dr taha
مقالات عن طه

جهود طه عبد الرحمن النقدية

الأحد 29 مارس 2009

يتفرد المنتوج الفكري الفلسفي للأستاذ طه عبد الرحمن عن نظيره العربي والمغربي شكلا ومضمونا، ويبدو كمن يحلق بعيدا خارج السرب الحداثي العربي، فقد ساهم بدور بارز في تطوير الدرس الفلسفي والمنطقي ومجمل القضايا المتعلقة بفلسفة اللغة منذ انخراطه في تدريس الفلسفة في المغرب في نهاية الستينيات من القرن المنصرم، وأثمرت جهوده مكاسب نظرية وعملية تبلورت في الآونة الأخيرة في مجال الآليات المنهجية المنتجة للخطاب الفلسفي، وتدلل مؤلفاته التي أنجزها خلال العقود الثلاثة الماضية على الجهد العميق المبذول في بلورة اختياراته الفكرية والفلسفية والإخلاص المتفاني في البحث عن سبل استئناف التحرير والتنوير من أجل الدخول بقوة في أفق النهضة وروح الحداثة المفقود منذ قرون، توجهت إصداراتهx الأولى إلى مجال اختصاصه الأصلي وهو المنطق وفلسفة اللغة وكان مصنفه “اللغة والفلسفة” باكورة إنتاجه في نهاية السبعينيات.

شهدت عقد الثمانينيات في نهايته انطلاقته الكبرى وكشفت عن قدراته السجالية المذهلة في نقد التصورات السائدة في الفكر العربي. ظهر ذلك جليا في مصنفاته “في أصول الحوار وتجديد علم الكلام” و”العمل الديني وتجديد العقل” و”تجديد المنهج في تقويم التراث”، وفي التسعينيات توجهت عنايته إلى إعادة الاعتبار للقول الفلسفي من خلال مؤلفاته الموسوعية لمشروعه “فقه الفلسفة” صدر الأول بعنوان فرعي “الفلسفة والترجمة” والثاني بعنوان “القول الفلسفي، كتاب المفهوم والتأثيل”، وأصدر بينهما كتاب “اللسان والميزان أو التكوثر العقلي”.

تأتي مؤلفات عبدالرحمن الأخيرة التي جاءت مع مطلع الألفية الجديدة في سياق النقد الأخلاقي للحداثة من خلال استثمار ولفت الانتباه وإعادة الاعتبار لأهمية التجربة الأخلاقية في التصدي للنزعات المادية الجاهلة والغافلة للعقل الحداثي المجرد، واستبداله بالعقل المؤيد باعتباره أعلى مراتب العقل القادر على إضفاء المعنى في شؤون الفكر والحياة، ويمكن القول ان كتابه “سؤال الأخلاق، مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية” أحد أهم المساهمات النظرية التي تمكن من قراءة مشروعه، وتعتبر مؤلفاته اللاحقة شروحا وتوسيعا لمجمل أطروحاته وهذه المؤلفات هي “الحق العربي في الاختلاف الفلسفي” و”الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري” وأخر ما أصدره كتاب “روح الحداثة، المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية”.

ينطلق عبد الرحمن في مشروعه النقدي من فكرة جوهرية بلورها في مقدمة كتاب “العمل الديني وتجديد العقل” قوامها المساهمة في التأسيس النظري لليقظة الدينية من خلال بناء وتركيب سندها الفكري والفلسفي المؤسس على الفكر العلمي المحرر على شروط العقلانية المعاصرة، وتخليصها من آفة الغلو في الاختلاف المذهبي الذي نتج عن الغفلة والنسيان لدور التغلغل والدخول في التجربة الإيمانية الحية التي تحمل الإنسان على الترفع عن النزاعات والصراعات المذهبية الضيقة.

ولهذا فان الحركات الإسلامية المعاصرة تتميز بكونها حركات بدون إطار تنظيري ومنهجي محكم، وتفتقد إلى “تبصير فلسفي مؤسس”، ولا بد من الشروع في عملية التجديد المنتظر من الأمة الإسلامية بتحقيق شرطيها الأساسيين وهما: شرط الدخول في التجربة الإيمانية التي تمكن من النفاذ إلى عمق الذات للوصول إلى عملية التخلق، وشرط مباشرة التعقل المبني على استيعاب أدوات النظر المنهجي الذي يمكن من تجدد السند العقلي، وبدون هذين الشرطين لا سبيل إلى بناء فكر ديني متجدد يتسم بخاصية الشمول والتكامل، فالعقلانية الأسمى لا يمكن الظفر بها من خلال المقاربات الاختزالية التفاضلية والتجزيئية لمعطيات الفكر والعقيدة الإسلامية.

يجتهد الأستاذ عبد الرحمن في صياغة نموذج غير مسبوق في فهم الفعالية العقلية يتعين في ثلاث مراتب: مرتبة “العقل المجرد” وينطبق على صاحبه وصف “المقارب”، ومرتبة “العقل المسدد” وينطبق على صاحبه وصف “بقرباني”، ومرتبة “العقل المؤيد” ويطلق على صاحبه “المقرب”، وتتميز النصوص الناقدة للتوجه التراثي للفكر الفلسفي العربي والفكر الحداثة بالقدرة على البناء الفلسفي المتشبع بآليات منهجية ولغوية تضع فكر عبد الرحمن في مكانة رفيعة ومتميزة في باب الحجاز الفلسفي والمناظرة الكلامية.

يمضي طه عبد الرحمن في بناء فلسفة أخلاقية إسلامية بواسطة المفاهيم السابقة مستحضرا المسلمات الأساسية في نقد واقع الحداثة الغربية وهي: مسلمة لا إنسان بغير أخلاق ومسلمة لا أخلاق بغير دين، ويصل في نهاية النقد إلى أن الأخلاق الإسلامية أخلاق كونية عميقة حركية، مقابل الأخلاق المحلية السطحية والجمودية، التي تولدت بفعل سيادة الحضارة الحديثة القائمة على ضرب محاصرة متعددة الأوجه والمظاهر على الإسلام، وتتمثل هذه المحاصرة في عدة مظاهر الأولى: محاصرة خارجية ترى في الإسلام عملا إرهابيا وخطرا حضاريا وذلك بسبب توظيفه في مقاومة الغزو الاستعماري والتصدي للمركزية الحضارية الغربية، والثانية: محاصرة داخلية تتمثل في مواقف الأنظمة والدول السائدة من العودة إلى الإسلام، حيث تمارس مختلف أشكال التضييق على الحركات والجمعيات والمنظمات والجماعات التي تدعو إلى الرجوع إلى الإسلام، والثالثة: المحاصرة الذاتية وتتمثل في وقوع بعض الدعاة في الاقتباس والإتباع وانتقال العمل من المجال التنويري الرباني، وهو مجال التربية الخلقية إلى مجال التسييس والتسيس بدل “التأنيس” الذي يقوم على السياسة الأخلاقية التي لا تربط التخلق بحيازة السلطة، وحصار ذاتي آخر يتمثل في شيوع العقلانية التجريدية التي تقدم النظر على العمل و تقتصر في نظرها المجرد على الضال المتلبس بدلا من التوسل إلى المعرفة بالعقل المؤيد، ويرى عبد الرحمن أن السبيل الأمثل لرفع ضروب المحاصرة المفروضة على الإسلام يكون عن طريق التوسل بالأساليب التنويرية والتحررية التي ينتج عنها تمام العمل وتحقيق الاكتفاء.

عمل طه عبد الرحمن على توسيع مفاهيمه السابقة في كتابه الأخير “روح الحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية” وشن حملة واسعة على دعاة الحداثة والتقليد، وبين بما لا يدع مجالا للشك الأسس الشنيعة التي تحكم تقليد الحداثيين، فإذا كان التقليديون يقلدون المتقدمين، فإن الحداثيين يقلدون المتأخرين، بل إن تقليد الحداثيين بحسب عبد الرحمن يبدو أشنع من تقليد التراثيين، لأن الحداثة والتقليد حسب تعريفهم ضدان لا يجتمعان، في حين أن التراث و التقليد بموجب تقريرهم صنوان لا يفترقان، ويسعى في مجمل أطروحاته إلى أن يبصّر الحداثيين بمدى التقليد الذي أصابهم، وحرمهم من فتح فضاء الإبداع، وذلك عن طريق التفريق بين “روح الحداثة” التي يجب تحصيلها وتوصيلها وحفظها، و”واقع الحداثة” الذي لا إشكال في تركه وتجاوزه إلى واقع غيره لا يقل عنه حداثة، وبالنسبة للتراثيين يطمح بأن يخرجوا من رق التقليد المعوق، بفتح فضاء الاجتهاد، ولا يتم ذلك إلا بسلوك طريق تطبيق روح الحداثة على مقتضى التداول الإسلامي التي تجتمع فيها مبادئ الرشد والنقد والشمول والذي يسمح بتجاوز القراءات الحداثية المقلدة التي انبنت على الاستنساخ وليس الاستكشاف وعملت على تعطيل الإبداع الموصول.

 

حسن أبوهنية