dr taha
مستجدات

الحجاج واستراتيجية الإقناع عند طه عبد الرحمن

الثلاثاء 16 سبتمبر 2014

الحِجَاج واستراتيجية الإقناع عند طه عبد الرحمن: -مقاربة إبستيمولوجية-
الدكتور حمودي محمد، جامعة مستغانم

يعتبر طه عبد الرحمن من بين أبرز المفكرين العرب الذين عالجوا مسألة الحجاج، بوصفه أبرز آلية لغوية يستخدمها المرسل للإقناع، ومن حيث هو كلّ منطوق به موجه إلى الغير لإفهامه دعوى مخصوصة يحقّ له الاعتراض عليها.(التكوثر العقلي، ص226) ولمّا كانت اللّغة التي يستعملها الحجاج أساسا هي اللّغة الطبيعية، فقد عُدّ(أي الحجاج)من وظائف اللّغة الأربع، فضلا على الوظيفة الوصفية، والوظيفة الإشارية، والوظيفة التعبيرية. فالمرسل يستخدم اللغة لغاية الحجاج بالبراهين والتفسيرات.
من هذا المنطلق يؤسّس طه عبد الرحمن لمفهوم الحجاج إستراتيجية إقناعية، وعملية خطابية يهدف من خلالها الخطيب تسخير المخاطب لفعل أو ترك بتوجيهه إلى اعتقاد قول يعتبره كل منهما شرطا كافيا ومقبولا للفعل أو الترك، وذلك من خلال كتابيه:
1- (اللسان والميزان أو التكوثر العقلي).
2- (في أصول الحوار وتجديد علم الكلام).
ولقد ركّز على النقاط الآتية:
أ-الخطاب والحجاج، ب- أنواع الحجج، – أصناف الحجاج، جـ- السلّم الحجاجي.
ولعلّ هذه الورقة تتوسّل الكشف عن أهم ما طرحه طه عبد الرحمن من مفاهيم للحجاج بوصفه وسيلة لغوية إقناعية، والتركيز على المزاوجة بين القديم العربي والحديث الغربي، مبتغيا في ذلك إيجاد رابط منطقي لغوي ليطوّعه في سبك نظرية تأخذ بقوة المنطق وسلاسة اللغة.
يعتبر طه عبد الرحمن من الدارسين العرب الذين عالجوا مسألة الحجاج بوصفه أبرز آلية لغوية يستخدمها المُرسل للإقناع. وينبني فعل الإقناع بصفة دائمة على افتراضات سابقة بشأن عناصر السياق خصوصا المرسل إليه، والخطابات السابقة والخطابات المتوقعة1. والحق أن إستراتيجية الإقناع تستخدم لأغراض نفعية، إذ يعمد المرسل إلى الظفر بإقناع المرسل إليه (الجمهور المتلقي) بواسطة الإيطوس2 كما يسميه هنريث بليث. فقد يكون الإقناع هاهنا خارج النص(أي يمارسه المرشح للانتخابات، والفلاح، والتاجر، والطفل، والمرأة…) أو(في جميع النصوص الأخلاقية مثلا: الكوميديا، النص الإشهاري). كما قد يكون كامنا في إحالة النص على نفسه “الفن للفن”، وهدفه خلق المتعة الجمالية للجمهور3. بمعنى أنه بالإمكان أن(تزدوج أساليب “الإقناع” بأساليب “الإمتاع”، فتكون إذ ذاك أقدر على التأثير في اعتقاد المخاطب، وتوجيه سلوكه لما يَهَبُها هذا الإمتاع من قوة في استحضار الأشياء، ونفوذ في إشهادها للمخاطب، كأنه يراها رأي العين)4.
يرى طه عبد الرحمن أن الأصل في تكوثر الخطاب هو صفته الحجاجية، انطلاقا من أنّه لا خطاب بغير حجاج5، فالحجاج شرط في ذلك، لأن من شروط التّداول اللّغوي الإقناع6. والإقناع هو(عملية خطابية يتوخى بها الخطيب تسخير المخاطب لفعل أو ترك بتوجيهه إلى اعتقاد قول يعتبره كلّ منهما(أو يعتبره الخطيب)شرطا كافيًا ومقبولا للفعل أو التّرك)7.
ومن القول النافل أن استراتيجية الإقناع هي السلطة التي يستخدمها المرسل في خطابه دون الاستراتيجيات الأخرى، كالاستراتيجيات الإكراهية، ولا تتحقق قولا أو فعلا إلاّ عند تسليم المرسل إليه بالخطاب الملقى، ولتحقيق المراد يتوسّل المرسل الحجاج بالتعويل على أساليب أو آليات لغوية، أو فعاليات استدلالية خطابية مشيدة على عرض رأي أو الاعتراض عليه، ومرماها إقناع الغير بصواب الرأي المعروض أو ببطلان الرأي المعترض عليه.[1] وعلى هذا كان(الإقناع هو مجال البحث الحجاجي نظرا إلى كونه محدّد المقام والمخاطب والإطار القولي)9.
١- الحجاج عند طه عبد الرحمن، مقاربة مفاهيمية:
يورد طه عبد الرحمن تعاريف مختلفة للحِجَاج، فتارة يتحدّث عنه باعتباره الآلية الأبرز للإقناع، وتارة بوصفه فعالية تداولية جدلية، وتارة أخرى على أنّه فعالية استدلالية خطابية. ولعلّ من أهم التّعاريف التي ساقها:
أولا: الحِجاج هو:(كلّ منطوق به موجّه إلى الغير لإفهامه دعوى مخصوصة يحقّ له الاعتراض عليها)10.
وهذا يشير إلى أنّ طبيعة الخطاب لا تتحدّد فقط في العلاقة التخاطبية، بل إنّ للعلاقة الاستدلالية أيضا دور في ذلك؛إذ(لا خطاب بغير حجاج، ولا مخاطِب من غير أن تكون له وظيفة “المدّعي” ولا مخاطَب من غير أن تكون له وظيفة “المُعترِض”)11. فالحجاج يأخذ عند طه عبد الرحمن نفس الأبعاد الدلالية للاستدلال، وبيان ذلك استناده على القراءة المعجمية ، إذ يرى أن الحجاج يأخذ معنى”القصد” ومعنى”الاستدلال” معا، وهو بالذات الفعل: “حجّ” الذي يفيد “قصد”، في قولنا “حج البيت الحرام” كما يفيد “غلبه بالحجة”، في قولنا: “حاجه، فحجّه”12. وفي اللسان: أصل الحج القصد للزيارة، والحجة: الدلالة المبينة للمحجة، أي: المقصد المستقيم الذي يقتضي صحة أحد النقيضين. قال تعالى:﴿ قل فلله الحجة البالغة﴾ الأنعام/149، وقال:﴿لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا﴾ البقرة/150، فجعل ما يحتج بها الذين ظلموا مستثنى من الحجة وإن لم يكن حجة. ويجوز أنه سمى ما يحتجون به حجة، كقوله تعالى: ﴿والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم﴾ الشورى/16، فسمى الداحضة حجة، وقوله تعالى:﴿لا حجة بيننا وبينكم﴾الشورى/15، أي: لا احتجاج لظهور البيان، والمحاجة:أن يطلب كل واحد أن يرد الآخر عن حجته ومحجته، قال تعالى: ﴿وحاجة قومه قال: أتحاجوني في الله﴾الأنعام/80، وقال:﴿فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك﴾آل عمران/61 وقال تعالى:﴿لم تحاجون في إبراهيم﴾ آل عمران/65، وقال تعالى:﴿ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم﴾آل عمران/66.13
ثانيا:يرى طه أن الكلام والخطاب والحِجاج، أسماء مختلفة لمسمى واحد، هو”الحقيقة النطقية الإنسانية” مرتكزا في ذلك على قول الجويني في كتابه “الكافية في الجدل، ص32″:(فالكلام والخطاب والتكلّم والتخاطب والنّطق واحد في حقيقة اللّغة، وهو ما به يصير الحيّ متكلّما)14. ولقد لاحظ طه عبد الرحمن أن الحِجاج يدلّ على العلاقة المجازية، من حيث إن المجاز هو الأصل في الحجاج، فالذي يحدّد ماهية الحِجاج إنما هو العلاقة المجازية، وليس العلاقة الاستدلالية وحدها. وحتىّ وإن تضمّن الحِجاج علاقة استدلالية، فينبغي إرجاعها إلى العلاقة المجازية. فالباحث إذن، يقرن بين الحِجاج وبين المجاز، ومسوغ ذلك، أننا نلفيه في موضع آخر، يجعل حدّ المجاز الحدّ نفسه الذي كان اصطنعه للحجاج قبل ذلك:(إذ حدّ المجاز أنه كلّ منطوق به موجّه إلى الغير لإفهامه دعوى مخصوصة يحقّ له الاعتراض عليها بحسب القيمة التي تحملها)15. وانطلاقا من هاهنا يستيقن الناظر، أن العلاقة المجازية هي الأصل في الحجاج، وهي الفيصل في ضعف الحجج أو في منحها القوة التي تدعم موقف المرسل لتحقيق الإقناع. والمجاز هنا ليس بمفهوم الانزياح اللغوي فقط، بل بمفهومه التناسبيّ، فالعلاقة التي يقيمها المرسل بين الحجة والدعوى أو النتيجة ليست أصلية أو حقيقية، بل هي علاقة يقيمها المرسل في خطابه على النحو الذي يراه الأنسب أو الأنجع لتحقيق مراده16.
ويؤكد طه على أن نموذج العلاقة المجازية ينبني في حدّ ذاته على علاقتين، هما: أ- العلاقة الاستعارية. ب- قياس التّمثيل.غير أنّ العلاقة الاستعارية هي أدلّ ضروب المجاز على ماهية الحِجاج17.
ثالثا: الحِجاج:(فعالية تداولية جدلية، فهو تداولي لأن طابعه الفكري مقامي واجتماعي، إذ يأخذ بعين الاعتبار مقتضيات الحال من معارف مشتركة ومطالب إخبارية وتوجهات ظرفية، ويهدف إلى الاشتراك جماعيا في إنشاء موجّها بقدر الحاجة ، وهو أيضا جـدلي لأن هدفه إقناعي قائم بلوغه على التزام صور استدلالية أوسع وأغنى من البنيات البرهانية الضيقة)18.
رابعا: وأمّا الحدّ الرابع، فهو منوط بالحجاج الفلسفي التّداولي الذي صورته “المناظرة”، وهو:(فعالية استدلالية خطابية مبناها على عرض رأي أو الاعتراض عليه، ومرماها إقناع الغير بصواب الرأي المعروض أو ببطلان الرأي المعتَرض عليه استنادا إلى مواضعات “البحث عن الحقيقة الفلسفية”)19.

٢- أصناف الحِجاج:
يرى طه أن جوهر الخطاب يقوم على العلاقة الاستدلالية، وليست ثمة علاقة استدلالية إلاّ بتحصيل قصدين اثنين هما: “قصد الادعاء” و “قصد الاعتراض” ، غير أن هذين القصدين قد يردان على مقتضى التجريد أو التفريق أو الجمع، ممّا يجعل العلاقة الاستدلالية على أصناف ثلاثة، بعضها فوق بعض، وهي: أ- الحِجاج التجريدي. ب- الحِجاج التوجيهي. جـ- الحِجاج التقويمي.
أ- الحِجاج التجريدي:
وهو(الإتيان بالدّليل على الدعوى على طريقة أهل البرهان، عِلمًا بأن البرهان هو الاستدلال الذي يُعنى بترتّب صور العبارات بعضها على بعض بصرف النظر عن مضامينها واستعمالاتها)20. أو هو الاستدلال الذي يتعاطى فيه المحتج تقليد البرهان الصناعي21.
ب- الحِجاج التوجيهي:
ويفوق النوع الأول رتبة، وهو(إقامة الدليل على الدعوى بالبناء على فعل التوجيه الذي يختص به المستدل، عِلمًا بأن التوجيه هو هنا فعل إيصال المستدل لحجته إلى غيره؛ فقد ينشغل المستدل بأقواله من حيث إلقاؤه لها ولا ينشغل بنفس المقدار بتلقي المُخَاطَبِ لها ورد فعله عليها، فتجده يولي أقصى عنايته إلى قصوده وأفعاله المصاحبة لأقواله الخاصة، غير أن قصر اهتمامه على هذه القصود والأفعال الذاتية يفضي به إلى تناسي الجانب العلاقي من الاستدلال، هذا الجانب الذي يصله بالمخاطب ويجعل هذا الأخير متمتعا بحق الاعتراض)22. أو هو الاستدلال الذي يقتصر فيه المحتجّ على اعتبار وجهة المدّعي وحدها23.
جـ – الحِجاج التقويمي:
وهو أعلى النوعين السابقين، ويقصد به(إثبات الدعوى بالاستناد إلى قدرة المستدل على أن يجرد من نفسه ذاتا ثانية يُنزلها منزلة المعترض على دعواه؛ فها هنا لا يكتفي المستدل بالنظر في فعل إلقاء الحجة إلى المخاطَب، واقفا عند حدود ما يوجب عليه من ضوابط وما يقتضيه من شرائط، بل يتعدى ذلك إلى النظر في فعل التلقي باعتباره هو نفسه أول متلق لما يلقي، فيبني أدلته أيضا على مقتضى ما يتعين على المُستدَل له أن يقوم به، مستبقا استفساراته واعتراضاته ومستحضرا مختلف الأجوبة عليها ومستكشفا إمكانات تقبلها واقتناع المخاطب بها)24. أو هو(الاستدلال الذي يأخذ فيه المحتج بوجهة المعترض، فضلا عن وجهته الخاصة بوصفه مدعيا)25.
على أن أنواع الحجاج ومراتبها لا تقتصر على هذا القدر، بل تجاوزه إلى تضمّن النوع الواحد رتبا فرعية؛ ويمكن أجمـالها في مراتـب حجـاجية ثلاث كبرى، هي26:
1- الحجـة المسـاوية.
2- الحجة العليا،
3- الحجة الدنيا.
٣–أنواع الحُجـج:
يذهب طه عبد الرحمن إلى أنه غالبا ما يستخدم لفظ “الحجة ” مرادفا لـ”الدليل”عند البعض،
بيد أنّه غلب على البعض الآخر على الآخر استعماله بمعنى أخص، ويورد وجهين تختص بهما الحجة من دون دليل:
أ‌- إفادة الرجوع أو القصد
ب- إفادة الغلبة.
وانطلاقا من أن الحجة تعني الدليل الذي يقصد العمل به، ولتحصيل الغلبة على الخصم، مع نصرة الحق أو نصرة الشبهة، فإن الدّليل يكون أعمّ من الحجة، إذ لا يقصد العمل به فحسب، بل قد يوضع لمجرد النظر فيه، كما لا يُؤتى به في موطن الرد عل الخصم فقط27.
على أننا نجد بعض الدّارسين العرب يطلقون على لفظ”الحجة” تسميات أخرى مثل”الدّليل” و”الاستدلال”، و”البرهان”، إلاّ أن هذا التّسميات هي من باب التجوّز أو التوسّع، إذ بينها فروق.
ثمّـة حُجج ثلاث يوردها طه عبد الرحمن، ناتجة عن أصناف الحِجاج، وهي:
1- الحُجّة المجرّدة، أو الحُجّة التّجريدية: وهي بناء استدلالي مستقل بنفسه. وليست إلاّ مظهرا فقيرا من مظاهر الاستدلال في الخطاب الطبيعي أو رتبة دنيا من مراتب هذا الاستدلال. على أن الاستناد إليها لا يقع إلاّ عند إرادة تقليد الأمر الصّناعي، وتنبني أصلا على اعتبار الصورة وإلغاء المضمون والمقام28.
2- الحُجّة المُوجَّهة أو الحجة التوجيهية، وهي فعل استدلالي يأتي به المتكلم. وإن تعدّت الحجة المجردة بفضل اعتبارها لمقام المدّعي، قصدا وفعلا، فإنها لا ترقى إلى مستوى الوفاء بموجبات الاستدلال في الخطاب الطبيعي، إذ تنبني أصلا على اعتبار فعل المُخاطِب، وإلغاء رد فعل المُخاطَّب29.
3- الحُجة التقويمية أو الحُجّة المُقَوَّمة:وهي فعل استدلالي يأتي به المتكلّم بغرض إفادة المستمع مع نهوض المستمع بتقويم هذا الفعل.وتقوم بما ينطوي عليه الاستدلال في الخطاب الطبيعي من أسباب الثراء والاتساع؛إذ تنبني أصلا على اعتبار فعل الإلقاء وفعل التلقي معا30.
٤– النماذج التواصلية للحُجة:
يحدّد طه عبد الرحمن النماذج التواصلية بناء على أن كلّ حجاج تواصل، فيقف على ثلاثة نماذج تواصلية للحجة، هي31:
1- النموذج الوصلي للحجة: تكون فيه الوظيفة التواصلية للحجة وظيفة وصل، إذ يعامل الحجة معاملة البناء الاستدلالي المستقل الذي تكون عناصره موصولة وصلا تاما.
2- النموذج الإيصالي للحجة: تكون في الوظيفة التواصلية للحجة وظيفة إيصال، لأنه يجعل من الحجة فعلا استدلاليا يتوجه به المتكلم إلى المستمع.
3- النموذج الاتصالي للحجة: تكون فيه الوظيفة التواصلية للحجة وظيفة اتصال، إذ ينظر في الحجة بوصفها فعلا مشتركا بين المتكلم والمستمع، جامعا بين توجيه الأول وتقويم الثاني.
ولعلّ المتلقي يلاحظ من خلال هذه النماذج التواصلية الثلاثة للحجة أن طه عبد الرحمن يُفرّق بين “الوصل” وهو نقل الخبر، ويفيد المصطلح معنى الجمع بين طرفين بواسطة أمر مخصوص، والوصل لا يكون إلاّ بـ”واصل” والواصل هو بالذّات الخبر. و”الإيصال” وهو نقل الخبر مع اعتبار مصدر الخبر الذي هو المتكلم. وبين “الاتّصال” وهو نقل الخبر مع اعتبار مصدر الخبر الذي هو المتكلم واعتبار مقصده الذي هو المستمع معا.
٥– مراتب الحِجـاج:
تعتبر مسألة”المراتب”أو”المدارج” ظاهرة لغوية طبيعية استأثر بها الدارسون اختلاف تخصصاتهم مع انبعاث الكشوفات الألسنية ومباحث فلسفة اللغة؛ حيث اشتغل به الألسني والمنطقي والرياضياتي والمتفلسف والصوفي، ومن أشهرهم: الألسني والإناسي الأمريكي إدوارد سابير Edward sapir، ومواطنه الفيلسوف تشارلز كاتون Charles E. Caton، ومواطنه اللساني الأمريكي لورانس هورن
Lawrence Horon. والألسونيون الفرنسيون أوزفالد ديكرو Oswald Ducrot وجان كلود أنسكومبر Jean Claude Anscombr وجيل فوكونيي Gilles Fauconnier32.
ولقد قسّم هؤلاء الباحثين المراتب الحِجاجية إلى ثلاث:
أ- المراتب المتضادة: فقد تكون الألفاظ دالة على معان يمكن ترتيبها بين طرفين متباينين؛ ومثال ذلك: جملة الألفاظ المرتبة الآتية: (الرمضاء، الحرّ، الدفء، الفتور، البرد، القَرَس) فهذه الجملة تتضمن اللفظين: “الرمضاء” و”القرس” الذين هما بمنزلة طرفين أعلى وأسفل متباينين بينهما مراتب أربع.
ب- المراتب الموجّهة توجيها كمّيا: ونلفي هذا الضرب من المراتب في الألفاظ الدالة على معان تقبل التدرج في اتجاه واحد، إما على مقتضى التزايد أو على مقتضى التناقص؛ ومثـال ذلك : أسماء معايير
الوزن الآتية: (درهم، مثقال، أوقية، رطل) المرتبة على سبيل الزيادة في الوزن أو (رطل، أوقية، مثقال، درهم) المرتبة على سبيل النقص منه.
جـ – المراتب الموجهة توجيها قصديا: قد تدخل المراتب، لا على الألفاظ وحدها، بل كذلك على الجمل، فيكون قصد المتكلم عاملا في تحديد اتجاه المراتب التي تنزلها هذه الجمل؛ مثال ذلك، أن يقصدالمتكلم التوقف عن العمل متى شَعُر بالملل وبالأولى متى غلب عليه النوم؛ فالقولان: “شَعُر المتكلم بالملل” و”غلب على المتكلم النوم”، هما بمثابة مرتبتين متفاوتتين بينهما بموجب القصد الذي للمتكلم في التوقف عن العمل33.
٦– السلم الحجاجي:
هو عبارة عن مجموعة غير فارغة من القوال مزودة بعلاقة ترتيبية وموفّية بالشرطيين التاليين:
أ‌- كل قول يقع في مرتبة ما من السُلم يلزم عنه ما يقع تحته، بحيث تلزم عن القول الموجود في الطرف الأعلى جميع الأقوال التي دونه.
ب‌-كل قول كان في السُلم دليلا على مدلول معين، كان ما يعلوه مرتبة دليلا أقوى عليه.
قوانين السُّلم الحجاجي:
1- قانون الخفض: مقتضى هذا القانون أنه إذا صدق القول في مراتب معينة من السلم، فإن نقيضه يصدق في المراتب التي تقع تحتها.
2- قانون تبديل السلم: مقتضى هذا القانون الثاني أنه إذا كان القول دليلا على مدلول معين؛ فإن نقيض هذا القول دليل على نقيض مدلوله.
3- قانون القلب: مقتضى هذا القانون الثالث أنه إذا كان أحد القولين أقوى من الآخر في التدليل على مدلول معين، فإنه نقيض الثاني أقوى من نقيض الأول في التدليل على نقيض المدلول34.
الإحالات:
([1])- ينظر:عبد الهادي بن ظافر الشهري،استراتيجيات الخطاب،مقاربة لغوية تداولية،ط1،دار الكتاب الجديد المتحدة،بيروت، 2004، ص444.
(2)- هو استعطاف المستمع والتأثير فيه بحال الخطيب أو بقضيته.
(3)- ينظر: هنريش بليث، البلاغة والأسلوبية: نحو نموذج سيميائي لتحليل النص، تر: محمد العمري، أفريقيا الشرق، المغرب، ص26.
(4)- طه عبد الرحمن:في أصول الحوار وتجديد علم الكلام، ط2، المركز الثقافي العربي، بيروت/الدار البيضاء، 2000، ص38.
(5)- ينظر: طه عبد الرحمن، اللسان والميزان أو التكوثر العقلي، ط1، المركز الثقافي العربي، بيروت/الدار البيضاء، 1998، ص213.
(6)- عبد الهادي بن ظافر الشهري، استراتيجيات الخطاب، مقاربة لغوية تداولية، ص446.
(7)- نفسه، ص451،نقلا عن:النقاري حم،حول التقنين الأرسطي لطرق الإقناع ومسالكه، مفهوم “الموضع” مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية بفاس، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، ع9، 1987، ص87- 115.
(8)- طه عبد الرحمن، في أصول الحوار وتجديد علم الكلام، ص66.
(9)- محمد سالم ولد محمد الأمين، مفهوم الحجاج عند بيرلمان وتطوره في البلاغة المعاصرة، عالم الفكر،الكويت، مج28، ع3، يناير/مارس، 2000، ص67.
(10)- طه عبد الرحمن، اللسان والميزان أو التكوثر العقلي، ص226.
(11)- نفسه، الصفحة نفسها.
(12)- م.س، ص226.
(13)- ابن منظور، اللسان، مادة (حج).
(14)- م. س، ص235.
(15)- م.س، ص231.
(16)- ينظر:عبد الهادي بن ظافر الشهري،استراتيجيات الخطاب،مقاربة لغوية تداولية، ص460- 461.
(17)- نفسه، ص232- 233.
(18)- في أصول الحوار وتجديد علم الكلام، ص65.
(19) – م. س، ص66 .
(20)- اللسان والميزان أو التكوثر العقلي، ص226.
(21)- نفسه، ص228.
(22)– م.س، ص227.
(23)- نفسه، ص228.
(24)- نفسه، الصفحة نفسها.
(25)- نفسه، ص229.
(26)- نفسه، الصفحة نفسها.
(27)- م.س، ص، 137.
(28)- نفسه،ص226.
(29)- م.س، ص228.
(30)- نفسه، ص228- 254.
(31)- نفسه، ص255- 256.
(32)- م.س، ص273- 274.
(33)- م.س، ص274- 275.
(34)- م.س، ص277-278.

المصدر: موقع جامعة مستغانم الجزائرية، على الرابط الإكتروني التالي:

http://attanafous.univ-mosta.dz/