن العباس القادري، متوقفاً عند أفضاله في نقاط ثلاث على الأقل، نوردها حرفياً: “اجتهادي في معرفة ربي”؛ “مجاهدتي لنفسي”؛ “جهادي في تصحيح عملي”، ولعل الاطلاع على مضامين هذه الخاتمة، تساعد قارئ أعمال طه عبد الرحمن على الظفر بأسباب اشتغاله وانتصاره لما اصطلحنا عليه في مقامات سابقة بـ”الإصلاح الأخلاقي”، ويتضح ذلك جلياً من الصفحة 163 حتى الصفحة 166، من قبيل إشارته إلى أن “كمال الإنسان ليس في مكاسبه، ولا في معارفه، وإنما في أخلاقه”؛ (163)، أو تأكيده أن “أفضل ما كرّم به الحق سبحانه الإنسان هو أنه خَلَق فيه القدرة على التحلي بمكارم الأخلاق، إذ جعل تطهيره وتزكيته لا يُتوصّل إليهما إلا بتحصيل الأخلاق” (ص 164)؛، أو تذكيره بأن المعرفة تتأسّس على القيم الأخلاقية، مورداً أربع اعتبارات تثق وراء هذه القاعدة، منها أن “إناطة التقدم بالتحصيل العلمي التقني لا يستقيم إلا إذا تأسّس هذا التحصيل على القيم الأخلاقية؛ أما إذا لم يتأسّس عليها، فإنه يكون سبباً في تأخر الأمم” (165).

كما توقف طه عبد الرحمن في ذات الخاتمة عند التأثير الإيجابي لهذه العلاقة على علاقته بالخالق عز وجل (من الصفحة 157 إلى الصفحة 162)؛ علاقته بنفسه (من الصفحة 162 إلى الصفحة 166)؛ علاقته بالآخر (من الصفحة 166 إلى الصفحة 170)؛ وأخيراً، علاقة طه عبد الرحمن بالعالم (من الصفحة 170 إلى الصفحة 177).

والملاحظ أن التفصيل في هذه العلائق يحتمل مشاريع أبحاث لمن يهمهم الأمر، من قبيل ما نقرأ في مضامين العلاقة الرابعة (التي تهم علاقة طه عبد الرحمن بالعالم)، وجاء فيها مثلاً أن “الأصل في العقل أنه فعل روحي”، وأن “الأصل في العقل أنه فعل كلي”، و”الأصل في العقل أنه فعل قيمي”، أو تلك الإشارات الخاصة بقراءة العمل، ومنها أن “الأصل في العمل أنه أداء للأمانة”، و”الأصل في العمل هو أنه تخلُّق”، و”الأصل في العمل أنه إحياء”.

أخلاق “ثقافة الاعتراف” لم تكن حاضرة في خاتمة الثلاثية وحسب، ولكن كانت حاضرة أيضاً وبشكل جلّي من خلال الاستشهاد والتنويه بإصدارات سابقة تطرقت لبعض المفاهيم والظواهر التي جاءت في الكتاب، وخاصة الجزء الثاني الذي يتطرق للتحديات الأخلاقية لثورة الإعلام والاتصال، بمعنى أن المؤلف في هذا الجزء بالذات لا يزعم أنه أول من يشتغل على التحديات القيمية والأخلاقية المرتبطة بثورة الاتصالات السائدة في العالم بأسره، وإنما يستشهد بعدة أعمال مرجعية يعود لها سبق الاشتغال على هذه التحديات أو بعضها، بل إنه ينوه ببعض هذه الأعمال، من قبيل التنويه بما صدر عن ميشيل فوكو مثلاً (من الصفحة 162 إلى الصفحة 165 من الجزء الثاني)، ولكن الجديد في اشتغال طه ــ وهو جديد مرتبط بمقتضى مجالنا التداولي ــ أنه يشتغل على التعريف بالفوارق الجلية بين تفاعل الفقيه الائتماري والفقيه الائتماني مع هذه التحديات، وهذا التنظير، على حد علمنا، غير مسبوق في مجالنا التداولي؛ وليس هذا وحسب، بل إن تفصيل المؤلف في مقتضى آفات التفرج والتجسس والتكشف، يتضمن اجتهادات جديدة لم نجد لها أثراً حتى في الاجتهادات الصادرة في باقي المجالات التداولية، وخاصة المجال التداولي الغربي.

إحياء أدبيات “الحياء”

اشتغال طه على مفهوم الحياء، تطلب منه التوقف عند معالم هذا الاشتغال في التراث الإسلامي، سواء عند الفقهاء أو عند الفلاسفة (لم يتطرق لمعالم اشتغال الصوفية على المفهوم، باستثناء إشارة جاءت في هامش ص 204).

وحتى مع اجتهادات المفكرين المسلمين من الحياء، فقد تركها المؤلف جانباً، ومرد ذلك أنهم سقطوا ضحية “حِجاب الفلسفة اليونانية” الذي “حال بين المفكرين المسلمين وبين تبيّنهم لحقيقة الحياء في الإسلام” (كما أشار إلى ذلك في عدة صفحات، منها الصفحة 195 والصفحة 196 والصفحة 203 على الخصوص، واعتبر طه أنه بالنسبة للمفكرين كابن مسكويه والراغب الإصفهاني وأبي حامد الغزالي، فقد تأثروا في تعاريفهم وتراتيبهم للحياء بما انتقل إليهم من النظريات الأخلاقية اليونانية كالنظرية الأفلاطونية والنظرية الأرسطية)، بينما مدار الثلاثية على الظفر بأجوبة نظرية على سؤال يؤرق العقل الفقهي الجمعي السائد في مجالنا التداولي، وصيغته كما جاء في الكتاب كالتالي: “هل الفقهاء الذين لم يُسدل على أبصارهم هذا الحجاب الفلسفي تبيّنوا هذه الحقيقة على وجهها، واستثمروها في اجتهاداتهم واستنباطاتهم؟”.

جاء الجواب في خاتمة الفصل السادس من الجزء الأول، حيث خلُصَ طه إلى أن الفقهاء لم تشغلهم الآفاق الأخلاقية التي تفتحها الأحاديث الشريفة ذات الصلة بمفهوم الحياء “على ثبوت صحتها أو ثبوت حُسنها، حتى ولو كان بالإمكان ضبطها بأحكام مستنبطة بواسطة القياس، وإلا كانوا قد فتحوا الطريق لتكوين رؤى أو أنظار أخلاقية تتأسس على الحياء، بل لوضع أسُس علم جديد هو علم الحياء” (ص 205)، مضيفاً أننا إزاء “عادتهم مع أغلب النصوص؛ والسر في ذلك هو توجُّههم الائتماري الخالص، إذ لا يهمُّهم إلا الأحكام باعتبارها أوامر مُلْقًى بها إلى المكلفين من لدن الآمِر الأعلى، لا باعتبار توسُّل المأمور بالآمِر في العمل بها، مشاهداً له، ومُشهِداً إياها”، مضيفاً أن “السمة المُميزة لهذا التوجه الائتماري في الفقه هو طلب الأحكام مجرَّدة من الشاهد الإلهي والباطن الأخلاقي معاً؛ فكما أن الآمرية الإلهية هي الأصل في وجود الظاهر القانوني للأحكام، فكذلك الشاهدية الإلهية هي الأصل في وجود الباطن الأخلاقي لهذه الأحكام”. (ص 206)

 

“النظرية العقدية” و”النظرية الميثاقية”

عند صدور كتاب “شرود ما بعد الدهرانية”، اعتبرنا أن مضامينه مفيدة للمجال التداولي الغربي في حال ترجمتها للغات اللصيقة بهذا المجال، وخاصة ترجمة العمل للغة الألمانية واللغة الإنجليزية، ويبدو أن نفس الملاحظة صالحة على مضامين الجزء الثاني من الكتاب لأنه يُعالج ظاهرة تمر وتعاني منها الإنسانية جمعاء اليوم، بل نذهب إلى أن الجزء الأول يستحق هو الآخر الترجمة لباقي المجالات التداولية، خاصة أن مؤلفه أكد أن العمل ليس موجهاً للمسلم وحسب، لولا أن هذه الترجمة ليست هينة بالمرة، بسبب صعوبة ترجمة خطاب طه عبد الرحمن، لاعتبارين اثنين على الأقل، أولهما مقتضى الكتابة الاستدلالية التي يُحرر بها؛ ومن جهة ثانية، يصطدم مُترجم أعمال طه بإشكالية ترجمة المصطلحات الجديدة التي يحفل بها المتن الطاهائي.

هناك اعتبار آخر يقف وراء التذكير بأهمية ترجمة هذه الاجتهادات، ونجده في مضامين الثلاثية، مفاده أن العمل موجه بشكل عام “للإنسان المعاصر”، وإن كان البعض يُجسده في الإنسان الغربي، باعتبار صانع الحضارة المعاصرة، إلا إنه عند المؤلف هو “نموذج خُلُقي ذهني، أو نموذج سلوكي مُجرد، لا مُشخص”، أو “فكرة رحالة لا تأولي إلى مكان بعينه، بل مكانها هو العالم بأسره”. (ص 13)، ويضيف طه في المدخل العام للثلاثية أن “السمة الأساسية التي تميز هذه الفكرة أنها ضد الفطرة، وبالنتيجة، الإنسان المعاصر “إنسان بلا فطرة”، وهذا الإنسان هو الذي يسكن كل القلوب أينما وُجدت وكيفما وجدت”، وتترتب على هذه الخلاصة عدة نتائج، أورد منها المؤلف ثلاثة:

ــ أن هذا “الإنسان الميت”، باعتباره فكرة، لا يقوم بقلب مَن أعلن عداءه أو جفاءه للقيم الأخلاقية الدينية فحسب، بل يقوم أيضاً بقلب من لا يُظهر عداء ولا جفاء لهذه القيم، بل أكثر من هذا، يقوم بقلب من يُظهر ولاءه أو اعتباره لهذه القيم؛ (ص 14)

ــ تفيد النتيجة الثانية أن المسلم، على تدينه، ليس بمنأى عن الإنسان المعاصر باعتباره فكرة، وليس بِدعاً أن يقال بأن شبح بالإنسان الميت يتهدد كل مسلم، لا سيما وأنه أصبح مستهلكاً لمنتجات ثورة الإعلام والاتصال (باعتبار أن لها يداً في موت الإنسان المعاصر)؛

ــ ثالث هذه النتائج، أن نقد هذا الإنسان المعاصر لا يقتصر على الإنسان الغربي، بل يشمل الإنسان المسلم، كما أنه خطاب المؤلف للمُسلم لا يقتصر عليه، وإنما يتعداه إلى غير المسلم، نظراً لأن أفراد الإنسانية أضحوا يدورون في فلك الموت، فالواحد منهم إما ميت أو محتضر أو مهدد بالموت، والمسلم مَثَله مَثل أي فرد آخر، فإن لم يكن قد مات، معتقداً أنه حي لمزاولته مراسمَ الدين، فيجوز أن يكون في حالة احتضار، وإلا فإن الموت له بالمرصاد، لا يدري متى يتخطفه ما لم يستعدّ إلى أن يُعيد أخلاقه كما بدأها، وهكذا يكون هذا النظر الائتماني الذي بُني عليه هذا النقد التي جاء في ثلاثة “دين الحياء”، يتعلق بـ”الإنسان المعاصر” بوصفه المثال الخُلُقي الذهني الذي يهيمن على القلوب ويستبد بعقول أصحابها غربيين كانوا أو مسلمين. (ص 15)

غلبة فكرة “الإنسان المعاصر” فاقد الحياء أو المهدد بفقدانه، والتي كان لثورة الإعلام والاتصال نصيب في تشكيله، تقف وراء تسليط المؤلف الضوء على أهم الأطروحات الفلسفية التي تقف وراء انبثاق هذا “النموذج الخُلُقي الذهني”، وخصَّ بالذكر نظريات التعاقد الاجتماعي الذي أخرج الإنسان من حالة الطبيعة إلى الحالة المدنية، عبر ما اصطلح عليه طه عبد الرحمن بـ”النظرية العقدية”، وتقابلها أطروحة المؤلف في الكتاب، وهي “النظرية الميثاقية”، وأساسها “مُواثقة تمت في عالم الملكوت، حصلت بين الإنسان وخالقه، وليس بين الإنسان والإنسان كما في النظرية العقدية، فهي مواثقة روحية، وليست مواثقة اجتماعية، وتمثلت هذه المواثقة الروحية في ميثاقين رئيسيين هما: “ميثاق الإشهاد” الذي أقرّ فيه الإنسان بربوبية خالقه لمّا تجلّى له بأسمائه الحسنى؛ و”ميثاق الائتمان” الذي حمَل بموجبه أمانة القيم التي تجلت بها هذه الأسماء”.

“الفلسفة الائتمانية” بين الفقهاء والفلاسفة

كانت هذه وقفات أولية عابرة مع جديد فيلسوف الأخلاق في مجالنا التداولي، وبَدَهي أن أي ناقد يجد صعوبة في اختصار أو التعريف بمضامين عمل مُحرر بكتابة تنسيقية (استدلالية)، فأن يجد صعوبة في اختصار ثلاثة أعمال مجتمعة مُحرّرة بكتابة استدلالية أولى، وهذه أولى الصعوبات التي تواجه كل من يرغب في الاشتغال على التعريف بمضامين الثلاثية، سواء تعلق الأمر باختصار مضامين الشق النظري (الجزء الأول) أو مضامين الشق التطبيقي (الجزء 2 والجزء 3).

معالم هذه المعضلة تتضح بشكل كبير في التفاعل مع الجزء الأول الذي يشتغل على الشق النظري، لاعتبارين اثنين على الأقل:

ــ أولهما أن العمل لا يتعلق بعملي تجميعي، على غرار بعض الأعمال التي صدرت لطه عبد الرحمن سابقاً، وتصب في هذا التوجه (على قلتها)، من قبيل كتابه “سؤال العمل” أو كتاب “سؤال المنهج”؛ وإنما يتعلق بعمل يُميز لائحة من أعماله المُحررة بنمط من الكتابة نادر في مجالنا التداولي، أي الكتابة الاستدلالية، ونذكر منها كتابه “تجديد المنهج في تقويم التراث”، أو الجزء الأول والثاني من “فقه الفلسفة” أو “اللسان والميزان” أو “روح الدين”، أو “شرود ما بعد الدهرانية” وغيرها من الإصدارات.

ــ الاعتبار الثاني أن الأمر يتعلق بأطروحة اشتغل عليها طه منذ ستة عشر سنة، وصدرت بعض الإشارات حول مضامينها في أعمال سابقة، قبل أن تصدر لأول مرة بشكل تفصيلي في الجزء الأول من الثلاثية، ونقصد أطروحة “الفلسفة الائتمانية”. [بالنسبة لقراء ومتتبعي أعمال طه عبد الرحمن، فإن ثلاثية "دين الحياء" تتضمن بعض المصطلحات والمفاهيم التي سبق أن تطرق إليها طه في أعمال سابقة، وخاصة كتاب "روح الدين" (حيث الإشارة الأولى إلى مفهوم "الفلسفة الائتمانية")، أو كتاب "الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري" (حيث الإحالة على مفهومي "النظر المُلكي" و"النظر الملكوتي")، وأيضاً كتابه "شرود ما بعد الدهرانية" (حيث الإحالة على مفهوم "الشاهدية" والآمرية")].

بقيت أمامنا إشارة ضرورية في معرض التنبيه إلى المعنيين المباشرين بهذه الثلاثية، ويتعلق الأمر على ما نعتقد، بفئتين: الفقهاء والفلاسفة.

ــ فقهاء مجالنا التداولي، وبالتحديد الفقهاء الذين ينتصرون للفقه الائتماري، لأنه من شأن الاجتهادات الواردة في الثلاثية، (في شقها النظري على الخصوص)، تقديم مفاتيح نظرية لتجاوز عدة أعطاب طالت أداء العقل الفقهي السائد في مجالنا التداولي؛

ــ فلاسفة مجالنا التداولي، وبالتحديد الفلاسفة الذين ينتصرون للعقل المجرد، لأنه من شأن الاجتهادات الواردة في الثلاثية، (في شقها التطبيقي على الخصوص)، تقديم مفاتيح نظرية لتجاوز عدة أعطاب طالت الفلسفة المقلدة السائدة في مجالنا التداولي.

منتصر حمادة