dr taha
مقالات عن طه

المعجم الأصولي في فكر طه عبد الرحمن

الأربعاء 22 يناير 2014

كلّ منْ يقْرأ المنْجز الفكريّ للفيلسوف المبْدع طه عبد الرّحمن، يكْتشف تنوّع المصادر المعْرفيّة الّتي ينْهل منْها في صوْغ أطاريحه المعْرفيّة و الثّقافيّة، ويتّضح له إبْداعَ طه في إعادةِ ترْكيب جُزْئيّات هذا التّنوّع، وفْق نظريّة محددّة تتضمّن رؤيته الفكريّة، فينْعكس ذلك على مجْمل مصنّفاته المتفرّدة، أسْلوبا في الكتابة، ومنْهجا في الاسْتدلال، وكأنّ القارئَ إزاء معءرفة جديدة، لا علاقة لها بالمصادر المعْرفيّة التي أخذ عنْها طه، وفي هذا يكمن سرّ قوته، يُخْرِجُ منْ بيْن تُراث الذّات وتراث الآخر معرفةَ خالصة للْقارئين.

منْ بين مصادر المعْرفة التّي يستثمرها طه في بناء أطروحاته الفكْريّة، معْجم علْم أصول الفقه؛ هذا العلْم الّذي يُعتبر الأساس المنْهجيّ لمفكّري الإسْلام في قراءتهم للْوحي قرْآنا وسنّة، هو منْ أكْثر علوم الشّريعة نضْجا واكْتمالا، ومنْ أهمّها تنوّعا وثَراءا، فهو علْم بنيته النّظرية متماسكة الأرْكان، متناسقة المفاهيم، تُنْتِج مصْطلحات تتّسم بالدّقة، وقواعد تتّصف بالإحْكام.

في بناء إحدى أطروحاته التي تقدم بها أمام جمْع من الباحثين، بمناسبة انْعقاد اللّقاء العلْمي الأوّل لمرْكز مغارب للدّراسات في الاجْتماع الإنْساني في شهر نونْبر من السّنة الماضيّة، تقدّم الأستاذ طه بمحاضرة سؤالها الكبير؛ كيف نَحْفظ الإنسانَ و الإيمانَ من المخاطر المعاصرة؟

تحدّث طه في عرْضه عنْ واقع الإنْسان في زمن العوْلمة، فبيّن أنّ الإنْسان، حُوِّل إلى الحالات الآتيّة؛ الإنْسان الآلة، الإنْسان السّلعة، الإنْسان المعْلومة؛ فالإنْسان الآلة جوْهره التّجْريد و التّفْكيك، و الإنْسان السّلْعة جوْهره الرّبْح و الخسارة، و الإنْسان المعْلومة جوْهره الأرْقام.

إزاء هذا الواقع يدْعو طه عبْد الرّحمن إلى حفْظ الإنْسان، بنقْله من حالة الآلة إلى حالة الآية، ومن حالة السّلعة إلى حالة الهِبَة، ومن حالة المعْلومة إلى حالة النّفْخة، ففي الأولى حِفْظ لتكامل الإنْسان، وفي الثانيّة حفْظ لتكريم الإنْسان، و في الثاّلثة حِفظ لفطْرة الإنْسان.

أمّا واقع الإيمان اليوْم؛ فيذْهب طه إلى أنّه قد حُوِّل إلى الحالات الآتية؛ الإيمان الرّسْم، الإيمان النّفْل، الإيمان الوهْم؛ فالإيمان الرّسْم جوْهره القشور، والإيمان النّفْل جوْهره التّساوي بين وجود الإيمان وعدمه، و الإيمان الوهْم جوْهره التّعلقّ بالهوى.

إزاء هذا الواقع الإيماني؛ يدْعو طه إلى حفْظ الإيمان، بنقْله من حالة الإيمان الرّسْم إلى حالة الإيمان الرّوح، ومن حالة الإيمان النّفْل إلى حالة الإيمان الضّرورة، ومن حالة الإيمان الوهْم إلى حالة الإيمان الذذوق، ففي الأولى حفظ للبّ الإيمان، وفي الثانيّة حفظ للإيمان كضرورة إنْسانيّة، وفي الثّالثة حفْظ للإيمان كذوْق جماليّ تعْشقه الرّوح.

بهذه الوصْفة الّتي يقْترحها طه يتحقّق حِفْظ الإنْسان و حِفظ الإيمان، فينْتقل هذا الإنْسان من الضّيْق إلى السَّعة، ويحْيا في رحاب إيمان مشغِّل و فعال.

هذه هي الأطْروحة المرْكزية لمحاضرته، ثمّ فُتِح المجال للنّقاش و طرْح الأسْئلة على المُحاضِر.

حينما تأمّلت في أكْثر المفاهيم ورودا في محاضرته، اتّضح لي بما لا يدع مجالا للشّك، أن أكْثر المفاهيم ورودا في محاضرته هو “مفْهوم الحِفْظ”، ففكّرت مليّا في هذا المفْهوم وتبين لي أنه من المفاهيم المرْكزيّة في أصول الفقْه، و مقاصد الشّريعة على وجْه الخصوص، و المدوّنات الأصوليّة زاخرة بهذا المفْهوم، الذي يقترن بمفهوم الضروريات والحاجيات و التحسينيات، وقد تحدّث العلماء عنْ منْهجية حفْظ هذا التلاثيّ في الشءريعة الإسْلاميّة، منْ جهتيْ الوجود و العدم، فمثلا الشّارع شرع قوانين لحفْظ ضروريّ النّسل من جهة الوجود بتشْريع الزّواج و من جهة العدم بتشريع حدّ الزّنا.

حينما تحصّلتْ لديّ هذه الأفْكار، طرحْت سؤالا على الأستاذ طه، فقلت: إن أهمّ مفهوم تكرّر في محاضرتك هو مفْهوم الحفْظ، ونعْلم أن هذا المفْهوم أصيل في التّراث الأصولي، فهل أخذْت هذا المفْهوم من هذا التّراث أمْ أنّه من إبْداعك ؟

أجابني الأستاذ بتواضع العلماء ونسْبة الأفْكار إلى أهْلها، بالإثْبات، طبْعا؛ هذا المفْهوم أخذْته من الأصُوليّين. وبيّن سبب اسْتثْماره للْكثير من المفاهيم التّراثية في إنْتاجاته الفكريّة و الفلْسفيّة، فقال: إنني أتعمّد ذلك، لأنّني لا أريد القارئ أنْ يجد نصوصي بعيدة عن مجاله التّداولي، غير أنّي أجْتهد في إكساب هذا المفاهيم دلالات معاصرة، فإنّني آخذ من التراث غير أنّي لسْت مقلّدا، بلْ محاولا التّجديد باستثمار الكثير من المفاهيم التّراثية في قضايا حديثة، فأكون بذلك أسْهمت في اسْتمرارية هذه المفاهيم، لكن بأسلوب جديد.

إن النّصَّ الطّاهوي غنيٌّ بالمعْجم الأصوليّ، ويمْكن للْباحثين في الدراسات الإسْلامية، أن يعملوا على كشْف هذا المعْجم، من جهة بيان الواقع الدّلالي للْمفهوم في المصنّفات الأصوليّة، ومن جهة بيان التّطوّر الدّلالي الذي أكْسبه طه للمفْهوم عند نقْله إلى نصّ حديث يسْتثمره بصفات جديدة، و بوظيفة منهجية مبْدعة.

مصطفى بوكرن