dr taha
متابعات

تعليق على أضمومة “من الإنسان الأبتر إلى الإنسان الكوثر”

الأربعاء 14 ديسمبر 2016

محمد العربي هروشي
تقديم:

يطرح الدكتور طه عبد الرحمن في هذا الكتاب، الذي هو من جمع وتقديم الدكتور رضوان مرحوم، قضية على قدر كبير من الأهمية ذات صلة بالتأصيل الفكري والمنهجي للخطاب التربوي الإسلامي وتميزه عن غيره من الأطر الفكرية والنظرية التربوية الغربية الغيرية، كما يطرح ضرورة بناء أي خطاب تربوي على أسس فلسفية تتضمن المبادئ الأساسية لبناء نظري.

منذ البداية يشترط المفكر د. طه عبد الرحمن أربعة شروط لبناء النظرية التربوية الإسلامية بوصفها نظرية وخطابا مخصوصين يمتازان عن غيرهما من النظريات والخطابات، ويشترط أن يكون ذلك التأسيس من داخل الدين لا من خارجه.

وإذا كانت قضايا التربوية تروم تحصيل التربية، فإن د. طه عبد الرحمن يقيدها بتعاليم الشرع الإلهي؛ إذ لابد أن تتلبس النظرية الإسلامية بمقاصد الشرع حتى تضحى عقلا مسددا، وهو ما اصطلح عليه بكمال التأسيس، وهذا هو الاعتبار الأول.

أما الاعتبار الثاني، فإن التدين عنده ليس مجرد سلوك تعبدي، بل صيغة لتحقيق الذات في الوجود. لذا فالتدين هو أفسح وأوسع من العقل المجرد مهما اتسعت أطرافه؛ إذ هو بمثابة الفرع من الأصل، فحقائق التدين بالنسبة إليه لا تنضب.

أما الاعتبار الثالث عنده فيرتكز على تصور العقل المجرد من العمل الشرعي عن إدراك الحقائق الإيمانية بل الغيبية التي أخبر عنها الدين، فالإيمان بالعقل أسبق على الإيمان بصوابه.

وإذا كان المفكر الإسلامي طه عبد الرحمن يشترط في الخطاب التربوي الإسلامي البناء على فلسفة مستوحية أصولها من الشرع، فإنه مع ذلك لم يستبعد أن يكون هذا التأسيس مقيدا بالتاريخ، فواضح أن إسناد صيغة إسلامية للخطاب التربوي إنما هو لجوء وعودة إلى سؤال الذات واستعادة الهوية الثقافية من خلال ما تراكم من ممارسات تربوية إسلامية سابقة.

إن تنصيص د. طه عبد الرحمن على تاريخية الخطاب التاريخي لا يعني استعادة مضامينه وقواعده، وإنما الأخذ بالبعد البراغماتي باستنباط ما تأكدت فائدته من الممارسات السابقة نقدا وتقريضا.

يتقاطع تصور د. طه عبد الرحمن مع كثير من التعارف التي أعطيت للفلسفة حينما يعتبره سؤالا عن المنهج من أجل تحقيق السعادة/”تحصيل الحياة الطيبة”، فهو إذ يقر بهذا يعتبر الفلسفة مشروعا تربويا صريحا، مستحضرا البعد البيداغوجي الهام للفلسفة بعيدا عن أي بعد نظرة تأملية مجردة، وإنما تحويل القواعد والمعايير إلى سلوكات على أرض الواقع.

إن التأسيس عند مفكرنا الإسلامي طه عبد الرحمن نظير التأصيل، تأصيل الفلسفة التربوية المستندة إلى تعاليم الوحي/الشرع الذي هو في آخر المطاف مأصوليتها.

أصول الأسس الفلسفية للنظرية التربوية الإسلامية عند د. طه عبد الرحمن

يحصر د. طه عبد الرحمن هذه الأسس في مبادئ خمسة عليا تتفرع عنها مبادئ أخرى:

أ -الثبات

ب -الاستقلال

ج -الحياة

د -الإبداع.

أما الصفة الأولى فموسومة بالدوام والاستقرار والمتغير فيها لا يستقر. والواقع أن د. طه عبد الرحمن جد دقيق في نحت واستعمال المصطلحات؛ بحيث يميز الفروقات الثاوية فيها من قبيل “المتغير التربوي المتحرك” الذي هو رهين وظيفته، و”المتغير القلق” الذي ليس منوطا بوظيفة مخصوصة، وكذلك الحال مع مصطلح “الثابت الجامد” الذي نعته بخلوه من الروح، وبالتالي فإن الأخذ به جلبة للضرر تؤثر سلبا على العملية التربوية، إذ يخلو من أي إبداع، أما “الثابت الراسخ” فهو المنوط به الخطاب التربوي الإسلامي المساير لسياق التاريخ وحاجة المجتمع الإسلامي في ضوء التطورات المحيطة به.

وفي إطار التفاعل فيما بين الأنساق النظرية التربوية التراثية وغير التراثية، يطرح د. طه عبد الرحمن مبدأ “الاستقلال” فيما يرجع إلى المقوم التربوي في نطاق علاقته بغيره خارج نسقه في إطار التبعية والاستقلال الذي ميز فيه بين نوعين؛ الأول وسمه بـ”الانفصال”، فيما وسم الثاني بـ”الاختصاص”، ليخلص إلى أن المقوم التربوي الإسلامي يتصف بالاستقلالية والاختصاص،؛ أي إنه منفتح على تجارب تربوية غيرية دون مركب نقص وإنما اختصاصه يقوم على مفهومين متجاورين ومتفاعلين في الآن ذاته، وأعني بهما الاستمداد؛ أي الاسترفاد من التراث التربوي الغيري، والإمداد بمعنى إرفاد وإمداد الغير المختلف مما يثري خصوصيته، ومن هنا وفي إطار من التكامل بين الاستمداد والإمداد تبنى النظرية الكلية الكونية التربوية الإسلامية.

النظرية التربوية الإسلامية بين التكوثر والبتر

يتوقف المفكر الإسلامي د. طه عبد الرحمن عند التمييز بين نمطين من الإنسان:

لقد مر معنا أن الأس الفلسفي للخطاب التربوي الإسلامي من منظور الفيلسوف إنما هو مرتبط بالشرع/التدين، وعليه فإن الإنسان المسلم لا يتدين بغية في الدين في حد ذاته، وإنما لكونه صاحب رؤية للعالم ورسالة للعالمين؛ لذلك فإن الإنسان الأبتر، حسب وجهة نظر د. طه عبد الرحمن، هو ذاك الذي فقد البوصلة، بل ذاك الذي انعطف عن “التأييد”، ومن ثمة بدد قواه وقدراته إلا قليلا بسبب صرفها كلها في وجهة مخصوصة، أو لضيق أفق نظره. ص 2.

فيما الإنسان “الكوثري” يعرفه بكونه ذاك الذي يستثمر كل قواه وملكاته وقدراته الوجدانية والعقلية مستثمرا إياها إلى أبعد الحدود؛ بحيث يقوم بأدوار متعددة ووظائف مختلفة محققا التكامل الذاتي.

وإذا كانت النظرية الغربية تتحدث عما أسمته بـ”الإنسان متعدد الأدوار” الذي يجعل من مسألة الإيمان مجرد مكون من بين المكونات الأخرى التي قد يمكن الاستغناء عنها تحت ذريعة معطيات الحداثة وسمو العقل المجرد والابتعاد عن الغيبيات، فإن الإنسان الكوثر يمنح للإيمان مكانة عظمى، فهو بمثابة الأصل الذي تتشعب منه كل الأدوار المتبقية.

وهذا مرتبط بدرجة تمكن الإيمان من النفس حتى تستحيل طاقة خلاقة متدفقة في كل قوى الإنسان الظاهر منها والخفي.

هذا المعطى يسلمنا إلى قضية أخرى طرحها د. طه عبد الرحمن حينما ميز بين “الإبداع المصور” و”الإبداع المثور”، على نحو يقتضي من الأول مجرد تقليد ومحاكاة لما هو معطى وموجود.

بيد أن الثاني “الإبداع المثور”، والذي عليه التعويل، هو الذي يفارق النموذج/المثال، ويفترع صورا وبدائل تقطع قطعا كليا مع ما هو موجود.

ويكون هذا الصنف من الإبداع هو المبتغى من أجل تجاوز الكوارث والمشكلات المطوقة للإنسانية والأخطار والتحولات المحدقة بها، ومن هنا سر بناء الإنسان “التواق” إلى الخير وتحقيق الكمال عبر الفلسفة التربوية الإسلامية، وفق تصور د. طه عبد الرحمن.

من تجديد الفلسفة التربوية الإسلامية إلى تجديد الإنسان في المتعلم المسلم/أو إحياء روحه

من خلال هذا المبدأ الأعلى الرابع يتضح أن التجديد المحدود لا ينفع في بناء الإنسان المسلم، وإنما لابد من تجديد كامل على أساس الثوابت المستقلة والحية والمبدعة التي أفرزها تراثها التربوي، فالتجديد هاهنا يأخذ منحى جذريا/خلقا جديدا، بتعبير د. طه عبد الرحمن نفسه، وصولا إلى “التكوثر” الضامن للإيمان الدفاق بواسطة التثوير الموجب الضامن للعمل التواق حتى يستعيد الإنسان وظيفته الرسالية التي فقدها، في إطار صراع الحضارات أو نهاية التاريخ على زعم مفكري الغرب.

الصياغة الشاملة للإنسان ومطب الحداثة الغربية

ينحت المفكر د. طه عبد الرحمن مصطلحا دقيقا سماه “مبدأ التفريغ”، الذي هو، بحسب رؤيته، لا ينفك عن مفهوم العلمانية المعادل للفصل القائم بين الديني والسياسي؛ أي فصل قوى الإدراك الإنسانية من عقل وسمع وبصر وذوق وشم عن وعائها الأصلي الذي هو “الروح” أو “القلب”. والواقع أن هذه الأفعال كلها أفعال القلب، بالمعنى الفلسفي الإسلامي الذي حدده القرآن في أكثر من آية، ولمنع هذا الفصل الذي أتت به الحداثة الغربية /العلمانية، يقول د. طه عبد الرحمن لابد من نحت مفهوم آخر اصطلح عليه بـ”مبدأ الربط”، ويقضي بربط كل هذه المدارك سالفة الذكر بالقلب، وإذاً هذا هو المخرج الأساس لبناء إنسية جديدة للإنسان بعد إعادة صياغة للقلب أو للروح، نوع من الانبعاث يحدث جراء “إحياء الروح”.

مفهوم “العقل الموسع” عند د. طه عبد الرحمن وأثره على المتعلم في استجلاء أسرار الكون

ينطلق د. طه عبد الرحمن من مسلمة مفادها أن الإنسان الحديث تداول كثيرا مفهوم الظاهرة وسحبه على جميع تجليات الكون، الظاهر منها والخفي، وعزا ذلك إلى إباء الإنسان الحديث أن يبقى شيء ما خافيا عنه بما في ذلك بعض القضايا التي لا تظهر للعيان/قضايا باطنية نظير الروح، النفس إلخ، وأن عصر الأنوار جرد العالم من أسراره، مما جعل طه عبد الرحمن يصف هذه الحالة بـ “مبدأ التظهير”؛ أي اشتراط الموجودات بظهورها وعدم ظهورها بعدمها من الوجود معتبرا هذا الأمر تضييقا على العقل وانفصالا عن موضعه الذي هو القلب؛ إذ البصر عنده يحصل بالقلب لا بالعين.

وإذا كان قد عرف العقل عنده باعتباره جماع القدرات الإدراكية والإرادية والوجدانية التي ملجؤها القلب، إلا أنه قد عمد إلى نحت مبدأ آخر مقابل “مبدأ التظهير” سماه “مبدأ ازدواج قوى الإدراك لدى الإنسان”، مفسرا ذلك بأن كل قوة من تلك القوة الإدراكية أضحت مزدوجة: قوة خارجية منوطة بإدراك الأشياء الخارجية وقوانينها، وقوة داخلية تكشف بواطن الأشياء وتعري أسرارها، معتمدا في ذلك على آيات من القرآن الكريم، (الآيات 198 سورة الأعراف، 42 و44 سورة يونس، 20 سورة هود، 79 سورة الأعراف، 21 و22 سورة الأنفال، 79 و81 سورة النمل).

ويقتضي الأمر، وفقا لهذا التصور، المعتمد على القرآن الكريم في تفسير ماهية العقل بقواه المزدوجة، أن تنهض النظرية التربوية الإسلامية بترويض عقل المتعلم المسلم وتربيته على أن يزدوج بعقل ثان يؤسس ما أدركه عقله الأول مؤسسا إياه على القلب بوصفه الأصل الذي كان انفصل عنه العقل الأول، ويتجلى هذا الاستمداد في “مقاصد” و”معان” و”قيم” و”مثل” من شأنها أن تعيد إلى العقل آفاقه الواسعة.

يربط المفكر د. طه عبد الرحمن ربطا وثيقا بين الإيمان والقيام بالتدبر والتفكر والتذكر في الذات وما يحيط بها بوصفها آية من آيات تدل على خالق معجز.

ولذلك فإن الأخذ بهذا المنحى في صياغة النظرية التربوية الإسلامية يعني، لما يتعلق الأمر بتلقين المعرفة العلمية كيفما كانت طبيعتها، أن هذه المعرفة ليست مجرد مجموعة من الظواهر تحت سلطة التصرف البشري. وإنما، وبحسب وجهة نظر فيلسوفنا د. طه عبد الرحمن، آيات من آيات خالق حكيم سخر ظواهر الأشياء للإنسان فيما لها بواطن لا سلطان للإنسان عليها.

عن النزعة الأخلاقية التي يصدر عنها د. طه عبد الرحمن، تضعنا أمام تساؤل رئيس:

هل كل ما راكمته الإنسانية من منجزات علمية طيلة مراحل تاريخية إنما تطورت من خارج العلم لا من داخله كما يذهب إلى ذلك د. طه عبد الرحمن؟

وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا تتصف النظرية العلمية بصدقتها العلمية إلا إذا كانت قابلة للدحض كما قال بشلار، بل وكما أكد هو ذاته حينما تحدث عن مفهومي “المدحوضية” و” النسبية”؟ أو ليس المدحوضية والتنسيب هما من صميم التطور الداخلي للعلم؟

نعتبر هذا الموقف الذي يضعنا فيه المفكر المغربي د. طه عبد الرحمن موقفا مثاليا إزاء التطور العلمي. وفيما يعتقد د. طه عبد الرحمن بضرورة صياغة رؤية علمية كونية جديدة تقدمها النظرية العلمية الإسلامية إلى الإنسان تتأسس عليها مقاربات علمية غير مسبوقة وتطبيقات غير منظورة، نطرح تساؤلا آخر:

إن نقد “الرؤية التي دمغت بها الحضارة الغربية عقولنا” يقتضي الوقوف عند الحضارة الغربية التي بدورها حلقة ولبنة متواصلة من تطور الحضارة الإنسانية جمعاء، وضمنها الحضارة الإسلامية ما قبل عصر الأنوار، في أوروبا والتي من دون شك أفاد منها الغرب ترجمة وتأصيلا.

هل كان التطور العلمي الإسلامي في عهد ازدهاره صادرا عن عقل مجرد من بعده الإيماني؟

بمعنى آخر، إذا كان الجواب بالإيجاب لزم أن يكون المسلمون قد مارسوا العلمانية قبل الغرب؟ وهذا ما لم تؤكده المعطيات التاريخية إلى حد الآن.

جماع القول إن دحض د. طه عبد الرحمن، وهو الفيلسوف المغربي الذي افترع فلسفة خاصة به لها منطقها الخاص، والذي أولى للأخلاق أهمية قصوى في صياغة الإنسان وفق التصور الإسلامي من منظور هذا الأخير والمخصوص، يدافع على أطروحة جوهرية ضمن هذا الكتاب، مفادها أن التأسيس الفلسفي للنظرية التربوية الإسلامية تأسيس ضروري لا مناص منه، مشترطا أن يكون من داخل الدين وعبر ما تراكم من تراث تربوي للمسلمين.

وبهذا يكون قد رسم قطيعة إبستمولوجية مع التراكمات الفلسفية والنظرية التربوية الوضعية بمختلف مدارسها الغربية، فقط لأنها في نظر د. طه عبد الرحمن صادرة عن عقل مجرد؛ أي عما سماه بفصل العقل عن القلب/الروح.

وفي الختام، تعتبر هذه الرؤية الفلسفية التي اقترحها علينا المفكر والفيلسوف المغربي د. طه عبد الرحمن صرخة التحدي لإبداع نسق تربوي إسلامي يصنع من المتعلم المسلم الإنسان التواق إلى الإبداع والكمال والسعي إلى الخير بما هو مقصد سامٍ يترجم الدور الذي يتصوره د. طه عبد الرحمن للإنسان المسلم الذي له رسالة ودور يقوم بهما في العالم.
المصدر: موقع هسبرس، بتاريخ الثلاثاء 13 دجنبر 2016.