dr taha
مقالات عن طه

التأسيس الفكري في كتاب «روح الدين» لطه عبدالرحمن

الإثنين 13 يناير 2014

ينتقد طه عبدالرحمن المقولات العلمانية بشدة، وينتقد أيضا أطروحات (تسييس الدين) و(الإسلام السياسي) و(الحاكمية) وغيرها من الأطروحات الإسلامية المعاصرة، ويؤسس لفكرة الائتمانية، لكنه لا يبين تصوره التفصيلي للدين، وهو ما يوقع القارئ في حيرة حول ماهية الدين الذي يعنيه، ومدى موافقته أو مفارقته للتصور الديني السائد

 

اقتنيت كتاب (روح الدين) للدكتور طه عبدالرحمن فور صدوره قبل سنتين تقريبا، وأجلت قراءته لطول قائمة الكتب المنتظرة، وخلال السنة الماضية سمعت ثناء عطرا وباذخا عليه، ودائما أخاف من قراءة الكتب بتوقعات عالية.
فالثناء كما الذم سلطة على عقولنا، ونحن حين نقرأ نختبر هذه الفرضيات السابقة، وفي كثير من الأحيان ننشغل بها أكثر من اللازم.
طه عبدالرحمن فيلسوف إسلامي، صدرت له مؤلفات عدة، لغته تتسم بالدقة وربما الصعوبة على غير القارئ المتخصص، ويعوّل عليه كثيرا في إيجاد فلسفة إسلامية معاصرة، وقد تتفق معه أو تختلف، لكنك تحترم قامته العلمية حين تواجه نصوصه.
لغة طه عبدالرحمن راقية وجمالية، بقدر ما يبدو عليها من صعوبة، وليست عندي مشكلة في اللغة التي تفرضها طبيعة الأفكار.
فكثير من الفلسفات بحاجة إلى لغة تعتمد على ضبط المصطلحات، كذلك قد تفرض الأفكار المركبة أسلوبا لا يتميز بالسلاسة، كأي كتاب متخصص في أي علم من العلوم.
مشكلتي دائما مع تعمد التعقيد، ولكل كاتب وجهته، لكن (روح الدين) أظنه جاء بلغة مناسبة لعمق فكرته.
أستطيع أن أصف (روح الدين) بأنه نص تأسيسي، فالعبارات قوية وواضحة، وهو واثق تماما من نسقه، ويحاصر الفكرة من كل الجهات، كأنها حصيلة نقاشات طويلة جدا، ويتوسل بوسائل متعددة ومختلفة للوصول إلى ما يريده سواء بالتدرج، أو بنحت المصطلحات، أو بمناقشة الآخرين الذين قد يكونون صنفا أو شخصا.
طه عبدالرحمن في كتابه كأنه يدشن لمرحلة جديدة، قد تكون مرحلة ما بعد الحداثة.
إنه يبحث عن الدين هناك في المستقبل أكثر من بحثه عنه هنا، لذلك لم يشتغل بمناقشة أفكار الحداثة، بقدر اشتغاله بالأفكار المعاصرة جدا له.
طه عبدالرحمن حريص على تأسيس معجم فلسفي عربي، لذلك هو ينحت المصطلحات ويبين حدها، وفي النقاشات يذكر دعوى كل فريق، ثم يطلق اسما عليهم غير الاسم المعهود، ثم يكمل معتمدا على هذا الاسم الجديد، وملاحظتي هنا أنها تمنع القارئ من إقامة حوار مع النص.
فالقارئ يسترسل مع المؤلف، وحين يضع المصطلح يكون قد أنشأ له ملفا في العقل، هذا الملف مغلق لا يُمس، بل يستجيب القارئ هنا للغرض التأسيسي. فعلى القارئ -إن أراد أن يبقي على مسافة مع النص وأن يقيم حوارا معه وأن يسائله بشكل مستمر- أن يبذل جهدا أكبر من المعتاد.
حرص طه عبدالرحمن على أن يكون كتابه نموذجا يُحتذى، فهو يبني نسقه بحرفية عالية، سواء اتفقت معه أم لا، وهو يحافظ على مستوى الكليات في حديثه دون الدخول في التفصيلات.
فتفصيلات الدين الذي يتحدث عنه غير مبيّنة في الكتاب، ولا تفصيل التزكية التي يدعو إليها، وهو ليس نسقا فقط، بل نسقا يُهتدى به، وأعني هنا أنك قد تجد فرقاء يهتدون بنسقه، وهو ما لاحظته من الاختلاف الفكري بين المعجبين به، وهي براعة -بلا شك- لكنها لا تخلو من سلبيات أيضا.
فهذا النوع من النصوص يكون محل اختلاف من المؤوّلين، وسنجد بعد فترة ربما ليست بعيدة خلافا حول ما الذي كان يعنيه هذا الفيلسوف.
ينتقد طه عبدالرحمن المقولات العلمانية بشدة، وينتقد أيضا أطروحات (تسييس الدين) و(الإسلام السياسي) و(الحاكمية) وغيرها من الأطروحات الإسلامية المعاصرة، ويؤسس لفكرة الائتمانية، لكنه لا يبين تصوره التفصيلي للدين، وهو ما يوقع القارئ في حيرة حول ماهية الدين الذي يعنيه، ومدى موافقته أو مفارقته للتصور الديني السائد.
طه عبدالرحمن يرى أن الممارسة الدينية ليست رتبة واحدة، وهي مبنية على المعرفة، والناس يختلفون في أذواقهم دقة وعمقا.
فالمستويات الدلالية والآفاق التأويلية التي تُفتح لكل قارئ تختلف حسب رتبته التعبدية، وما أعتقده أنه يتمثل هذه المقولة.
فهذا الكتاب وهذا النسق وهذه المعرفة الدينية مبنية على تجربة روحية طويلة وعميقة وسلوك نحو الصراط المستقيم خاص به، وهذا مدح وليس ذما. فالمعرفة التي يتمثلها الكاتب ليست كغيرها، لكن ما يجب الانتباه له هنا هو أن النصوص التأسيسية بالعموم تبتعد عن كشف تحيزات كاتبها الشخصية. صحيح أنه قد كشف تحيزاته الفكرية، وليس هذا ما أعنيه، بل أعني التحيزات القائمة على بناء على الثقافة التي عاش فيها، والظروف والخبرة التي كونت له فرادته وبصمته الشخصية.
ليست هذه ملاحظة أبديها أمام طه عبدالرحمن وحده، بل هي فكرة تشغلني دائما، وأعتقد أن فكرة السير الذاتية الممزوجة بفلسفاتنا الشخصية، من شأنها أن تكشف الجانب الشخصي في كل نظرياتنا في الحياة.
فبدلا من التعميم تكون الفردية، ولو أن طه عبدالرحمن كتب يوما سيرته الذاتية مبينا صلتها بأفكاره، فستكون مفيدة جدا لقرائه.

د. مصطفى الحسن