dr taha
دراسات عن طه

القراءة الإبداعية للقرآن عند طه عبد الرحمن

الأحد 14 سبتمبر 2014

أوَليسَ الإنسان هو الكائن الذي ينسى، وينسى أنه ينسى، كما يذكرنا المبدع الذاكر طه عبد الرحمن، فلماذا لم نعد نذكر من الحضارة الغربية سوى أنّها عقل وتعقيل، هل أصابنا الجنون أم ابتلينا بالنسيان؟ مَن الذي أصرّ على نعت الحداثة بأنها حضارة منكفئة على “اللوغوس” في دلالته اليونانية الأصلية أو القول بإيجاز إنها “حضارة لوغوس”؟

نعم هذا صحيح، ولكن أليس من معاني “اللوغوس” التي برزت معنيان اشتهرا أكثر من غيرهما، وهما: “العقل” و”القول”؛ فحينئذ، تكون الحضارة الحديثة حضارة ذات وجهين: “حضارة عقل” و”حضارة قول”.

لكن الوجه الذي شغل الناس عمومًا والمتفلسفة والحداثيين خصوصًا أكثر من الآخر إلى حد الافتتان به، هو كونها “حضارة عقل”، لماذا التعنت إذن، لم لا نقرّ مع عبد الرحمن بأنّ ما نشاهده في واقعنا هو نقل للحداثة الموجودة في واقع الحداثة الغربية، وهذا النقل ليس فيه ابتكار ولا جمال، ودعونا نتساءل كيف نتصرف مع هذا الواقع، كيف نصبح لا ناقلين للحداثة، بل مبدعين لها، ولنبدأ بقراءة القرآن إبداعًا لا ابتداعًا.

إذا سلّمنا بأن القراءة الحداثية للقرآن الكريم لم تحقق الهدف المنشود التي توخت إنجازه ولا المقاصد الشريفة التي سعت إلى إحداثها في العالم العربي من التحرير والتنوير، وتبين أنها جلبت مزيدًا من الاستلاب والظلمة بسبب اعتمادها مناهج حداثية مقلدة للنسق الغربي وإسقاطها آليًّا على القرآن الكريم؛ الأمر الذي أدى إلى التشكيك في صحة النص القرآني وأصله الإلهي وقداسته وتمام تشريعه وصلاحيته، وإذا تقرّر أنّه لا سبيل إلى التحقّق بالحداثة إلا بإنجاز تحرر حقيقي من الوصاية والهيمنة للدخول في أفق الإبداع، فما هي آليات القراءة المبدعة للقرآن الكريم؟

لا بدّ من التأكيد أنه لا سبيل للمسلمين من أجل الدخول في أفق الحداثة وإنجاز حداثة حقيقية مبدعة من تحقيق قراءة جديدة للقرآن الكريم باعتباره أساسَ وجود الأمة الإسلاميّة وسر صناعة تاريخها، الذي دشّن الفعل الحداثي الإسلامي الأول، وهو ما يعترف به جمع من الحداثيين جزئيًّا كمحمد أركون وغيره.

ومن هنا، فإن تدشين الفعل الحداثي الإسلامي الثاني لا يتحقّق إلا بإبداع قراءة ثانية تعمل على تجديد الصلة بالقراءة النبوية الأولى، وتفجر الطاقات الإبداعية في عصرنا كما فعلت في العهد النبوي، وإذا كانت الحداثة في المجتمعات الغربية أنجزت على أساس مواجهة المؤسسات الكنسية التي مارست وصايتها على الدين والثقافة والسياسة وتسببت في وقوع حروب دينية مزقت المجتمع، فإنّ الحداثة الإسلامية قامت على النقيض مع مقتضيات الحداثة الغربية التي قامت على التصارع مع الدين وأنجزت إبداعًا منفصلًا على أساس القطيعة.

فالحداثة الإسلامية الأولى قامت على أساس التفاعل مع الدين، ولا بد للحداثة الإسلامية الثانية أن تسلك نفس المنهج التفاعلي لإنجاز إبداع متصل. لقد شكلت قراءة النص القرآني أحد أهم انشغالات وتحديات النخبة الحداثية العربية خلال العقود الثلاثة الماضية، وذلك لما يتمتع به القرآن الكريم من دور وتأثير مركزي في تشكيل العقل العربي الإسلامي، وذلك باعتباره أحد أهم العقبات المعرفية التي تقف عائقًا أمام تحقيق النهضة والتقدم والتحرر.

وقد انتهجت القراءة الموسومة بالحداثية منهجًا مقلّدًا لنسق الحداثة الغربية، وعلى الرغم من الاختلاف البيّن والمقاربات المتعدّدة لمفهوم الحداثة عند أهلها؛ إلا أن القراءة العربية للحداثة تعاطت معها كمشروع مكتمل بدأ في لحظة تاريخية في الغرب ولا بد أن تشمل آثاره العالم بأسره، وآمن الحداثيون العرب بجملة الصفات التي طبعت المشروع الحداثي الغربي مع اختلافهم في أولوية الصفات المميزة للحداثة وتحليل أسبابها ونتائجها.

فالحداثة عند بعضِهم هي النهوض بأسباب العقل والتقدم والتحرر، وهي عند آخرين الدخول في أفق العلم والتقنية وممارسة السيادة على الطبيعة والمجتمع والذات، وقد تطرف بعض الحداثيين العرب بقصر الحداثة على صفة واحدة كالانقطاع عن التراث أو نزع القداسة عن العالم أو أنها تبني العقلانية أو الديمقراطية أو حقوق الإنسان، واعتبرها بعض الحداثيين العرب الدخول في أفق العلمانية والانفصال عن الدين.

لا توجد قراءة عربية حداثية متكاملة للنص القرآني كما هو واضح، لكنّنا نجد دعوات عديدة لإنجازها تضع لنا خططًا واستراتيجياتٍ تقوم على جملة من الآليات تقوم على وجوب تحقيق قطيعة معرفية مع القراءات الإسلامية التراثية التي تعمل على ترسيخ الإيمان والاعتقاد واستبداله بترسيخ التشكيك والانتقاد، ومن أشهر دعاة القراءة النقدية الحداثية محمد أركون وأتباعه من التونسيين مثل عبد المجيد الشرفي ويوسف صديق، والمصري نصر حامد أبو زيد، والسوري طيب تيزيني، ويدخل في هذا الباب دعوة المصري حسن حنفي التأويلية بشكل أقلّ حدّة.

اتبعت دعوات القراءة المقلّدة في سبيل تحقيق مشروعها الحداثي النقدي مجموعةً من الخطط تهدف إلى رفع العوائق الاعتقادية، ومن أبرزها: خطة أنسنة القرآن الكريم، والتي تهدف إلى رفع عائق القداسة عن النص القرآني، عن طريق التعامل مع الآيات القرآنية باعتبارها وضعًا بشريًّا.

وقد عبّر عن ذلك عبد المجيد الشرفي بنزع “الميثية” عن النصّ الديني بمحاولة أنسنته بعلمنة القراءة، وانتهجت هذه القراءة الحداثية عمليات خاصة، كحذف عبارات التعظيم المتداولة إسلاميًا واستبدال المصطلحات المقررة تاريخيًّا بمصطلحات جديدة، كاستبدال مصطلح نزول القرآن بالواقعة القرآنية، والقرآن الكريم بالمدونة الكبرى، والآية بالعبارة، والاستشهاد بالكلام الإلهي والكلام الإنساني على نفس الرتبة في الاستدلال، والتفريق بين مستويات مختلفة في الخطاب الإلهي، كالتفريق بين الوحي والتنزيل، والقرآن والمصحف، والشفوي والمكتوب.

وفي هذا السياق يقول محمد أركون: “وكنت قد بينت في عدد من الدراسات السابقة أن مفهوم الخطاب النبوي يطلق على النصوص المجموعة في كتب العهد القديم والأناجيل والقرآن كمفهوم يشير إلى البنية اللغوية والسيمائية للنصوص، لا إلى تعريفات وتأويلات لاهوتية عقائدية”.

ويؤكد هذا المعنى أبو زيد بقوله: “إن القول بإلهية النصوص والإصرار على طبيعتها الإلهية تلك يستلزم أن البشر عاجزون بمناهجهم عن فهمها ما لم تتدخل العناية الإلهية بوهب البشر طاقات خاصة تمكنهم من الفهم”. وكان من نتائج التطبيق المنهجي لخطة أنسنة القرآن، جعل القرآن نصًّا لغويًّا لا يختلف عن النصوص البشرية، وترتب على هذه المماثلة اللغوية بين النص القرآني والنصوص البشرية اعتبار النص القرآني مجرّد نص أنتج وفق المقتضيات الثقافية التي تنتمي إليها اللغة ولا يمكن أن يفهم أو يفسر إلا بالرجوع إلى المجال الثقافي الذي أنتجه.

كما شدد على ذلك نصر حامد أبو زيد بقوله: “إن النصوص الدينية ليست في التحليل الأخير سوى نصوص لغوية، بمعنى أنها تنتمي إلى بنية ثقافية محددة تم إنتاجها طبقًا لقوانين تلك الثقافة التي تعد اللغة نظامها الدلالي المركزي”. ومن نتائج هذه القراءة الحداثية جعل القرآن إشكاليًا؛ بحيث يصبح النص مجملًا ينفتح على احتمالات متعددة وتأويلات غير متناهية. فالطيب تيزيني يرى: “أن الوضعيات الاجتماعية المشخصة في المجتمع العربي بما انطوت عليه من سمات ومطالب اجتماعية اقتصادية وسياسية وثقافية… إلخ، هي التي تدخلت في عملية خلخلة النص القرآني وتشظيه وتوزعه بنيويًّا ووظيفيًّا في اتجاهات طبقية وفئوية وأقوامية إثنية متعددة، وقد أتى ذلك على نحو ظهر فيه هذا النص معادًا بناؤه وفق قراءات متعدده محتملة تعدد تلك الاتجاهات وحواملها المجسدة بالوضعيات المذكورة إيّاها”. ومن النتائج المترتبة على القراءة الحداثية، فصل النص القرآني عن مصدره الإلهي وربطه بالقارئ الإنساني، واعتباره نصًّا غير مكتمل كما يؤكد ذلك تيزيني بقوله: “فإننا في الاختراق الحالي نواجه المسألة من حيث هي مساءلة حول “تمامية المتن القرآني”، وكما هو بيّن، فإنّ إجماعًا على هذه التمامية يغدو والحال كذلك أمرًا خارج المصداقية التاريخية التوثيقية”.

لكن الإبداع الموصول يقوم على مقاصد وغايات وآليات غفلت عنها دعوى القراءات الحداثية المقلّدة تارةً، وتنكرت لها تارةً أخرى، على الرغم من اقترابها ظاهريًّا؛ فالخطط الإبداعية المتصلة للقراءة لا تقصد إلغاء القداسة باعتبارها عائقًا معرفيًّا، وإنما تهدف إلى إلغاء كل تقديس في غير موضعه كتقديس الذات أو الفرد، وبالتالي فإن خطة الأنسنة الإبداعية إنما تكون بقصد تحقيق “الكرامة الإنسانية”: فانتقال الآيات القرآنية من الوضع الإلهي إلى الوضع البشري يحقق كرامة الإنسان.

وهو ما يعزز التفاعل الديني، فالقرآن إنما هو وحيٌ نزلَ بلسان الإنسان العربي، وإن كان خطابه يتوجه إلى الإنسانية عامّة، وبهذا لا جدال بأن القرآن إنما هو وحي اتخذ في شكل تبليغه وتحققه اللساني وضعًا إنسانيًّا، وهو ما يعيد الاعتبار للإنسان، ليس بالتخلص من سلطة الإله، كما هو شأن القراءة المؤنسنة التي وقعت في رق التقليد، وإنما بموافقة الإرادة الإلهية التي أرادت أن يكون الإنسان خليفة في تدبير شؤون العالم. فخطة الأنسنة المبدعة تعمل على إعادة صلة الإنسان بخالقه وتحقق كرامته، وتكشف عن مظاهر تكريم الإنسان وأسبابه ومراتبه في القرآن، وتستخرج الأدلة التي تؤكد على مبدأ الاستخلاف، وقد تنبه لخطة الأنسنة في القرآن الكريم بعض الحداثيين العرب كهشام جعيط. ومن الاستراتيجيات المتبعة في القراءة الحداثية العربي، خطة عقلنة النص القرآني، والتي تهدف إلى رفع عائق الغيبية، وبحسب هذه القراءة فإن العائق الأكبر يتمثل في اعتقاد أن القرآن وحي جاء من عالم الغيب، ولذلك لا بدّ من التعامل مع الآيات القرآنية طبقًا للمنهجيّات والنظريات الحديثة.

كما يرى أركون: “من أجل زحزحة إشكالية الوحي من النظام الفكري والموقع الإبستمولوجي الخاص بالروح الدوغمائية، إلى فضاءات التحليل والتأويل التي يفتتحها الآن العقل الاستطلاعي الجديد المنبثق حديثًا”. ومن العمليات المتبعة في سبيل تحقيق خطة عقلنة النص القرآني اعتبار علوم القرآن التي اتبعها علماء المسلمين تشكل وسائط معرفية متحجرة تمنع من التواصل مع النص القرآني، وتعيق أسباب النظر العقلي.

ومن هنا كان لا بد من نقل مناهج علوم الأديان المتبعة في تحليل ونقد التوراة والأناجيل وتطبيقها على النص القرآني، والتوسل بالمناهج المعتمدة في علوم الإنسان والمجتمع، واستخدام النظريات النقدية والفلسفية الحديثة، وإطلاق سلطة العقل دون حدود. وقد ترتب على خطة القراءة العقلانية للقرآن تغيير مفهوم الوحي الذي اعتبرته القراءة الحداثية عائقًا مفهوميًّا لا بد من استبداله بتأويل يسوغه العقل، واعتبار كل ما يناقض العقل في النص القرآني من قضايا وأخبار، ما هو إلا مجرد شواهد تاريخية تعبر عن أحد أطوار الوعي الإنساني الذي تم تجاوزه. فنصر أبو زيد يعتبر أن: “السحر والحسد والجن والشياطين مفردات في بنية ذهنية ترتبط بمرحلة محددة من تطور الوعي الإنساني”.

ولا تقصد خطة التعقيل الإبداعية إلغاء مفهوم الغيب كما فعلت القراءة المستلبة، وإنما عملت على توسيع مفهوم العقل في التعامل مع الآيات القرآنية، وذلك باستثمار وسائل النظر والبحث التي وفرتها المناهج والنظريات الحديثة. فالتعامل العلمي مع الآيات القرآنية يساهم في الكشف عن بعض المعالم الخفية المميزة للعقل الذي جاء به القرآن، وهو عقل الآيات وليس عقل الآلات والأدوات، وعقل القيم لا عقل النسب والعدد؛ الأمر الذي يوسع آفاق العقل بإدراك أسرار التوجهات القيمية للإنسان والأسباب الموضوعية للوقائع، ناقلًا إيّاه من الطور المادي الخالص إلى مزاوجة المادي بالمعنوي.

وهكذا، فإن العمليات المنهجية التي تهدف إلى تحقيق العقلانية المبدعة من خلال قراءة النص القرآني تعمل على توسيع آفاق العقل باستثمار مبدأ التدبر الذي أرشدت إليه الآيات بوصل الظواهر المختلفة بالقيم والأخلاق والأحداث بالاعتبار.

وتكتمل أركان القراءة الحداثية باعتماد الخطة التاريخية، والتي تهدف إلى رفع عائق الأحكام الشرعية التي جاء بها القرآن، وإبطالها كأحكام ثابتة وأزلية، وقد توسلت هذه القراءة الحداثية في سبيل إلغاء عائق الاعتقاد بالأحكام، من خلال ربط الآيات القرآنية بالظروف والسياقات الزمانية المختلفة، وترتب على اتباع خطة الأرختة، اعتبار النص القرآني كأيّ نص تاريخي آخر لا يتضمن تمام التشريع الإسلامي واعتبار آيات الأحكام مجرد وصايا ومواعظ لا تحمل صفة القوانين التي تنظّم حياة المسلم في شتى المجالات، وحصر القرآن في مجال الأخلاقيات الباطنية الخاصة.

وإذا كانت القراءة الحداثية المقلدة للنسق الغربي للحداثة اعتمدت التاريخانية المنقولة من أجل إلغاء الأحكام الشرعية باعتبارها عائقًا، فإن القراءة الإبداعية تهدف إلى ربط الآيات القرآنية بظروفها البيئية والزمنية وسياقاتها المختلفة، من أجل ترسيخ الأخلاق والقيم، وهذا الوصل يعمل على تقوية التفاعل الديني.

فالسياقات والظروف المخصوصة التي وردت فيها الآيات القرآنية ما هي إلا تجليات للتحقق الأمثل للمقاصد والغايات التي جاءت بها هذه الآيات، ويعني هذا أنه كلما تجددت الظروف والسياقات فلا بد من تجدد تحقق هذه القيم التي تعمل على تجديد الإيمان بها. فالآيات القرآنية محفوظة بحفظ قيمها في مختلف الأحوال والأطوار، وبذلك فالتاريخ لا يستعيد اعتباره بإلغاء الأحكام، وإنما بتوسيع مفهوم الحكم بالمزاوجة بين الوجه القانوني والأخلاقي مع التأكيد على أولوية الجانب الأخلاقي باعتبار أن الأخلاق ضرورات، لا كمالات تؤسس لرقي الإنسان وبناء حضارته كما بيّن ذلك ابن خلدون، وغيره من علماء الإسلام.

وبناءً على ذلك، فإنّ الانشغال بالسلوك في الحياة في خطّة القراءة القرآنية التاريخية الإبداعية تتجاوز التاريخية التي وقعت في التقليد، من خلال العناية بالسلوك الدنيوي باعتبار أن الأخرويّ يمثل عائقًا في سبيل تحقيق الحداثة، وتستند القراءة التاريخية المبدعة على عمليات منهجية تكشف عن مختلف أشكال التخلق ومواضعه ونماذجه ودرجاته في النص القرآني، واستخراج الأدلة التي ترسخ مبدأ الاعتبار التي دعت إليه الآيات القرآنية.

فالأحداث التاريخية التي تذكرها هذه الآيات ليست مجرد وقائع تنبني على أسباب موضوعية، وإنما هي موجهة لتحقيق مقاصد وغايات وقيم مخصوصة تشكل عِبرًا للإنسان للعمل بها في تغيير نمط سلوكه ومجرى حياته. فالنص القرآني الخاتم يمتد في الزمان ولا بدّ أن نبحث في الآيات القرآنية لا عن علامات الماضي فنقع في الماضوية المضرة، وإنما يجب البحث عن علامات الحاضر لتحقيق الاهتداء في القادم، في سبيل صناعة تاريخية مستقبلية.

وبهذا يصبح النص القرآني نصًّا راهنًا راهنية دائمة لا تنقطع، فقد اختص القرآن قيم أخلاقية وروحية عليا، ومن المعلوم أن القيم لا تتأثر بتغير الأزمان كما هو شأن الوقائع المتغيرة، بل إن القيم هي التي تؤثر في الزمان وتغيره، وتطبيقها هو الأساس في صناعة التاريخ و الحضارة.

إن الاستراتيجيات الحداثية المتبعة من قبل النخب العربية في قراءة النص القرآني لم تفلح في تحقيق جملة الغايات والمقاصد التي سعت إلى تحقيقها من النهوض والتقدم والتحرر، ولم تنجح في صناعة حداثة عربية إسلامية، ذلك أنها توسلت بمفاهيم حداثية منقولة أعادت فيه إنتاج الواقع الحداثي الغربي، وخاضت صراعات مفتعلة بالمماثلة بين ما حدث في أوروبا من صراع بين العلماء ورجال الكنيسة، الأمر الذي أدى بالحداثيين العرب إلى اتّباع جملة المسلمات التي انبنت عليها الحداثة في الواقع الغربي دون اعتبار لمقومات الحداثة العربية الإسلامية.

أما تحديث الفكر الإسلامي، فلا بد أن يمرّ عبر تحقيق قراءة حداثية للآيات القرآنية تتسم بالإبداع والجدة، ولا يكون الإبداع حقيقيًّا إلا إذا كان إبداعًا موصولًا يأخذ بأسباب وآليات إنتاج التراث التفسيري والثقافي الإسلامي، وإذا كانت القراءة الإبداعية تتفق مع خطط القراءة المقلدة في بعض جوانبها التنسيقية فإنّها تختلف عنها بما تحققه من ترشيد التفاعل مع النص القرآني والقيام بتدشين أهداف نقدية تحقق مقاصد تكريم الإنسان بدلًا من رفع القداسة، وتعمل على توسيع آفاق العقل بدلًا من إقصاء الغيب، وتشدّد على ترسيخ الأخلاق بدلًا من تعطيل الأحكام الشرعية، تأسيسًا على مبادئ الاستخلاف والتدبر والاعتبار.

ومن المفارقات الغريبة أنّ جهود الحداثيين العرب رسخت حالة التخلف والتردي من خلال إشاعة جو من الاضطراب والتشكك لاعتمادها نفس المبادئ التي انبنت عليها الحداثة الغربية، وهي الاشتغال بالإنسان وترك الاشتغال بالله، والتوسل بالعقل وترك التوسل بالوحي، والتعلق بالدنيا وترك التعلق بالآخرة، كما بيّن ذلك فيلسوفنا الكبير طه عبد الرحمن.
حسن أبو هنية

المصدر: موقع التقرير، 13 شتنبر 2014
رابط الموقع: www.altagreer.com