dr taha
مقالات عن طه

تكريم مشهود لطه عبد الرحمن في أرض سوس العالمة

الأحد 2 مارس 2014

هذه انطباعات ومقتطفات عابرة من شهادات ميّزت الحفل العلمي الذي جعل من أكادير، العاصمة السياحية لهذه الأرض الطيبة، تصبح طيلة 48 ساعة على الأقل، عاصمة علمية بامتياز، على هامش انعقاد ندوة دولية احتضنتها يومي 26 و27 فبراير 2014، في سياق الاحتفال بمشروع طه عبد الرحمن، في لقاء نظمته كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة ابن زهر أكادير، بالتعاون مع مختبر القيم والمجتمع والتنميـة ـ أكادير؛ مختبر الترجمة والمعرفة ـ مراكش، وفريق البحث في التعليم والترجمـة ـ أكادير، وجاء هذا اللقاء العلمي تحت عنوان “الإبداع الفكري بين النظرة التكاملية للعلوم والمنظور التأثيلي لاستشكال المفاهيم”.

تميزت الجلسة الختامية إذا لهذا اللقاء العلمي بإلقاء ثلة من الأساتذة شهادات شخصية في حق المحتفى، طه عبد الرحمن في جلسة ختامية حضرها عريس الليلة العلمية وترأسها إبراهيم الوافي، رئيس المجلس العلمي لإنزكان.
وهكذا افتتح أحمد شحلان الشهادات باستعراضه بعض الذكريات التي جمعته مع طه عبد الرحمن في رواق الجامعة المغربية، وتحديدا كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، مُنوها بأعمال “فيلسوف الأخلاق” ورصانتها لأنها تنتقد المشاريع الغربية، نقدا وتحليلا، ولأنها تأتي بالبديل، انطلاقا من خصوصية المجال التداولي الإسلامي العربي.
جاءت الشهادة الثانية على لسان مصطفى المرابط، رئيس مركز مغارب للدراسات في الاجتماع الإنساني، والذي لم يتوقف فقط عند طبيعة الهموم العلمية التي نهل منها في أعمال طه عبد الرحمن، ولكن توقف خاصة عند طه الإنسان، وكيف لا يدلي بهذه الشهادات الشخصية، وهو أحد مرافقي الرجل منذ عقدين تقريبا، منذ أيام تأسيس منتدى الحكمة للمفكرين والباحثين، وبعدها تدشين أولى الأنشطة العلمية لمركز مغارب عبر إلقاء طه عبد الرحمن محاضرة في موضوع “أخت العلمانية وفصل الدين عن نفسه”، كما أن مصطفى المرابط، المتخصص أساسا في فلسفة العلوم، كان مرافقا لطه عبد الرحمن في رحلة استشفائية للولايات المتحدة الأمريكية خلال خريف العام الماضي، وتكللت ولله الحمد بالنجاح، بالرغم من عودة آلام القلب بين الفينة والأخرى. (سوف تتوقف شهادة عباس أرحيلة عند قلاقل هذه الآلام، ليُذكر الحضور الكريم، بأن طه عبد الرحمن كان يستعين بالإيمان المُوسع من أجل مواجهة حدتها..)

مداخلة مصطفى المرابط توقفت أيضا عند الدور الذي قام به طه عبد الرحمن في انعتاق الشاهد المرابط من أزمة تيه معرفي وحضاري مُؤرق، قبل أن يخرج منها مع صدمة معرفية، تجلت في قراءة إحدى الأعمال المؤسّسة لمشروع طه عبد الرحمن: كتاب “العمل الديني وتجديد العقل”. (هذا الكتاب بالمناسبة، هو أهم مفاتيح مشروع الرجل، ومن قرأ كتابه “روح الدين” سيجد آثار “العمل الديني وتجديد العقل” حاضرة بقوة.. وفي غيرها من الأعمال).
وأغلب الظن، أن الخروج من مرحلة التيه المعرفي والحضاري، كما جرى مع مصطفى المرابط، تم أيضا مع العديد من الحاضرين في أشغال هذا اللقاء العلمي، الذي كادت جلسته الختامية أن تتحول إلى جلسة روحانية، يذرف معها الحضور الدموع، بسبب مضامين الكلمة التي ألقاها طه عبد الرحمن في نهاية أشغال اليومين العلمين، ومع أن الأمر يتعلق فقط بكلمة شكر وتقدير موجهة إلى اللجنة المنظمة والحاضرين (من باحثين، قدموا من المغرب والجزائر وتونس ومصر..)، فقط قرأ العريس كلمة أشبه بمحاضرة، حَرّرها خصيصا للحدث، ارتحل فيها عن حقه في الشكر والشهادة على شهادة الحضور، حيث افتتحها بالإشارة إلى أنه لا يقدر عن شكر الحضور، أما “الشهادة ـ يضيف طه هبد الرحمن ـ فأتدبرها.. الوجود كله شاهد ومشهود، والشهادة آية كُبرى كلما ازددت فيها تأملا ازددت تعجبا ومن أعجب ما فيها”.
بالنسبة لشهادة عبد المجيد الصغير، من جامعة محمد الخامس الرباط، فركزت خصوصا على فرادة أعمال ومشروع طه عبد الرحمن في السمو على مجمل المشاريع الفكرانية (الإيديولوجية) التي تعاني من نقص جلي في التخلق والمتشبعة حد التضخم بآفة التسيّس، وتميز أعمال طه أيضا بنقد ونقض مُجمل هذه الفكرانيات، سواء كانت تنهل من مرجعية دينية أو مادية، واستغرب الصغير من انقلاب بعض المفكرين والباحثين بخصوص التعامل مع التصوف بين الأمس واليوم: بالأمس كانت الشيطنة شعار اللحظة، واليوم، نجدهم يحتفون ببعض الرموز الصوفية من الزمن الذي مضى، مقابل شيطنة رموز اليوم!
نأتي لمداخلة من يُعتبر اليوم بمثابة “الوريث الشرعي” للدرس المنطقي في الجامعات المغربية، حمو النقاري دون سواه، من جامعة محمد الخامس الرباط، وعلى غرار أعماله التي تتأسس بدورها على الكتابة الاستدلالية والمنطقية، جاءت مداخلته مُركزة ودقيقة، حيث أبهر الحضور ـ على غرار أغلب المتدخلين ـ بتواضع العلماء الذي ينطبق عليهم الأثر العربي الشهير: “ملأى السنابل تنحني بتواضع.. والفارغات رؤوسُهن شوامخُ”، معتبرا أن مُجمل ما حرره من أعمال (مؤلفات وأبحاث)، لا يعدو أن يكون أثرا من نهله العلمي من أعمال طه عبد الرحمن، ومن باب التذكير فقط، نقرأ نفس الشهادة، أو مضامينها وإشاراتها، في أحدث أعمال حمو النقاري، والصادر منذ أسابيع فقط، ويحمل عنوان: “منطق تدبير الاختلاف من خلال أعمال طه عبد الرحمن”. (الشبكة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط 1، 2014، وهنا وجبَ التذكير بما يُشبه مُسلمة علمية: الكتابة عن طه عبد الرحمن شيء، ونتحدث عما يُحرره هذا القلم أو ذلك، سواء تعلق الأمر بالباحثين والكتاب والإعلاميين.. وكتابة حمو النقاري عن طه عبد الرحمن شيء آخر، وليس هذا مقام التفصيل في مضامين ومقتضيات هذه المُسلمة، ونحسبُ أنه لدينا قلة قليلة من الباحثين، مؤهل للرقي إلى هذه المرتبة في الكتابة الاستدلالية والمنطقية، نذكر منهم على سبيل المثال عبد الجليل الكور ورضوان مرحوم…).
من الإشارات التي جاءت في شهادة حمو النقاري، وهي إشارة مرتبطة للمفارقة بواقع الدراسات المنطقية، بين المغرب وفرنسا، إقرار الشاهد أنه تعلم علم المنطق على يد المعني بالشهادات، قبل أن يحط الرحال بجامعة السوربون الباريسية العريقة، ليخلُصَ النقاري إلى أن ما يُدرس في السوربون لا يرقى إلى ما ألفه طه عبد الرحمن في المنطق.

بالنسبة لعبد الجليل هنوش، من جامعة القاضي عياض بمراكش، فقد اعتبر أن عريس اللقاء والليلة أشبه بفقيه فقه مجاهد، جاهد لزمن طويل، وأن سيرته العلمية تستحق أن تدرج باقتدار في سِفْر عظماء هذه الأمة، مختتما شهادته بالإشارة إلى أن طه عبد الرحمن اختاره الله ليكون دليلا لهذه الأمة في هذا الزمن. والأستاذ هنوش للتذكير، إلى جانب عباس ارحيلة وأسماء علمية من مراكش البهية، كان أحد مهندسي أول لقاء تكريمي لمشروع طه عبد الرحمن، قبل أن يتم الاتفاق على تنظيم هذا اللقاء في أكادير، على أمل تنظيم النسخة الثانية منه في مراكش العام القادم بحول الله.
نأتي لشهادة عفوية وتلقائية وحماسية في آن، جاءت على لسان عباس أرحيلة، من جامعة القاضي عياض مراكش، والأستاذ ارحيلة بالمناسبة، هو مؤلف كتاب يحمل عنوان “فيلسوف في المواجهة.. قراءة في فكر طه عبد الرحمن” (صدر الكتاب عن المركز الثقافي العربي، بيروت ـ الدار البيضاء، ط 1، 2013).
شهادة عباس ارحيلة توقفت عند نقاط قوة المحتفى بها، ولخصها في ست أو سبع نقاط، نذكر منها على الخصوص، قوته في مواجهة المرض، وقوته في مواجهة كافة الفكرانيات، خاصة في عالم يعيش على إيقاع تقديس الفكرانية الرشدية دون سواها، وآه من مصير كل من ترجأ على معاداة هذه الفكرانية، ونجد ضمن هؤلاء طه عبد الرحمن الذي أعلن منذ زمان عن رفضه أن يكون رشديا، على غرار السائد في الساحة اليوم، محليا وإقليميا وعالميا.
من نقاط قوة طه عبد الرحمن أيضا، يضيف عباس ارحيلة، كونه انتصر لعلم المنطق رغم الصعاب والمعيقات والصراعات، معتبرا في هذا الصدد، أن هذه الميزة، جعلت بعض الأسماء العلمية في الساحة الجامعية المغربية تحارب المنطق على قدر محاربتهم لطه، مصادقا بدوره على ما جاء في شهادة حمو النقاري، من أن ما صدر عن طه عبد الرحمن في علوم المنطق لا يساوي شيئا مع ما هو مفترض أن يصدر عنه؛ وكانت آخر نقاط القوة عند المحتفى به حسب المتدخل، أنه جَمَعَ بين العلم والعمل، وهو الجمع الذي كان دوما لصيقا بالتراث العلمي عند المسلمين، ليس هذا وحسب، إن قوة طه، يضيف ارحيلة، تكمن في أنه جعل عمله من جنس علمه، وجعل علمه من جنس عمله.
نأتي لشهادة مراد خير الدين، من جامعة القاضي عياض بمراكش، وجاءت بالفرنسية، والمفارقة أنها كانت غنية بالإشارات، وأشبه بقصيدة شعرية، مع لمسة روحية، تجسّدت في العديد من الفقرات والشهادات، منها مضامين واقعة حدثت في إحدى المقاهي الشاطئية بشمال شرق المغرب، في جلسة علمية وذوقية جمعت بعض المفكرين والأعلام، منهم طه عبد الرحمن، ومايكل طاو شان، الحكيم الفيتنامي الذي نافس بان كي مون على الترشح لمنصب الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة، حيث كان المتحدث (مراد خير الدين) يُترجم بين الفينة والأخرى ما يصدر عن طه إلى طاو، رغم أن طه متمكن من اللاتينية واليونانية والألمانية، (وحده الراحل عبد الرحمن بدوي، من يٌنافسه في هذا المضمار)، فبالأحرى الإنجليزية والفرنسية والعربية، ولكن غَلبَة الحضور الناطق بالعربية على ما يبدو، تطلب أن يتحدث بالعربية، على أن يُترجم مراد خير الدين بعض الحديث لطاو شان، وفي مضامين هذا الحديث، إشارة طاهائية، عَجزَ خير الدين عن ترجمتها، بسبب نبرتها الروحية، فما كان من طاو شان إلا أن طلب منه عدم ترجمة المقطع، لأنه برأي هذا الحكيم الفيتنامي، الكلام الذي يصدر من القلب يصل مباشرة إلى القلوب.
جاءت آخر المداخلات على لسان أبوبكر العزاوي، من جامعة مولاي سليمان بني ملال، وتوقف خلالها عند أهم معالم مشروع عريس اللقاء العلمي، كما عقد مقارنة بين طه الرحمن وأبي حامد الغزالي، بين ما يجمعهما ويُفرق بينمها.
كانت هذه إذا، مقتطفات عابرة من شهادات مَيّزت أشغال هذا اللقاء العلمي المُخصص لمشروع الفيلسوف المجدد طه عبد الرحمن، على أن نعود لاحقا بحول الله لأهم مضامين محاضرة طه عبد الرحمن الأولى والثانية: جاءت الأولى تحت عنوان “الاشتغال بفقه الفلسفة ضرورة علمية لا خيار فكري”، وجاءت الثانية تحت عنوان “علاقة الأخلاق بالدين” ـ وسوف تصدر لاحقا بشكل مفصل، في كتاب يُعتبر تتمة كتابه الأخير “بؤس الدهرانية” ـ واحتضنتها كلية الشريعة بآيت ملول، قرب أكادير، يوم 27 فبراير، حيث ترأسها رئيس المجلس العلمي لأكادير، محمد جميل، كما حاضر فيها عبد الجليل سالم، رئيس جامعة الزيتونة، من تونس، الذي أكد للحضور أن طه عبد الرحمن مُطالب أكثر من وقت مضى بأن يُحاضر في الجامعات التونسية، ونفس الأمر سمعناه من الأساتذة الأفاضل الذي قدموا من الشقيقة الجزائر، أما في السعودية، فللمتتبع أن يسأل دور النشر التي تطبع أعماله، حول طبيعة تفاعل زوار معرض الرياض الدولي للكتب.

منتصر حمادة