dr taha
مقالات عن طه

السؤال المسؤول: مجاوزة طه عبد الرحمن لتاريخ السؤال الفلسفي

الإثنين 17 مارس 2014

بدر الحمري

ـ الأصل في الفلسفة ليس السؤالية وإنما المسؤولية
ـ نحن العرب نريد أن نكون أحــرارا في فلسفتنا

من المؤكد أن الفلسفة اشتهرت بممارسة السؤال، بل حتى الأجوبة في الفلسفة هي عبارة عن أسئلة ! والهدف هو البحث عن الحقيقة وعدم الركون إلى أجوبة جاهزة.
لكن السؤال الفلسفي لم يكن شكلا واحدا، بل أشكالا مختلفة، أبرزها حسب الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن شكلان اثنان :
ـ السؤال الفلسفي القديم الذي اختص به الطور اليوناني، حيت كان عبارة عن « فحص» بمعنى أن السائل يطرح على محاوره أسئلة تؤول في الغالب إلى إبطال دعواه. وخير شاهد على ذلك “السؤال السقراطي” نسبة إلى سقراط، فقد كان يبادر محاوره بسؤال عام عن مفهوم الفضيلة أو الخير أو العدالة مثلا، حتى إذا تلقى منه جوابا معينا ، ألقى عليه أسئلة أخرى قد تطول وتتشعب، يكون الرد عليها بالإيجاب، إعتقادا من محاوره أن هذه الأجوبة لا تخالف الجواب الأول، لكن سرعان ما يظهر سقراط لمحاوره تناقضه الصريح بين جوابه الأول وأجوبته اللاحقة !
ـ السؤال الفلسفي الحديث الذي اختص به الطور الأوروبي، وهو عبارة عن« نقد» ومقتضاه حسب الفيلسوف طه :” أن لا يسلم الناظر بأية قضية ـ كائنة ما كانت – حتى يقلبها على وجوهها المختلفة، ويتحقق من تمام صدقها، متوسلا في ذلك بمعايير العقل وحدها “. كما هو الشأن مع الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط ، الذي كان لا يقف فقط عند حدود شروط المعرفة ، بل جعل من العقل نفسه موضع تفكـير، وهذا ما تعبر عنه على الأقل عناوين ثلاثيته ( نقـد العـقل الخالص، نقد العقل العملي، نقد ملكة الحكم ) حتى أصبحت هذه الممارسة النقدية الكانطية تشمل كل شيء، وأصبحنا نحصي أعمالا تحمل في عنوانها لفظ النقـد.
والفرق بين «الفحص » و« النقـد» ؛ ان الأول يوجب الدخول في الحوار ويقصد افحام المحاور، أما الثاني يوجب التفكير في المعرفة ويهدف إلى الوقوف على حدود العـقل.
غير أن الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن، الحاصل على جائزة “الإسيسكو” في الفلسفة والفكر الإسلامي عام 2006، أسـس لمرحلة جديدة من ممارسة السؤال الفلسفي، تتجاوز شكل الفحص والنقـد معـا، وهذا الشكل الأحدث للسؤال الفلسفي هوما يسميه في” كتابه الحق العربي في الإختلاف الفلسفي” بـ« السؤال المسؤول» أي « السؤال الذي يسأل عن وضعه كسؤال بقدر ما يسأل عن موضوعه » وبيان ذلك أن الفيلسوف لا يسأل لأنه يملك زمام السؤال ويلقي بزمام المسؤولية على غيره، بمعنى أنه يضع سؤاله عما شاء وحيثما شاء ومتى شاء ولمن شاء، ولـكن لأنه مسؤول عن كل أفعاله بما فيها سؤاله، فكل فيلسوف يسأل ( بفتح الياء) لأنه يسأل (ضم الياء)، ووجود سؤاله من وجود مسؤوليته.
من هنا استنتج طه عبد الرحمن أن الأصل في الفلسفة ليس السؤالية وإنما المسؤولية.
ويبقى الغرض الأساس من هذه النتيجة هو تبيان صاحب مؤلف ” سؤال الأخلاق، مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية ” أن ممارسة السؤال هي في عمقها مسؤولية أخلاقية. ومعلوم أن طه عبد الرحمن يشير في أغلب كتبه ولقاءاته الفكرية أنه لا تفلسف بغير تخلق.
اهنا أصبح لدينا تعريف جديد ونظرة مغايرة لتعريف الفلسفة والفيلسوف، لا تشبه تلك التي رسخ عليها تاريخ الفلسفة. فالفيلسوف الحق مع طه عبد الرحمن ليس هـو الذي يهيم في واد النقد، بل هو الذي يكون نقده مسؤولا، لا يركن إلى الاعتقاد في نفسه فضلا عن عدم الركون إلى العقل بما هو وسيلته الخاصة. بمعنى أنه لا يكتفي بنقد العقل كما حصل مع كانط ، بل يتعداه إلى نقد نقده. لذلك فالعقل عند طــه عبد الرحمن ليس هو العقل الفاحص ولا العقل الناقد، إنما هو «العقل المسؤول» أي أن العقل هنا يصبح مناط التكليف !
إذا تقرر هذا التعريف الذي قدم للفيلسوف الجديد (لسائل المسؤول) ظهر أن الفيلسوف العربي الجديد ليس هو الذي يخوض في أي سؤال ولا ذاك الذي يخوض في سؤال غيره ، تقليدا له. وإنما هوالذي لا يسأل إلا السؤال الذي يلزمه وضعه ويلزمه الجواب عنه. وهذا لا يمكن أن يتم حسب الفيلسوف طه عبد الرحمن إلا عن طريق تحرير القول الفلسفي العربي من تبعيته وفتح آفاق الإبداع فيه.
الأمر الذي جعله يقر بحاجة الفيلسوف العربي الجديد إلى استشكال مفهومين ليس اضر منهما تسلطا وتجميدا على القول الفلسفي العربي، هما : « الفكر الواحد » و« الأمر الواقع».
أـ مفهوم « الفكر الواحد» ، الذي أفرزته ثقافة واحدة، بالسلطان لا بالبرهان، وهي ثقافة الأقوى اقتصاديا وسياسيا، وليس أضر على الفلسفة من أن يهيمن عليها فكر واحد، لهذا وجب على الفيلسوف العربي أن يشتغل بنقد هذا الفكر الواحد الذي أخد يتغلغل بقوة بين بني قومه، يقطع وينزع عنهم التميز والإبداع وأسباب العطاء.
هنا وضع الفيلسوف المسلم طه عبد الرحمن جانبين أساسيين يخل بهما مفهوم الفكر الواحد (رغم أني أفـضل نعته بحركة الفكر الواحد).
أحدهما : أن هذا الفكر يعارض مبدأ المسؤولية الذي تتحدد به الفلسفة، فلا مسؤولية بدون الخروج من التبعية الفكرية.
والثاني : أن الـفكر الواحد يفضي إلى نقيض المقصود من حيت أنه يسعى إلى المقصود. لأن فعل التفلسف أظهر في الاختلاف منه في الإجماع.
ب- استشكال « الأمر الواقع » وهو مفهوم سياسي هدفه بسط هيمنة سياسية مخصوصة، تملي على الفلسفة مقولاتها وشروطها أو تخضعها لتوجهاتها، وهذا حتما سيسوق الفلسفة إلى الموت المحتوم.
لذا، فان أحد وجوه المسؤولية حسب الفيلسوف طه هو نقد هذه المقولة نقدا مسؤولا يكون بتوضيح أن مقولة الأمر الواقع تخل بشرط التفلسف على الأقل من جانبيين إثنين..
أحدهما، أن الأمر الواقع يضاد مبدأ الاعتراض الذي تقوم عليه الفلسفة. فالواقع حادث، والحادث لا ضرورة فيه، لا يحتمل أن يبقى على الوجه الذي حدث به وأن ينتقل إلى وجه سواه. وبفضل هذا يحيي الفيلسوف طه عبد الرحمن في مقولة الأمر الواقع مقولة أخرى وهي ” الواقع يتغير”.
والثاني، أن الأمر الواقع لما كان مفهوما سياسيا تحكمه المصلحة والقوة، فهو يخالف مبدأ الحق الذي تدعو إليه الفلسفة، لأن المصلحة التي لا تقوم على الحق فهي ضرر، والقوة التي لا تقوم على الحق فهي لا تكون إلا ضعفا، ولا بد للضعف أن يزول حالا أم مستقبلا، ولا بد للضرر أن يزول، عاجلا أم آجلا.
وهذا النقد لمفهومي ” الفكر الواحد” و” الأمر الواقع” هو في الحقيقة اشتغال من الفيلسوف طه عبد الرحمن على انتزاع حقه في أن تختلف ممارسته الفلسفية عن نموذج الفلسفة المعلومة التي يقر أهلها انها أمر واقع وفكر يجري على الأمم كافة ، رغم أنهم في فلسفاتهم يتبجحون بمفاهيم الاختلاف وغيرها، لكنهم ينكرون الاختلاف مع هذا النموذج الفلسفي !!
من تم، فكما أن الاختلاف الثقافي حق مكفول لجميع أمم المعمور، فكذلك حق الاختلاف الفلسفي ينبغي الإقرار به للجميع, ونحن العرب – يقول طه عبد الرحمن- نريد أن نكون أحرارا في فـلسفـتنا ، وليس من سبيل إلى ذلك إلا الاجتهاد في إبداع فلسفة خاصة بنا، والنظر في تلك الدعاوي التي تحول دون ممارستنا لحريتنا الفكرية، ويأتي في مطلعها القول بأن الفلسفة معرفة عقلية تشمل الجميع، أي أن الفلسفة معرفة كونية.
إيمان طه عبد الرحمن الراسخ بحق كل قوم في الاختلاف الفلسفي، جعله يؤمن بحاجة الأقوام جميعا إلى دخولها في علاقات حوارية بعضها مع بعض، لأن الاختلاف يوجب الحوار، والحوار إنما هو تواصل السؤال.