dr taha
دراسات عن طه

الحق في الإختلاف الفلسفي: معركة فيلسوف في زمن التقليد والتبعية

السبت 5 يوليو 2014

محمد عدي
يعتبر الدكتور طه عبد الرحمن من الشخصيات الفكرية التي ارتبط اسمها بلقب الفيلسوف، وليس مجرد تلقيب تتلفظ به الأفواه عبثا، ولكن الأعمال العلمية لهذا القامة الفكرية تستحق أن تترقى بحق إلى مرتبة التفلسف، وقد تلقى طه عبد الرحمن دراسته الإبتدائية بمدينة الجديدة، ودرس بجامعة محمد الخامس بمدينة الرباط حيث حصل على الإجازة في الفلسفة واستكمل دراسته بجامعة السوربون، إلى أن حصل منها على دكتوراه الدولة عام 1985 عن أطروحته رسالة في الإستدلال الحجاجي والطبيعي ونماذجه، واشتغل بعدها بتدريس المنطق وفلسفة اللغة بجامعة محمد الخامس بالرباط، وله أعمال فلسفية كثيرة منها : اللغة والفلسفة، وكتاب المنطق النحوي والصوري، وكتاب أصول الحوار وتجديد علم الكلام، وتجديد المنهج في تقويم التراث، وكتاب الحق العربي في الإختلاف الفلسفي وغيرها من المؤلفات التي تشكل ركيزة مشروعه الفلسفي التجديدي.

نظرات سريعة على الفلسفة الطاهائية:
تقوم الفلسفة الطاهائية على ثلاثة أركان أساسية، الأخلاقية (1)، والعقلانية (2)، والحوارية (3)، كما يؤكد الدكتور طه على أهمية الإختلاف والإستقلال الفلسفي القائمين على النقد والتقويم، هذه الشروط التي لا بد منها من أجل تفلسف مبدع يرقى بصاحبه إلى مرتبة التجديد، تلك المرتبة التي توهم الكثيرون في نظره أنهم بالغوها، لكن الحق أنهم مجرد مقلدة، ربما كانوا يبدعون، ولكنهم يبدعون في التقليد. (4)
لقد جاء فيلسوف الأخلاق في زمن النكوص والتقليد، زمن تنقلب في الموازين، حيث يعد المقلد تقدميا، والمجدد رجعيا، وصارت الفلسفة بضعا من العلوم التي تجتر وتحفظ، وكاد الفعل الفلسفي الأصيل المنطلق من ذات الفيلسوف يكون أسطورة من الأساطير، فما كان من طه إلا أن أعلنها حربا على التقليد والتبعية، فغاص بكليته في التراث فغرف من آلياته فقوم منها ما كان بحاجة إلى التقويم، واعترف بفضل ما لم يكن في حاجة لتقويمه، فكان ندا للمقلدة بصنفيهما، مقلدة المتقدمين ومقلدة المتأخرين، (5) فوضع الأصبع على الجرح، وحدد مكامن الخلل.
لست أود في هذه السطور المتواضعة أن أغوص في هذا المشروع الضخم بما لا أقدر وما لا أطيق، ولكن حسبي بما قد أشرت له في العنوان، وهو دعوى طه عبد الرحمن في الحق في الإختلاف الفلسفي، وذلك من خلال كتابه “الحق العربي في الإختلاف الفلسفي”، وقد قررت أن تكون هذه الدراسة على أجزاء، حيث سأحاول في كل جزء أن أشير إلى أهم الأفكار التي انطلق منها طه لمساندة دعواه، وساقتصر في هذا الجزء بعد تطرقي إلى موجز من سيرة الفيلسوف على مسألة السؤال الفلسفي وأطواره من خلال الكتاب المذكور.

أطوار السؤال الفلسفي والطور الثالث:
لم ترتبط الفلسفة بشيئ بقدر ارتباطها بممارسة السؤال، (6) وقد عرف أرسطو السؤال الفلسفي بأنه دهشة الإنسان من الظواهر التي تحيط به، ولم يكن السؤال الفلسفي شكلا واحدا بل كان أشكالا عدة، ومن أبرز أطوار هذه الأشكال، السؤال القديم الذي اختص به الطور اليوناني، والسؤال الحديث الذي تميزت به الفلسفة الأروبية، ويتميز السؤال اليوناني على حد تعبير طه، بالفحص، ومقتضاه أن يقدم السائل على اختبار ما يلقيه إليه محاوره من دعوى، عن طريق طرح أسئلة يجد المحاور في الإجابة عنها إبطالا لدعواه، وكان سقراط من أبراز فلاسفة اليونان المتميزين بهذا الطور من السؤال ، أما السؤال الفلسفي الأوروبي الحديث، فكان عبارة عن نقد، حيث “لا يسلم الناظر بأي قضية حتى يقلبها على وجوهها المختلفة” متحققا من صدقها متوسلا بمعايير العقل وحدها، والفرق بين الفحص والنقد أن الأول يعتمد على الحوار لإفحام المخاطب، والنقد “يوجب النظر في المعرفة مع الوقوف على حدود العقل”، وتمثل فلسفة “كانط” خير مثال على هذا النوع من النقد. (7)
وبعد استعراض طه عبد الرحمن لأطوار السؤال الفلسفي في أهم طوريه القديم والحديث، يقرر ضرورة تجاوز طور النقد كما تم تجاوز طور الفحص، وعلى حد تعبيره فقد آن الأوان إلى طور ثالث من السؤال الفلسفي، سؤال يتخذ “شكلا جديدا يناسب ما يلوح في الأفق من مآلات الحداثة، وهو ما سماه “بالسؤال المسؤول”، (8) الطور الثالث من أشكال السؤال الفلسفي بعد النقد والفحص، والسؤال المسؤول يتجاوز الفحص عند سقراط والنقد عند كانط من حيث أنه “يسأل عن وضعه كسؤال بقدر ما يسأل عن موضوعه، أي يفحص وينتقد وضعه وموضوعه في آن كواحد، ومقتضى هذا السؤال أن الفيلسوف يكون “مسؤولا”، وهذه العبارة الأخيرة كما أشار طه تحتمل وجهين، أولهما أن الفيلسوف إنما يجيب كونه يتلقى أسئلة يجب الإجابة عنها، أي أنه “لا يملك زمام السؤال”، والوجه الثاني هو المسؤولية الملقاة على عاتقه كفيلسوف، فهو “مسؤول عن أفعاله جليلها ودقيقها، فيكون بذلك مسؤولا قبل أن يكون سائلا، ومعرضا للنقد قبل كونه ناقدا. فالفيلسوف هنا يرتقي بالفلسفة إلى مستواها الاخلاقي، ليكون إذ ذاك سائلا ومسؤولا. (9)

مفهوم “الفكر الواحد” ومفهوم “الفكر الواقع”:
لقد تقرر عند طه وفقا للسؤال المسؤول أن الفيلسوف لا يخوض في أي سؤال متفق مع هواه أو مقلد فيه لغيره، وإنما يسأل بقدر حاجة السؤال للجواب عنه، وفي اعتقاد فيلسوفنا فليس من أمر في وضع أمتنا في حاجة إلى اسنشكال بقدر حاجة هذين المفهومين له، أقصد مفهوم الفكر الواحد ومفهوم الفكر الواقع، لما لهما من أضرار جسيمة على القول الفلسفي العربي.
والمقصود بالفكر الواحد هو تلك التسوية الثقافية الناتجة عن نمط فكري واحد يحاول التسلط على جميع الثقافات، فيفرض نفسه عليها لا من باب التداخل لتشكيل تنوع ثقافي، بل من باب “ثقافة الأقوى”، إنه ما يصطلح عليه “بالتنميط الثقافي”، والأدهى ان هذا التنميط لا يفرض “بقوة البرهان” وإنما “بقوة السلطان”، الذي يجعل الثقافات الأخرى ثقافات هامشية تابعة للمركز الأقوى، وما تلبث هذه الثقافات إلى أن تتلاشى.
ومن باب المسؤولية التي رأينا أنها أحد أوجه “السؤال المسؤول”، فإن من مسؤوليات الفيلسوف العربي هي أن “يشتغل بنقد الفكر الواحد”، الذي صار تحصيل حاصل في الممارسة الفلسفية العربية، مما أدى فقدان التميز والخصوصية، وبالتالي انعدام الإبداع والعطاء، فعلى حد تعبير طع عبد الرحمن، “لا عطاء بغير تميز، ولا إبداع بغير خصوصية”، من حيث إن الفكر الواحد مخل بشروط التفلسف من جانين أساسيين، أولهما أن هذا انعدام المسؤولية التي تتحدد بها الفلسفة، وذلك لانعدام الخيار عند أهل الفكر الواحد، لأن انتاجهم إنما هو نتيجة ضغوط لا حول لهم معها ولا قوة، وثاني هذه الجوانب، أن الفكر الواحد يفضي إلى نقيض المقصود، من حيث أنه يسعى إلى جمع العقول على نمط فكري واحد، فينعدم فيه النقد والإعتراض، إذ ذاك يكون منعدم الآفاق، ومعلوم أنه لا تفلسف بغير نقد وآفاق مستقبلية. (10)
وأما المقصود بالأمر الواقع، فهو ذلك التنميط السياسي، الذي يحاول فرض رؤية سياسية واحدة، تجعل من الواقع أمرا محتوما يجب الإذعان له، ومعلوم أن الفلسفة لا تعترف بالقيود، فكما رأينا وجوب تحررها من القيود الثقافية الاحدية، فمن الللازم لها أن تتحرر من القيود السياسية الاحدية، ومقولة الأمر الواقع كما أكد طه تخل بشرط التفلسف من وجهين، أولها أن الأمر الواقع يضاد مبدأ الإعتراض والنقد الذي تقوم عليه الفلسفة، وثانيهما، أنه يخالف مبدأ الحق الذي تنادي إليه الفلسفة. (11)
إن اشتغال الفيلسوف العربي الإسلامي بنقد “الفكر الواحد” ونقد “الأمر الواقع”، هو بحد ذاته انتزاع لحقه في الإختلاف الفلسفي، من حيث رفضه لنمط ثقافي واحد، وهذا يفتح أمامه حفظ الخصوصية الثقافية، التي هي منبع العطاء الفلسفي وتميزه، كما أن رفضه لمبدإ “الأمر الواقع” يمكنه من التحرر من القيود السياسية التي شرها أهون القيود الثقافية، إذ تمنع من النقد، ومعلوم ان الاصل في الفلسفة الإعتراض، وكما جاز للمشتغلين بالفلسفة في التداول الفلسفي الغربي أن يختلفوا داخل مجال تداولي واحد، فنحن احق منهم بهذا الإختلاف من حيث خصوصياتنا الثقافية والسياسية التي من شأنها أن تمكننا من قطع الصلة بهذا النموذج الفلسفي وإنشاء نموذج يضاهيه. (12)
إذن فطه عبد الرحمن ينطلق من واقعية الإختلاف الداخلي الفلسفي إلى إمكانية الإختلاف الخارجي الفلسفي بل وضرورته ، كما أنه ينطلق من واقعية الإختلاف الثقافي كحق ثابت لكل الأمم، إلى إمكانية اختلاف فلسفي كحق يجب انتزاعه بل وضرورة ذلك، وكل ذلك من أجل فلسفة عربية إسلامية مبدعة.
وإلى هذا الحد نقف في سبر أغوار مشروع “الحق في الإختلاف الفلسفي”، مقتصرين على ما وعدنا بالإلتزام به في هذا الجزء من الدراسة، مع العلم أن كل ما ذكرنا ما هو إلا مقدمة لمعركة الحق العربي في الإختلاف الفلسفي، التي انطلق الفيلسوف طه عبد الرحمن إلى خوضها غمارها في زمن تم التسليم فيه بالفكر الواحد والأمر الواقع، ونترك التطرق لاعتراضاته على دعوى كونية الفلسفة ودعوى الفلسفة الخالصة إلى الجزء الثاني من هذه الدراسة.

مراجع:
1 ـ في كتابه : “سؤال الأخلاق” مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى 2000، الدار البيضاء
كما أن طه يعتبر ما أسماه “السؤال المسؤول” هو الشكل الأخلاقي للفلسفة، كما سنرى في الفقرات القادمة.
2 ـ في كتابه : “العمل الديني وتجديد العقل”، طه عبد الرحمن، المركز القافي العربي، الطبعة الرابعة، 2009، الدار البيضاء
حيث اعتبر العقلانية مراتب أدناها العقل المجرد، وأعلاها العقل الوؤيد، كما اعتبر العقل من الفعالات لا جوهرا كما هو سائد.
3 ـ في كتابه أصول الحوار وتجديد علم الكلام، طه عبد الرحمن، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثانية 2000، الدار البيضاء
حيث اعتبر الحواية مراتب ادناهما الحوار أو النظرية العرضية، وأعلاهما التحاور أو النظرية التعارضية في منطق الحوارية.
4 ـ الحوار أفقا للفكر، طه عبد الرحمن، الصفحة 67، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، الطبعة الأولى 2013، بيروت
وقد كان انتقاده شديدا بالخصوص لابن رشد في شروحاته على أرسطو، وللجابري في مسألة الرشدية، باعتبارها منهجا ومدرسة في علاقة الفلسفة بالدين.. واعتبر طه عبد الرحمن ابن رشد مقلدا لأرسطوا، فقد قدم الفلسفة الأرسطية للعالم الغربي خالية من كل شائبة اسلامية وابن رشد بهذا الإعتبار فيلسوف غربي بلسان عربي، لذلك يكون أمات الفلسفة بالنسبة إلينا، وأحياها بالنسبة لغيرنا.
5 ـ روح الحداثة، طه عبد الرحمن، الصفحة 11 و 12، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثانية 2009، الدار البيضاء المغرب.
6 ـ فقه الفلسفة، طه عبد الرحمن، الجزء الأول، الصفحة 11، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثالثة 2008، الدار البيضاء المغرب.
7 ـ الحق العربي في الإختلاف الفلسفي، طه عبد الرحمن، الصفحة 13 – 14 ، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثانية 2009، الدار البيضاء.
8 ـ نفس المصدر الصفحة 14.
9 ـ الحق العربي في الإختلاف الفلسفي، طه عبد الرحمن، الصفحة 15، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثانية 2009، الدار البيضاء المغرب.
10 ـ المصدر السابق الصفحة 17.
11 ـ نفسه الصفحة 18.
12 ـ نفسه الصفحة 21.