dr taha
دراسات عن طه

المساءلة النقدية لأنماط العقلانية لدى أركون والجابري.. نموذج طه عبد الرحمن

الخميس 26 ديسمبر 2013

تدور هذه المقالة حول إشكالية العقلانية في الفكر العربي المعاصر، حيث انشطر الموقف منها “أي من العقلانية” إلى اتجاهات ثلاثة: الموقف الرّافض للعقلانية، والموقف ألانخراطي فيها، والموقف النّاقد لها، وطه عبد الرحمن كأحد الذين بلوروا مفهوما للعقلانية، وجّه نقدا للنّموذج العقلاني الذي طوّره محمد أركون، حيث بدت عقلانيته عقلانية منفصلة ومقولاتها تضرب بجذورها ضمن نسق معرفي آخر، أمّا المفهوم الذي بلوره طه عبد الرحمن فيقوم على العقلانية التَّكاملية في ملكاتها، وعلى الأساس الأخلاقي والغاية الأخلاقية كذلك في مقاصدها.

“وما تهافتت دعوى مثل تهافتها بقلب دليلها عليها”
طه عبد الرحمن، في أصول الحوار وتجديد علم الكلام، ص 151.

 

في أن الخوض في ماهية العقل ليست مستحدثة
ليست مسألة الخوض في العقل وماهيته وحُدُوده، بالمشكلة المُستحدثة في مسائل الفكر العربي والإسلامي المعاصر، إنما تضرب بجذورها في التراث المعرفي الإسلامي وبمختلف أنساقه وفروعه المعرفية؛ فقد حدث اختلاف في بيان ماهية العقل، بين الطَّرح الفلسفي المُتأثر بالمورث اليوناني، وبين الطَّرح المقابل الذي ينتهل من مصادر متعدّدة؛ منها ماهو فقهي؛ ومنها ما هو كلامي، ومنها ما هو عرفاني صوفي، إلا أن هذا التَّعدُّدَ يجوز لنا حَصْرُه في تحديدين للعقل هما: التَّحديد الجَوهراني الماهوي، والتَّحديد الفعّالي القَلْبيِ. ففيما يتصل بالمستوى الأول؛ ثمة هيمنة للمفهوم اليوناني للعقل على شعب المعرفة في التراث المعرفي الإسلامي المُتأثرة بنظريات العقل عند اليونان، أي القول بالدَّلالة الجوهرانية لقوى النفس الإنسانية، فهذا الكندي (ت252)يعرف العقل بأنه”جوهر بسيط مُدرك للأشياء بحقائقها”…[أما الفارابي]فإن فعل العقل عنده”العناية بالحيوان الناطق، والتماس تبليغه أقصى مراتب الكمال، الذي للإنسان أن يبلغه وهو السَّعادة القصوى؛ وذلك بأن يعبر الإنسان في مرتبة العقل الفعال، بأن تحصل مفارقا للأجسام غير محتاج في قوامه إلى شيء آخر مما هو دونه من جسم أو مادة أو عرض”[i]

وواضح من خلال هذه النَّماذج بماهي نماذج يتحدَّد فيها العقل في سياق الدَّلالات الجوهرانية، واضح أن المُفردات المركزية المُهيمنة هي الجوهرانية والمُفارقة وسياسية النَّفس وتجاوز البدن، فضلا عن خلع المواصفات اليونانية في قسمته إلى عقول كثيرة وتوطين نظرية فيض العقول التي جاءت من الصُّوفيات اليونانية، هذه القسمة التي تجد أصلها في تعدد الآلهة عند اليونان ملمح خطير على تداخل البعدين الديني والفلسفي في التراث المعرفي اليوناني، وغياب هذه الحقيقة عن أكثر متفلسفة العرب المتأثرين بهذه النّظرة.

وبخلاف هذه النّظرة المتأثرة بالموروث اليوناني في بيان ماهية العقل، فإن ثمة نظرة أخرى لا تنساق خلف هذه المفاهيم بقدر ما تُبصر فيها عدم مُطابقة بين مُقضيات اللّغة والمعنى القرآني للعقل، وقد طوّرت هذه الرُّؤى الدَّلالة القلبية لمفهوم العقل، وهي دلالة في مجموعها تنفي أوصاف الجسمية والصُّورية والجوهرانية عنه، وهذا قصده ابن الجوزي في كتابه”ذم الهوى” بعد أن سرد مُجمل التعريفات المُتداولة عند الناس، “كالقول بأن العقل هو “ضرب من العلوم الضّرورية”. أو هو غريزة يتأتّى معها درك العلوم أو هو قوة يُفضَّل بها بين حقائق المعلومات… والتحقيق في هذا يُقال: العقل غريزة، كأنها نور يُقذَف في القلب، فيستعد لإدراك الأشياء، فيعلم جواز الجائزات، واستحالة المستحيلات، ويتلمّح عواقب الأمور. وذلك النور يقل ويكثر، وإذا قوي ذلك النور قمع –بملاحظة العواقب-عاجل الهوى… وأكثر أصحابنا يقولون محله القلب، وهو مروي عن الشافعي رضي الله عنه. ودليلهم قوله تعالى”فتكون لهم قلوب يعقلون بها” (الحج 46)، وقوله (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب (ق73)قالوا”المراد، لمن كان له عقل، فعبّر بالقلب عن العقل، لأنه محلّه”[ii].

وواضح هنا في هذه الدّلالة صرف المعنى من الدلالة الجوهرانية والمفارقية والتحيُّزية إلى الفاعلية الإدراكية الخاصة بالقلب، والقلب كما يُفهم هنا، ليس هو الجانب الجسمي الصّنوبري الموجود في الجهة اليسرى من الصّدر، إنّما هو لطيفة روحانية ربّانية موصولة بعالم الأمر الإلهي. من هنا فإن مفهوم العقل كما يتحدّد في سياق الممارسة الفلسفية الإسلامية يُطلق بالإشتراك على معان متعدّدة تجمع بين: المعنى المعرفي والمعنى الأخلاقي مؤطّرين وفق مقاصد الوحي الإسلامي، وليس جوهرا مفارقا. ويبدو أن المعنى الذي يتبنّاه طه عبد الرحمن في العقل ينتهل من هذه المصادر التُّراثية التي بدورها تقبل بدلالة العقل القلبية والفاعلية، وترفض الدّلالة الجوهرانية المأخوذة من التراث اليوناني، ومن رؤية أخرى، فإن هذا الفهم القلبي للعقلانية هو الأداة التي توسّل بها طه عبد الرحمن في نقده لمفهوم العقلانية عند أركون والجابري، والذين برأيه تبنّيا المفهوم الجوهراني وما يتشعّب عنه من دلالات وأفكار.

 

1. مفهوم العقلانية عند طه عبد الرحمن: من مضائق التّجريدية إلى كمالات التأييدية

إن اللاّفت للانتباه فيما حدّث به طه عبد الرحمن عن العقلانية هو تعدُّد دَلالاتها وتكاثر مفاهيمها، وتباين تصنيفاتها، والسّبب الكامن وراء هذه المُواصفات، المفهوم الذي يتبنّاه طه عبد الرحمن للممارسة العقلية، بما هي ممارسة لا تنطلق من اعتبار العقل جوهر ثابت قائم بالإنسان، محلّه عضو مخصوص، إنّما العقل ممارسة لا تستقل بنفسها، إنما يجوز أن تكون محلّ تقويم من غيرها، وهذا التقرير احتراز جَليّ من طه عبد الرحمن، يجد مُسوّغه في مجانبة القول بالجوهرانية أو التّشيئية أو النّظرة التَّجزيئية الني تقسّم وحدة الإنسان إلى جواهر منفصلة ومتفاضلة في القيمة، فالإقرار باستقلالية العقل وتخصيصه بالمعرفة على النّحو الذي أدخله أرسطو إلى شعب المعرفة الفلسفية اليونانية، لا يستسيغه الذّوق الطّاهائي، ذلك أن أرسطو هو من أجرى هذه الصياغة المفهومية للعقل وجرى نقلها إلى شعب المعرفة الإسلامية، وأُخْرجت بعض معارفها وفق هذه الصياغة المفهومية.

يقول أرسطو في”كتاب النّفس”: “ذلك أنّنا نميّز من جهة العقل الذي يُشبه الهيولي، لأنّه يصبح جميع المعقولات، ومن جهة أخرى العقل الذي يشبه العلّة الفاعلة لأنّه يُحدثها جميعا… وهذا العقلهو المُفارق اللاّمنفعل غير المُمتزج، من حيث إنه الجوهر فعل، لأن الفاعل دائما أسمى من المنفعل، والمبدأ أسمى من الهيولي… ولا نستطيع القول إن هذا العقل، يعقل تارة ولا يعقل تارة أخرى، وعندما يفارق فقط، يصبح مختلفا عمّا كان بالجوهر، وعندئذ فقط يكون خالدا وأزليا”[iii].

إن مدار اعتراض طه عبد الرحمن على التَّحديد الماهوي للعقل، هو انغراس هذا التّحديد في التربة التّجزيئية والتّشيئية: “تشييئية لأنّها تُجمّد المُمارسة العقلانية بأن تُنزل عليها أوصاف الذّوات مثل: “التحيُّز”و”التشخُص”و”الاستقلال”و”التّحدُّد بالهوية”و”اكتساب الصّفات والأفعال”… وتجزيئية لأنّها تقسّم تجربة العاقل الانساني المُتكاملة إلى أقسام مُستقلّة ومتباينة، ذلك أن تخصيص العقل بصفة”الذّات”يجعله مُنفصلا عن أوصاف أخرى للعاقل لا تقل تحديدا لماهية الانسان كـ “العمل” و”التَّجربة”مثلا، إن لم تكن أقوى تحديدا لهذه الماهية. فلوجاز التَّسليم بـ “جوهرية العقل، فلأن يجوز التّسليم”بجوهرية”العمل و”جوهرية” التجربة أولى”[iv]. إلا أن مَقْصِدَ طه عبد الرحمن يتعدّى هذا المستوى النّقدي، إلى المستوى البنائي أو التأسيسي، أي محاولة تطوير مفهوم آخر للعقل والعقلانية، يختلف عن المُحدّدات اليونانية قديما وتجلياتها في الثقافة الغربية حديثا، وأيضا المناحي التي تَأثّرت بفكرة جَوهرانية العقل في المعرفة الفلسفية الاسلامية. إن الدّلالة الجديدة للعقل والعقلانية هي الدّلالة الأخلاقية والتصور الفعالي لهما، بحيث يصبح العقل فعلا من الأفعال ووصف من الأوصاف على مقتضى التصور الإسلامي وليس على مُقتضى التصور اليوناني “فعلى هذا، لايعدو العقل أن يكون فعلا من الأفعال أوسلوكا من السلوكات التي يطّلع بها الإنسان على الأشياء في نفسه وأفقه، مثله في ذلك مثل البصر بالنسبة للمٌبصرات، فالبصر ليس جوهرا مُستقلا بنفسه، وإنّما هو فعل معلول للعين، فكذاك العقل هو فعل معلول لذات حقيقية، وهذه الذّات التي تميّز بها الإنسان في نطاق الممارسة الفكرية الإسلامية العربية، ألا وهي القلب؛ فالعقل للقلب كالبصر للعين”[v]. ولا يخفى علينا هنا، أن الرُّؤية الإسلامية نسقا وإنتاجا فكريا، هما الموجّهتان لهذا التصور الفعالي للعقل، وبيان ذلك رفض العُلماء المسلمين التصوُّر الجَوْهراني للعقل واعتراضهم على مقدّماته، يقول الإمام الماوردي”وهذا القول في العقل بأنه جوهر لطيف فاسد من وجهين:

أحدهما: أن الجواهر متماثلة فلا يصحّ أن يوجب بعضها مالا يوجب سائرها.

ولو أوجب سائرها ما يوجب بعضها لاستغنى العاقل بوجود نفسه عن وجود عقله.

والثاني: أن الجوهر يصحُّ قيامه بذاته.
فلوكان العقل جَوهرا لجاز أن يكون عقل بغير عاقل كما جاز أن يكون جسم بغير عقل فامتنع بهذين أن يكون العقل جوهرا”[vi]، ويتوكّأ الماوردي على الدّلالة اللّغوية من أجل الانتقال إلى الرؤية القرآنية التي ينبجس فيها التصوُّر الفَعّالي للعقل ورفض التصور الجوهراني”وسمّي بذلك تشبيها بعقل النّاقة، لأن العقل يمنع الانسان من الإقدام على شهواته إذا قبحت، كما يمنع العقل النّاقة من الشرود إذا نفرت… وقد جاءت السنة بما يؤيد هذا القول في العقل وهو ماروي عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال”العقل نور في القلب يفْرِقُ بين الحق والباطل”، وكل من نفى أن يكون العقل جوهرا، اثبت محلّه في القلب، لأن القلب محل العلوم كُلّها. قال الله تعالى”أفَلَمْ يَسِيروا في الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبُُ يَعْقِلوُنَ بِها” (الحج 46).

فدلّت هذه الآية على أمرين: أحدهما: أن العقل علم، والثاّني: أن محلّه القلب.

وفي قوله تعالى: “يعقلون بها”، تأويلان: أحدهما: يعملون بها، والثاني: يعتبرون بها”[vii].

وارتكازا على هذه الرؤية في النّظر إلى الأمور، يسلك طه عبد الرحمن مسلك التأسيس الأخلاقي للفاعلية الإدراكية المعرفية، رافضا في الوقت نفسه تلك الثنائية التي أدخلها الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط إلى حقول المعرفة الفلسفية؛ أي التفرقة بين العقل النّظري والعقل العملي، وتخصيص الأول بالوظيفة المعرفية، والثاني بالوظيفة التشريعية للأخلاق.لكن مع طه عبد الرحمن يستحيل العقل عقولا، والفعل الإدراكي مراتب لايقيم على حال واحدة، بقدر ما يتجدّد على الدّوام ويتقلّب بغير انقطاع، ويرتقي في مراتب الكمال بقدر ما يكون متعلّقا بأفق الرُّرح، يقول طه عبد الرحمن في مقام الحديث عن مقاصده في تبنّي التصور الفعالي للعقل “وقد كان قصدي أن أبيّن كيف أن العقل ليس مرتبة واحدة، وإنّما مراتب متعددة بعضها أعقل من بعض، بحيث يكون أدناها عقلا ماكان موصولا بالرتبة الأخيرة من رُتب الحس، لأنّه ما زال يحمل بعضا من خشونته وكثافته، ويكون أعقلها جميعا ما أشرف على الرّتبة الأولى من رُتب القوة الروحية، إذ يكون قد لاح له مطلع من رقّتها ولطافتها، فانطبع به، إن كثيرا أو قليلا”[viii].

هكذا إذن، يكون مقصود طه عبد الرحمن في تبنّيه للتصوُّر الفعالي للعقل، والتوجيه القيمي له إقرار الحقائق المتوالية:

1-التّوجيه الروحي للفعّالية العقلية، أو قوة تأثير العمل في النّظر، وأن فعل التجربة الرُّوحية أشد تأثيرا من التّجربة الحسية، وهذا الإقرار له قيمة توجيهية تعبدية، ذلك أن العمل يخصّب الممارسة العقلية ويفتح آفاق الإدراكات الجديدة، ف”المريد لابد له من الترقيّ… وأصلها كُلّها الطّاعة والإخلاص، ويتقدّمها الإيمان ويُصاحبها، وتنشأ عنها الصّفات والأحوال ثمرات، ثم تنشأ عنها أخرى وأخرى إلى مقام التّوحيد والعرفان… لأن حصول النتائج من الأعمال ضروري وقصورها من الخلل فيها كذلك”[ix].

2-الصّلة التَّكَاملية بين الملكات الإنسانية وإنهاء التّعارض بينها، “بحيث ليست هناك قوة حسّية خالصة ولاقوة عقلية خالصة ولاقوة روحية خالصة، بل في القوة الحسية بعض من العقل كما في القوة العقلية بعض من الرُّوح، والعكس صحيح، ففي القوة الرُّوحية من أثر العقل ما يضاهي مافي القوة العقلية من أثر الحس؛ وإذا جاز وجود هذا الاتصال بين مختلف القوى الإدراكية، جاز أن تكون التَّجربة الرُّوحية مكمّلة للنّظر العقلي، لا منقطعة عنه، ولا بالأولى مفسدة له كما زعم بعضهم عن باطل”[x].

ولا يقتصر هذا المنظور التكاملي على الملكات الإنسانية؛ إنما يجوز خلعها فضلا عن هذه، على مصادر المعرفة لدى الإنسان، فالمعرفية الإسلامية يتكامل فيها الحس والعقل والوحي من أجل إنجاز وحدة الحقيقة، والمثال الذي نستجلي به هذه الحقيقة، نستخرجه من تاريخ الفلسفة نفسه، فسقراط مثلا كان همُّه عالم الإنسان وحده وكان يرى بأن المعرفة الحقَّة تنطلق من النّظر في الإنسان نفسه، دون التأمُّل في عالم النَّبات والهوام والنُّجوم

“وما أشد هذا مخالفة لروح القرآن، الذي يرى في النّحل على ضآلة شأنه، محلاَّ للوحي الإلهي، والذي يدعو القارئ دائما إلى النَّظر في تصريف الرياح المُتعاقب، وفي تعاقُب اللَّيل والنّهار والسُّحب، والسّماء والنّجوم، والكواكب السابحة في فضاء لا يتناهى. وكان أفلاطون وفياّ لتعاليم أستاذه سقراط، فقدح في الإدراك الحسي، لأن الحسّ في رأيه، يفيد الظنّ ولايفيد اليقين، وما أبعد هذا القول عن تعاليم القرآن الذي يعد(السمع)و(البصر)أجلّ نعم الله على عباده، ويُصرّح بأن الله جل وعلا سوف يسألهما في الآخرة عمَّا فعلا في الحياة الدنيا”[xi].

3-تعدُّد مراتب العقلانية وتفاضلها؛ فالفعل الإدراكي الحسي وفق هذه النّظرة يكون في الرتبة الأخيرة، ويترقّى في معراج الحقيقة من الكثافة والخشونة إلى الرُّتبة الأعلى من مراتب العقلانية، أي رتبة الرّقة واللّطافة والقوة الروحية، وما إجراء القِسمة بين العقل المجرّد والعقل المُسدّد والعقل المؤيّد، سوى أمارة على ترسيخ مبدإ تفاضل الفعاليات العقلية، والمُتخلّق بأخلاق الدين وحده “من يُحصّل رتبة العقلانية المسدّدة، ثم كيف أنه يرتقي منها إلى رتبة العقلانية المؤيّدة متى اتقى الآفات التي قد تدخل على عمله وكيف أن واجبه هو أن يعمل جاهدا من أجل الارتقاء إلى هذه الرتبة الثالثة التي تجعل له عقلا كاملا، يُدرك مالايدرك غيره، ويُصيب حيث لايصيب”[xii].

4. تحرير الفكر العربي من التبعية لعقلانية الغير، التي ليست سوى تجلّ من تجليات الممارسة العقلية، وليست مبدأها أو مثالها الأسمى، وفي المقابل حفز الهمم نحو الاجتهاد في تطوير عقلانية من لدن هذا العقل العربي، وتجديد العطاء الفكري المنقطع، منذ اللّحظة التي جرى فيها ترسيخ النموذج العقلانية (الكوني).

جلي إذن، استنكاف طه عبد الرحمن عن الأخذ بالتصوُّر الجوهراني للممارسة العقلية، والأخد بالتصور الفعالي القلبي بمراتبه المتفاضلة، وهذا التصوُّر الجَوهراني الذي ناهضه، هو الذي وجده من جديد ومرة أخرى؛ مبثوثا في شُعب الإنتاجية الفِكرية المُهيمنة على الواقع العربي الراّهن، وهي على كثرتها، ليست واعية بحدود هذه العقلانية المجرّدة والمنفصلة عن التوجيه القيمي، هذا ما دفع بطه عبد الرحمن إلى التّصدي إلى هذا النّموذج العقلاني بخاصة على النّحو الذي تبدّى في المدونة الفكرية الخاصة بمحمد أركون.

 

2. مسألة العقل في الخطاب العربي المعاصر: مظاهر التَّجزييئية والتّشييئية :

إن مساءلة مسألة العقل في الخطاب العربي المعاصر لها أكثر من مرّر، سواء في سياق حديثنا عن نظرة طه عبد الرحمن لمسألة العقل ونقده لأنماط العقلانية المنتشرة، أو في سياق حديثنا عن الكيفية التي عاش بها الخطاب العربي صلته بالعقل كأداة ومرجع وفعالية. وفضلا عن ذينك المبرّرين؛ فإنّ الحقيقة الساّطعة التي لا يُنكرها قلق الارتيابي”أن العلاقة بمسألة العقل والعقلانية مازالت علاقة مضطربة في الفكر العربي، والوعي بها مازال وعيا لاتاريخيا حتى الآن”[xiii]، والعرض الأوضح على هذا الاضطراب، انشطار الخطاب العربي المعاصر في تعامله مع مسألة تحدّي العقل والعقلانية إلى فرق متباينة، وتصورات متصادمة، تنتهل من مرجعيات فكرية هي الأخرى متباينة، وتتشارك هواجس التحضّر والإصلاح والتحديث، وقد حصرت بعض الدّراسات هذه الفرق في تعاطيها مع مسألة العقل إلى فرق ثلاثة:

1-الرّفض النّكوصي للعقل.

2-الانغماس الشامل في نظامه.

3. التَّحليل النّقدي له.

الفرقة الأولى يتصدّرها الاتجاه السّلفي، يستهجن العقل، من باب احتسابه جوهرا لحضارة مادية هي الحضارة الغربية”وبدعة مدسوسة لآداء وظيفة إزاحة المقدّس وتهميش الروّحي وتنمية نظام قيم مادي غرائزي عار من كل وازع أخلاقي [أما الفرقة الثانية فيتقاسمها كل من الإتجاه اللّبرالي والإتجاه الماركسي]وهم على اختلاف أجيالهم وحقول اشتغالهم ينتظمهم رابط مشترك هو الوعي بكونية الحضارة الإنسانية المعاصرة، وكونية العقل الذي هو جوهرها، وأساس حركة التقدّم التي طبعتها. ولقد ذهبوا جميعا إلى أن الفكر العربي والمجتمع العربي يحتاجان إلى جراحة حقيقية لزرع قيم العقل والعقلانية لتنمية روح التاريخ والتطور التاريخي فيهما، , وإخراجهما من الفوات والتقليد. [أما الفرقة الثالثة]فتقوم على فضح العقلانية المركزية الغربية كغلاف للقمع الإيديولوجي والاستغلال والتهميش العاديين، والتسلّط السياسي للدولة اللَّيبيرالية على الحرية، والبرمجة الآلية لإنسانية الإنسان، والقولبة الاجتماعية للممارسة الحياتية… إنها نص يدافع عن الاختلاف ضد المطلقية Absolutismeوالشمولية أو الكلّيانية Totalitarisme التي يمثّلها العقل في تجلّياته الفكرية والمادية: الإجتماعية والسياسية والاقتصادية”[xiv].

وفضلا هن هذا، التقسيم للكيفيات التي عاش بها الفكر العربي المعاصر مع العقل كأداة ووظيفة ومرجع؛ فإن ثمة بعض الاجتهادات الأخرى التي تتبنّى تقسيما مغايرا، يكتفي برصد إتجاهين رئيسيين هما الاتجاهيين المهيمنين : العقل التراثي والعقل الوضعي؛ والملمح الجوهري المُراهن عليه من أجل مجاوزة هذين الإتجاهين هو: العقل التكاملي:

“فمهمتنا في حقيقة الأمر تقديم نموذج لعقل تكاملي مُغاير في بعض أُسسه، وكثير من تفاصيله، للنّموذجين الساّئدين في عالمنا اليوم: العقل الوضعي والعقل التراثي، لذلك فإن جهدنا لا يتوقف على تحديد الأسس الكلية والثوابت المبدئية للعقل البديل الذي يتكامل فيه فقه الهداية والتنزيل وفهم الطبيعة والتاريخ، بل يتضمّن أيضا عملية تفكيك وتركيب لثوابت العقلين الساّئدين والمهيمنين”[xv].

إن اللافت للنّظر هنا، أن قلق مسألة العقل في الخطاب العربي الاسلامي المعاصر، لم تُحسم بشكل واضح ودقيق، لا في منشئها التاريخي الذي أفرز ظواهر التّوفيق والتّقريب ولا في عودتها المكرورة التي أفرزت ظواهر الرّفض النّكوصي والتبنيّ التّرحيبي؛ إن هذه كلّها جميعا أعراض على مرض في الخطاب العربي الاسلامي المعاصر، وطه عبد الرحمن لم تخفى عليه هذه الظاهرة بخاصة وأنّه أدرك تكاثر الكلام في العقل: “لقد كثر الكلام عن”العقل” و”العقلية”و”العقلانية”و”المنهج العقلي” و”السلوك العقلاني” و”العقلنة”و”التعقل”و”التعقيل” في الكتابات الإسلامية والعربية منذ القرن الماضي، ومازال الخطاب الدّاعي إلى العقلانية والمُطالب بتقويم التراث الإسلامي العربي بمقتضى المنهج العقلي مسيطرا على توجهات الباحثين وعلى هموم المناضلين، حتى إن بعضهم يدّعي القدرة على تنقية هذا التراث وإرسائه على مبادئ وقواعد عقلانية راسخة ونهائية، يتساوى في ذلك من أخذته الغيرة الدّينية على الحالة المتردّية للأمة الإسلامية، ومن ساورته الحمية العربية المتطلّعة إلى النّهوض بالواقع المتخلّف للعالم العربي”[xvi]، ومن أجل مُجاوزة أعراض هذا المرض في مشكلة العقل، سعى طه عبد الرحمن متوسّلا بمفهومه المَخصوص للعقل الذي جرت الإشارة إليه سابقا، إلى تشخيص هذه الأعراض، ومطبقا على نموذج هو محمد أركون في بقائه متوسّلا بالفُهوم التقليدية للعقل والمُصادمة لمقتضيات المجال التداولي الذي يتحدّد فيه العقل بدلالة أخرى ووظيفة أوسع.

 

3.محمد أركون وحُدود دعوى شرعانية العقل الإسلامي:

يمَُوضِعُ طه عبد الرحمن المباحث الفكرية حول العقل في الخطاب العربي المعاصر، ضمن دائرة فكرية تنتظم داخل قياس منطقي يلخّص مقدّماتها ونتائجا في صيغة دعاوى تميّزت بالقولبـ:

وجود “عقل”خاص بالتراث”العربي”و”الاسلامي”.

وقوف”هذا العقل” الخاص، حائلا دون قيام التراث بأسباب العلم والتقدم.

ضرورة تجاوز هذا”العقل”والأخذ بغيره”[xvii].

ولقد جرت ألسنة جمهور المثقفين، بهذه الدَّعاوى إلى مستوى تعذّر إمكانية تصورما يُخالفها، وترتّب عنها تصورين رائجين هما: التّصوُّر الذي يصِف العقل العربي بالصّفة البيانية، والجابري في طليعة هؤلاء، والتصوُّر الثاني يصف العقل الإسلامي بالصّفة الشّرعانية وأركون في طليعة هؤلاء.

إن القول بالصّفة الشّرعانية للعقل الإسلامي، جاءت نتيجة لتأثر أركون أو بالأقوى افتتانه بالإنتاجية المنهجية التي بلغتها العلوم الإنسانية المعاصرة (كالتّحليل اللّغوي، والمنهجية النّشوئية الجينالوجية، والملاحقة الأركيولوجية لأصولالأشياء، والتحليل النفسي للمعرفة، التّفكيك…)على اختلاف فروعها وتعدّد مجالاتها، هذا التأثر أخرج خلاصات معرفية تضم مشروع أركون بأكمله، ويذكر منها طه عبد الرحمن:

- تمييزه بين مُكونات النّظر الإسلامي ومكونات النّظر الحديث.

- مقابلته بين خصائص الخطاب القرآني وبين معايير العقلانية، معالاحتكام في تقويمه لهذه الصّفات القرآنية إلى”العقلانية”، دون الاحتكام إلى القرآن حين وصف”العقلانية”.

- اعتبار مذاهب الفقهاء ومدارس المتكلّمين مجرّد حركات، من جهة تساند تناحر الجماعات السياسية للهيمنة في مجال السّلطة، ومن جهة أخرى تساهم في التنكر لمقتضيات التاريخ، سواء ما تعلّق منها بتعاقب الأحداث أو ما ارتبط بتجدد أحوال الإنسان.

- إنكاره على “الفكر الإسلامي”التّوجيه الدّيني لتصوراته وأنساقه النّظرية”[xviii].

وبالفعل، فالمتفحّص للإنتاجية الفكرية الأركونية يُدرك مدى الحضور المكثّف لهذه المواصفات، منها تخصيصا الدّمج بين المعرفة والسّلطة كوحدة تحليل في فهمه للتراث المعرفي الإسلامي، أي أن ثمة رهانات سياسية تسكن العقائد الإيمانية، . إن أركون يُدخل إرادة القوة هذه مفهومة بالمعنى الذي نعثر عليه في تاريخ هيمنة النّظم اللاّهوتية السياسية وتأويلها للعالم وفق منظوريتها، يدخلها كأداة تحليل تفكيكي وأداة نقد تاريخي للإنتاجية المعرفية التراثية الإسلامية ولمفهوم الحقيقة المُطلق الذي ترفعه الأديان اللاّهوتية”فالدين يقع في خدمة الفاعلين الاجتماعيين الذين يتوزّعون على الفئات المُتنافسة من أجل ضمان السيطرة على الأملاك الرَّمزية التي لايمكن اقتناص السلطة السياسية أو ممارستها بدونها. وما يقدمه لنا الفكر اللاّهوتي على هيئة”أرثوذكسية”دينية يعرّيه لنا علم الاجتماع الديني أو الأنثربولوجيا الدينية بصفته إيديولوجيا كل فئة اجتماعية تحاول فرض هيمنتها…[إنها]رهانات محسوسة ولكنّها محجوبة بواسطة مفردات المعجم الديني”[xix].

وطه عبد الرحمن يرفض هذه الدّعاوى رفضا، ويبصر فيها موقفا غير مستند إلى البعد المنهجي الذي تخلّق في إطاره العلم الإسلامي، فضلا عن استناده إلى رؤية متحيّزة تنطلق من رؤية معرفية تبيح لنفسها أوصاف العلمية وتحرّمه على غيرها، وبيان ذلك كالتالي:

3. 1. مفهوم العلم عند الفقهاء وقصور تصور أركون له: إن الدّلالة التي يخلعها أركون على مفهوم العلم لا تنسجم والدّلالة التي بلغتها جهود الفقاء، فالعلم يطلق بالاشتراك على: الجهد المعرفي الذي يبذله شخص أو مؤسّسة في حقل من حقول المعرفة، كما يقصد به المنهج الذي المتوسل به من أجل الحصول على المعرفة، أو هو نظام منهجي يمتلك وحدات مخصوصة، لأن العلم هو روح المعرفة وجوهر الحضارة. إن الأهم إذن، بناء على هذا، لا يتعلَّق بالمحتوى أو المضمون المعرفي الذي أنتجه الفلاسفة والعلماء، إنما اتباع المسيرة والمنهج، فالعلم دون بيان طريقة تحصيله يستحيل إلى مجرد خطرات وأفكار انتقائية، من هنا كانت الحاجة إلى الضابط المنهجي ذات أهمية قصوى بما هو أي الضاّبط المنهجي “القانون الفلسفي أو المبادئ الفلسفية النَّاظمة بتحديد واضح للأفكار، فالمنهجية تقنين للفكر، ودون هذا التّقنين للفكر يتحوَّلُ الفكر إلى تأمُّلات وخطرات انتقائية، قد تكون عبقرية ومشرقة جدا، وذات جدوى في كثير من الأحيان، وتصلح للمواعظ والمجادلة الحسنة، ولكنها لا تكون منهجية، فمنهجية الأفكار أو تقنينها بالمنهج تماثل حالة توليد القوانين من الطبيعة”[xx]. والمعنى الثَّالث للعلم يراد به أيضا جُملة المعارف المكتسبة، بما تحتويه من نظريات ومناهج وتصوُّرات تحقق أحد أوصاف العلم وهي صفة التّراكمية. وبرأي طه عبد الرحمن”أن محمد أركون يميل إلى المعنى الأخير، فيفهم من العلم كل العلوم، سواء تلك التي استكملت مقوماتها أو التي لازالت تتلمّس طريقها، فيطالب في النّظر إلى الإنتاج الفكري “الاسلامي”، بالاستفادة من كل هذه العلوم على تعدّدها واختلاف مناهجها”[xxi]، وهذا الاعتراض المبدئي ذو دلالة جليّة، هي عدم القَبول بالإتيان بجميع مكتسبات المعرفة الإنسانية والاعتراض على كونيتها، إنها دعوة إلىعدم تقديس النموذج المعرفي الغربي، “وعدم المبالغة في الإنبهار بعقله الذي حقّق المنجزات، والتزام مبدأ المسافة أو الوسط في الأخذ عن الغير؛ مع الشك في هذا المنقول حتى تثبت صحّته، ويتأكّد جدواه بعد إخضاعه للتّجربة والإجراء”[xxii]. وليس هذا الموقف تعبيرا عن نزعة إرتكاسية منجذبة نحو ذاتها مهما كانت حالها، أو نداء لرفض منجزات المعرفة الحداثية، والصّد عن مناهجها ومذاهبها ونظرياتها النّقدية، ذلك”أن مسألة الاستعارة من الغير والاستنارة بنموذجه الحداثي، هي قضية لا غنى عنها يمليها الواقع ويفرضها. بل إن شرعيتها ليست قصرا على العقل العربي وحده، فهي حاجة ملحة وضرورية لكل عقل أوثقافة، كثقافة العالم الثاني أو الثالث السّائر على طريق النمو والتطور-يريد أهلها أن يخوضوا معركة ضد الخرافة والتفكير الخرافي من أجل ترسيخ التفكير العلمي وسيادة العقل. ولكن التَّحديث والاستعارة من الغير باعتبارهما ضرورة حضارية وحلا مفروضا شيء، وأن يتحوّل التحديث إلى حداثة مستنسخة: تستعير النموذج الغربي وتستعيره وتقلّد فكره الجاهز؛ وتتبع آثاره الثقافية في تنميط وتقديس شيء آخر، سيما وأن الحداثة الغربية ذاتها، تراجع نفسها، وتقف على مواطن الخلل وعلى الأماكن الفارغة من أجل ملئها. وتدارك النَّقص والأخطاء التي أوصلت العقل الغربي إلى الحائط المسدود”[xxiii]وإدخال هذه التفرقة بين ضرورة الاستفادة وعدم الاستغراق الكلي في منتجات المعرفة الغربية هي التي سلكها طه عبد الرحمن في آليات تعامله مع المنقول الفكر الغربي، ومن أجل إتقان هذه الوظيفة التشغيلية يضع طه عبد الرحمن شروط يجب أن يستوفيها خطاب الاستفادة من العلوم الغربية هي تواليا:

1- أن يُعيّن المُستفيد طريقا لتركيب هذه العلوم فيما بينها تركيبا متكاملا.
2- أن يبني نظرية للإستفادة من هذه العلوم.
3- أن يُحدّد نموذجا يحقّق قضايا هذه النّظرية”[xxiv].

ووضع شروط الاستفادة هذه من العلوم المعاصرة، يدفع بنا إلى تسليط الضّوء على مدى حضور أو غياب هذه القواعد في توظيف أركون للعلوم الإنسانية المعاصرة. برأي طه عبد الرحمن أنه لم يستوفي لهذه الشروط حقّها، رغم أن افتتاحاته دائما تطالعنا بالكثافة المنهجية وتحديد المناهج التي سيسلك وفق مقتضياتها، ولما أنه لم يوف بهذه الشروط ف “لن تكون أحكامه إلاّ دعاوى مبنية على مذهب”توفيقي “لا على مسلك “تحقيقي”؛ بينما تصور الفقهاء للعلم ليس هذا التصور التلفيقي، وإنما يتصل بالمعنى الثاّني الذي ذكرناه وهو المنهج لتحصيل المعرفة، فالعلم هو الإحاطة بمسائل الشرع وقواعد استنباط فروعه من أصوله. وهذا مطلب معقول وقابل للتّحقيق”[xxv].

جلي إذن، كيف يفتقر خطاب أركون إلى الدَّلالة المنهجية للعلم، واقتصاره فقط على الدّلالة التراكمية، أو جملة العلوم المكتسبة، فضلا عن لجوئه إلى الإبقاء على البنية الصّوتية أثناء ترجمته للمصطلحات واختياره للرّسوم العربية المطابقة لها صوتيا مثل: “الأنثربولوجيا”والإستتراتيجي “والإبستيمي”، والصّواب بخلاف هذه الطّرائق، “ذلك أن ترجمة مصطلح أجنبي بمصطلح عربي يكون أصليا في اللّغة العربية وليس غريبا عنها، يجعل القارئ يدرك مباشرة وبعفوية مدلولها كما يتحدّد داخل المنظومة اللّغوية العربية التي هي المجال التداولي الأصلي لهذه الكلمة. لأن العبارةمن حيث هي مدلول تحمل داخل منظومتها اللّغوية خصائص رؤية أهلها للعالم وتصوراتهم وطرق تفكيرهم. وهي عمليات فكرية تقع بكيفية آلية وخفية ولاواعية، ولكن هذا المنزلق الفكراني لا يكون دافعا إلى منزلق فكراني آخر أشد خطرا، وإنما يستوجب ضرورة البحث في تأصيل المفاهيم والمناهج”[xxvi].

وهذا بخلاف فلاسفة الإسلام القدامى عندما تعرّفوا على المنطق الأرسطي، حيث”ناقشوا موضوعات لم يعتن بها أرسطو مثل علاقة المنطق بعلوم اللّغة، وشارك الفقهاء والمتكلمون الفلاسفة في العناية بمناهج التفكير وكثيرا ما وجهوا النّقد لمنطق أرسطو… وناقشوا نظريات أرسطو في المقولات والتعريف ومالوا إلى رفض التعريف الأرسطي للماهية بالجنس والفصل، وأدخلوا التعريف بالرّسم الذي يصف الجزئي…[رغم هذا]فالمسلمين كان لديهم مناهج في دراسة أصول الفقه وكان علم الأصول بمثابة المنطق في المشكلات العملية التي صادفت مفكّري الإسلام”[xxvii]، أي أن اهتمامهم كان أكثر موصولية بالوظيفة المنهجية التي يحققها منطق أرسطو، ولم يكن دائرا على محتوى الفكر، وهذه المسلكية شبيهة تماما بعلوم النحو، حيث يهتم النحوي بالقواعد أكثر من اهتمامه بالجمل المكوّنة.

3. 2. إنكار محمد أركون المزايا العلمية التي أتى بها الفقهاء: يظهر لنا القلق الثاني في خطاب محمد أركون، بخاصة في مسألة إنكاره على الفكر الإسلامي التوجُّه الدّيني لأنساقه النّظرية ومسالكه الاستدلالية، من اتهامه للفقهاء بالتنكُّر للمُلابسات التَّاريخية وإضفاء المشروعية على المؤسّسة الحاكمة، والمنافحة عن رؤية خطية أُحادية ترسّم لها وتسوغ لها أيضا، لذلك وتبعا لمستلزمات المقاربة الأركونية من الأجدى “أن نعلم أن الأنظمة اللاّهوتية تعكس إرادات القوة والتوسُّع والهيمنة فيما تخلع عليها القدسية والمشروعية والطقوس الشعائرية ولم تنفك إرادة القوى هذه في التّصارع والتحارب… إنها [أي الأنظمة اللاَّهوتية]أنظمة ثقافية ذات عقلنة ظاهرية تنبذ بعضها بعضا لكي تؤكد على ذاتها وترفع من قيمتها إلى مرتبة الدّور التاريخي بصفتها المؤتمن الوحيد والموثوق على الوحي”[xxviii].

إن الفقهاء يلجأون على ضوء هذا الاقتباس إلى الاستخدام الرّمزي للنّصوص الإسلامية الدّينية، وذلك ليس سعيا وراء الحقيقة، إنما استجابة لخيارات سياسية، وتعتقد في استجابتها لهذه الخيارات أنها تقدّم القراءة الصّحيحة والمطابقة لمرادات النّص الأصلي، إلا أن طه عبد الرحمن ينفي عن الدّرس الفقهي مثل هذه التّحليلات المتأثّرة بدورها بنظرية وحدة المعرفة والسلطة عند فوكو وروافدها الأصلية ممثّلة في إرادة القوة والمعرفة عند نيتشه [xxix]*، لأن هَمَّ الفقهاء كان “هو بناء نسق نظري يستعان به على ضبط استخراج الأحكام المستجيبة لكل مااستجد من الأحوال… فالعلم عندهم يستجيب لشرطين أساسيين هما: الاستدلال والتَّعليل؛ فقد وضعوا قواعد لاستنباط الفروع من أصول الشريعة، وحدّدوا مسالك التّعليل المختلفة؛ ولهذا جمعوا بين الشَّرط العقلاني للعلم الصُّوري والشّرط العقلاني للعلم الطبيعي، ولا عجب في ذلك مادام مجال الشريعة هو مجال يجمع بين العلم والعمل”[xxx].

إذن فالمُوجّه الحقيقي ليس دوافع حيوية لتكريس هيمنة فئة سياسية على غيرها، إنما دوافع معرفية منهجية، والدّليل على ذلك أنه لوكانت غايتهم هي تلك المذكورة (أي التّسويغ المنطقي لإرادات القوى والاستجابة للخيارات السياسية المحايثة لها)، لكانت أحكامهم أحكاما متقلّبة بتقلّب أهواء السّاسة، وموصوفة بما هي موصوفة به الممارسات السّياسية من عفوية وعدوانية وتلقائية، بخاصة وأن وقائع التاريخ السياسي للعالم الإسلامي تقلّبت بتقلّب إرادات الهيمنة والاستقواء وفيها ما يتظاهر لتقوية هذه الفكرة. إن أبنيتهم المنهجية لا تخالف الشروط الواجب توفرها في كل نسق منطقي وعلى رأس هذه الشروط: الاتساق والبساطة والكفاية.

والشواهد المنهجية التي طوّرها وابتكرها الفقهاء وعلماء الأصول تعكس البعد المنهجي العميق في تفكيرهم، والمعبر عن روح الحضارة الإسلامية، هذا البعد المنهجي يستمد عمقه من ثنائية الإبداع التي اختص بها: الأولى، تنصب بنقد علماء الأصول بخاصة الشافعي والمتكلّمون والفقهاء بخاصة ابن تيمية نقدهم للمنطق الأرسطوطاليسي، فعلماء الأصول رفضوه في تبنّيه لفكرة المماثلة بين اللّغتين اليونانية والإسلامية، وقيام المنطق الأرسطوطليسي على خصائص اللُّغة اليونانية، وعلماء الكلام رفضوه من منطلق مخالفته لعلم الإلهيات الإسلامي، من هنا اعتبروه وثيق الصّلة بالميتافيزيقاوكثير من أصوله تتصل بأصولها، أما الفريق الثالث فهو فريق الفقهاء، يقدمهم في ذلك ابن تيمية، “وقد ذكر ابن تيمية العلّتين اللّتين ذكرهما الأصوليون والمتكلّمون من قبل وتوسّعفيهما، ثم أضاف إليهما الأسباب الآتية:

أولا: المنطق الأرسطوطاليسي يقيّد الفطرة الإنسانية بقوانين صناعية متكلّفة في الحد والإستدلال.

ثانيا: اتجاه الإسلام إلى الوفاء بالحاجة الإنسانية المتغيّرة بينما المنطق الأرسطوطاليسي يعتبر قوانينه كلية وثابتة.

ثالثا: عدم اشتغال الصّحابة والأئمة بهذا المنطق الأرسطوطاليسي مع توصّلهم إلى كل نواحي العلم”[xxxi].

وبهذا الإجراء الكاشف عن حقيقة الإنتاجية الفقهية في الحضارة الإسلامية، يتبدّد القول بانغراس المعرفة الإسلامية في الخيارات السّياسية واخزالها في ذلك المحدّد، هذا فضلا عن أن هذا الاختزال للعلوم إلى نزاعات القوى السياسية ينفي عن هذه القراءة صفة العلمية، لأنها ترتكز على السَّلطة كوحدة تحليل وتحولت ثنائية المعرفة والسلطة بدورها إلى سلطة معرفية تمارس نوعا من الهيمنة والغطرسة والطغيان المعرفي على غيرها من المعارف التي لا تتماثل معها.

3.3 استناد تحليلية أركون إلى شرعانية أخرى:

من المنطلقات الأساسية التي يبني عليها أركون مقاربته للتراث المعرفي الإسلامي كما جاء في بداية هذا النّص، القول بشْرعانية العقل الإسلامي، وإقامة المقابلة بينه وبين وصف العلمية التي يموضع مقارباته ضمن نسقها: “ينبغي عليناكباحثين علميين، أن نعود إلى تاريخ كلمجتمع من هذه المجتمعات وثقافته الخاصة إذا ما أردنا أن يكون التَّحليل دقيقا ووافيا. وفي ما يخص مسألة الفضاء المتوسّطي، فإنه من المهم أن نحدّدالعقبات الإيديولوجية التي تؤخّر من دراسته أو تطمس أهميته بالنسبة للاستفادة النّقدية الحديثة لتاريخ الأديان والفلسفة والثقافات”[xxxii].وواضح من خلال هذا النّص تلك المقابلة المكرورة بين ما هو علمي دقيق وماهو إيديولوجي متحيّز. لكن وكما جاء في النّقد السابق أن أركون إما أنه بنى أحكامه على أسس علمية حقيقية، وإما أنه يستند إلى إيديولوجية أو شرعانية مخصوصة، أما وأن طه عبد الرحمن بيّن أن المنهج الذي يدّعي العمل به هو منهج تلفيقي لا تحقيقي، فيترتّب عن ذلك سقوطه في الشرعانية أو الفكرانية، “ولما كان يعترض على الشرعانية الإسلامية، فقد سقط إمكان نسبته إليها، فلا يبقى إلا أن نقول بدعوى استمداده من “شرعانية أخرى”. فما أجراه إذن من حكم على”العقل الإسلامي” أولى أن يُجرى على ادّعائه، وما تهافتت دعوى مثل تهافتها بقلب دليلها عليها”[xxxiii].

هذا، ومن الأعراض الدالّة على وقوعه في متاهات الشّرعانية، اعتماده مسلك التَّعددية المنهجية، بخاصة إذا كانت هذه التعدّدية لاتقتصر على تقنيات إجرائية، بقدر ما تختلف باختلاف رؤاها للعالم أو أن اختلافها اختلافا بنيويا أصوليا”وقد وقع أركون في هذا النوع من الخطأ [مثلا]عندما جمع بين فلسفتي فوكو وهابرماس، وهو ما أوقعه في الخلط ومن ثم إحداث كثير من الثّغرات والفراغات في خطابه النّاقد للعقل الإسلامي… هكذا كان في التجائه مثلا، إلى هابرماس يستحضر متقبلا مغايرا عن المتقبل الذي استحضره أثناء اعتماده حفريات ميشيل فوكو، لقد كان بالنسبة إلى الأول يرضي الضّمير الإسلامي عندما حافظ على محسوسية الحقيقة، ولكنه وقع في الوقت نفسه في تضارب معرفي مع فوكو حين راح يرضي الضّمير العلمي في الغرب، إن ذلك… إخلال بشروط الانسجام العلمي للخطاب. وبذلك جعل أركون خطابه عرضة لتسرب الفكرانية والأعراض والفراغات، فإعطاء النُّقاد مفاتيح النقد والنفاذ إلى فراغات الخطاب: خطاب الإسلاميات التَّطبيقية باعتبارها المنهج الذي أرتآه أركون لنقد العقل الإسلامي”[xxxiv].

هكذا إذن، يقع خطاب محمد أركون في إحراجات اللاّعلمية والتوكأ على الشّرعانية والإيدلوجية في مقاربته للتراث المعرفي الإسلامي، إنها الأوصاف نفسها التي خلعها على بنية المعرفة والعقل الإسلاميين، وفضلا عن هذا فيما يرى طه عبد الرحمن كما هو الشأّن مع نماذج أخرى كالجابري مثلا، أن أركون يتبنّى المفهوم السُّكوني للعقل والمارسة العقلانية، المفهوم الذي يجمّد العقل ضمن نموذج وإطار مرجعي متأثر بدوره بنظرية العقل عند اليونان، باعتباره جوهر قائم بالإنسان يفارق به الحيوان ويستعد بواسطته لتلقّي المعرفة، وكان من الأجدى والأقوى الخروج من هذا المفهوم التثبيتي الذي يتأسّس على فكرة كونية العقل؛ والاستناد إلى التصور الوظيفي والتحولي الذي يقضي بأن تكون العقلانية فعّالية إدراكية لا جوهرا ثابتا، وأن الفعاليات الإدراكية بدورها تختلف باختلاف الزمان والمكان والمعايير والمقاصد التي توجهها، وما المفهوم الغربي للعقل وإنتاجاته سوى تجليا من تجليات العقلانية الوَظيفية والتحوُّلية.

هذا ومن منحى تحليلي آخر، يعتقد أركون بأن الحدود والمسافات جلية بين العقلانية واللاّعقلانية”وهذا أمر ينقضه واقع تطور المعارف الإنسانية، بحيث لا نجانب الصواب إن قلنا بأن”العقلانية” و”اللاّعقلانية” إن هما إلا طرفان متقابلان لسلّم واحد بينهما مراتب لا حصر لها تتزايد أو تتناقص فيها درجة العقلانية، أو “اللاّعقلانية”… والعقلانية تقتضي منا أن نعمل بالأحكام المتناقضة إذا توافرت لنا الأسباب لقبول كل واحد منها، ولم تمهلنا الضّرورة العملية إلى أن نكتشف سبيلا لحذف بعض عناصر هذه الأحكام حتى يرتفع التناقض ويحصل الاتساق”[xxxv].
وبالفعل، فالإتجاهات الفكرية المعاصرة، لم تعد تبصر في العقل مسلكها الآمن نحو تحقيق التقدم والاستقلالية، بقدر ما أضحى سلطة هيمنة وطاغية يجري توظيفه بما ينسجم والأنظمة المهيمنة التي تتجه نحو تكوين الإنسان الاستهلاكي الذي يتحرّك وحيا من غرائزه، فضلا عن أن نتائج الدّرس الأنثربولوجي قد أوحت بخلاصة غير معهودة فيما يتصل بالبنية التَّكوينية للثقافات الإنسانية. إن العقلانية التي يجرى الدّفاع عنها والتبشير بمعاييرها، إن هي إلا العقلانية المتخلّقة ضمن أنساق الثقافة الأوروبية؛ وعدم قَبُول الثَّقافات الأخرى لهذه النّموذج التّحديثي الأوروبي، ليس بسبب تخلّفها أو بسبب ميكانيزمات فطرية في تفكيرها، إنما بسبب أنها تمتلك معقوليتها الخاصة التي تتحدّد انطلاقا من رؤيتها للعالم ومرجعيتها المعرفية في تأويل العالم ورسم منظومة القيم لديها، وليس غريبا بعد هذا، أن تتراجع العقلانية التي صاغتها ثقافة القرن التاسع عشر، وصارت الفعّالية العقلية تعترف بما كان لاعقلانيا كالبحوث التي نشهد عودتها في الدّرس الصوفي ومباحث الأسطورة والتفكيرات اللاّعلمية.

المراجع:
[i]أوردها، رضوان السيد، مسألة العقل وسلطته في النقاشات الإسلامية القديمة، مجلة التسامح، العدد 16، 2006، ص 11-12.
ابن الجوزي، ذم الهوى، تحقيق خالد عبد اللّطيف السبع العلمي، بيروت، دار الكتاب العربي، ط1، 2004، ص 61-62.[ii]
[iii] أرسطو، كتاب النّفس، ترجمة أحمد فؤاد الأهواني، القاهرة: دار إحياء الكتب العلمية، ط1، 1949، ص 112. ويقول أرسطو في مقام آخر “ويظهر على كل حال، أن هناك قوتين محرّكتين، النُّزوع والعقل، هاتان القوتان، النزوع والعقل، محرّكتان بحسب المكان، أعني العقل الذي يستدلُّ لبلوغ الغرض، وأعني العقل العملي، الذي يختلف عن العقل النّظري بالغاية، وكل نزوع فهو من أجل غاية، لأن موضوع النّزوع هو مبدأ العقل العملي، ونهاية التفكير هي بداية العمل”.
طه عبد الرحمن، العمل الديني وتجديد العقل، الدار البيضاء، بيروت: المركز الثقافي العربي، ط2، 1997، ص 18.[iv]
المرجع نفسه، الصفحة نفسها.[v]
[vi]الإمام الماوردي، أدب الدّنيا والدين، الجزائر: الشركة الجزائرية اللّبنانية، ، ط1، 2006، ص 12.
المرجع نفسه، ص 12.[vii]
طه عبد الرحمن، حوارات من أجل المستقبل، بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنّشر، ، 2011، ص 140.[viii]
ابن خلدون، المقدّمة، اعتناء ودراسة، أحمد الزعبي، بيروت: دار الأرقم بن أبي الأرقم،2001، ص 518.[ix]
طه عبد الرحمن، حوارات من أجل المستقبل، مرجع سابق، ص 139.[x]
محمد إقبال، تجديد التفكير الديني في الإسلام، سوريا: النّاقد الثقافي، ط1، 2008، ص 31.[xi]
[xii] طه عبد الرحمن، سؤال الأخلاق(مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية)، بيروت: المركز الثقافي العربي،الدار البيضاء،ط1،2000، 76.

[xiii] عبد الإله بلقزيز، أسئلة الفكر العربي المعاصر، سوريا: دار الحوار، ط1، 2001، ص 72.
المرجع نفسه، صص 61, 62.[xiv]
لؤي صافي، إعمال العقل من النّظرة التَّجزيئية إلى الرُّؤية التكاملية، سوريا، دار الفكر، ط1، 1998، ص 16.[xv]
طه عبد الرحمن، العمل الديني وتجديد العقل، مرجع سابق، ص 15.[xvi]
طه عبد الرحمن، في أصول الحوار وتجديد علم الكلام، المغرب، بيروت، المركز الثقافي العربي، ط 3، 2007، ص 145.[xvii]
طه عبد الرحمن، المرجع نفسه، ص 149.[xviii]
أركون، الفكر الإسلامي نقد واجتهاد، ترجمة هاشم صالح، بيروت، دار الساقي، ط1، 1990، ص 105.[xix]
[xx]محمد أبو القاسم حاج حمد، منهجية القرآن المعرفية- أسلمة فلسفة العلوم الطبيعية والإنسانية بيروت، – دار الهادي، ط1، 2003، ص 33.
[xxi] طه عبد الرحمن، في أصول الحوار وتجديد علم الكلام، مرجع سابق، ص 150.
سمير حميد، خطاب الحداثة، قراءة نقدية، الكويت، روافد “سلسلة آفاق”، ط1، 2009، ص 35.[xxii]
المرجع نفسه، ص 36[xxiii]
طه عبد الرحمن، في أصول الحوار وتجديد علم الكلام، ص 150.[xxv]
مختار الفجاري، نقد العقل الإسلامي عند محمد أركون، بيروت، دار الطّليعة، ط1، 2005، ص 60.[xxvi]
أميرة حلمي مطر، الفكر الإسلامي وتراث اليونان، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط1، 2010، صص 43، 44.[xxvii]
[xxviii] محمد أركون، الفكر الأصولي واستحالة التأصيل (نحو تاريخ آخر للفكر الإسلامي)، ترجمة هاشم صالح، بيروت، دار الساقي، 1999، ص 313.
*يقول فريديريك نيتشه في هذا المقام “” ما المعرفة في التّحليل الأخير ؟ إنها تأويل؛ استثمار لمعنى، فهي في أغلب الحالات لا تفسر؛ إنّها تأويل جديد لتأويل قديم أضحى غير صالح ولا منتفع به، ولم يعد سوى مجرد علامة، لا توجد هناك حالة واقعية، كل شيء في سيلان، يستحيل المسك به، والأكثر دواما هي آراؤنا” Nietzsche,la Volonté depuissance tom 1, Trad.G. Bianquis, Gallimard, N.R.F.1948. t §133p 239.
طه عبد الرحمن، في أصول الحوار وتجديد علم الكلام، مرجع سابق، ص 151.[xxx]
[xxxi] علي سامي النشار، مناهج البحث عند مفكري الإسلام واكتشاف المنهج العلمي في العالم الإسلامي، مصر، دار السلام، ط1 لدار السلام، 2008، ص 288.
محمد أركون، الفكر الإسلامي نقد واجتهاد، مرجع سابق، ص 43.[xxxii]
طه عبد الرحمن، في أصول الحوار وتجديد علم الكلام، ص 151.[xxxiii]
مختار الفجاري، نقد العقل الإسلامي عند محمد أركون، مرجع سابق، ص 63.[xxxiv]
طه عبد الرحمن، في أصول الحوار وتجديد علم الكلام، مرجع سابق، ص 152. [xxxv]

عبد الرزاق بلعقروز, «المساءلة النَّقدية لأنماط العقلانية لدى أركون والجابري نموذج طه عبد الرحمن», [En ligne], مجلة الآداب والعلوم الاجتماعية, العدد 16 ديسمبر
2012,mis à le : 11/12/2012,URL : http: //www.univ-setif2.dz/revue/index.php?id=724.

عبد الرزاق بلعقروز
باحث جزائري