dr taha
متابعات

احتفاء سوداني بكتاب بؤس الدهرانية: النقد الإئتماني لفصل الأخلاق عن الدين

الأحد 7 يناير 2018
26196343_2031673410193125_5551654909214062983_n

محمد الفاتح عبد الرحمن‎ [السودان]:

تعتزم مجموعة الإحياء والتجديد الفتية إبتداءً من الثلاثاء القادم التاسع من يناير 2018 بدء حلقات لنقاش أحد الكتب المهمة جدا في مشروع مولانا البروفيسور د. طه عبد الرحمن حفظه الله وبارك في عمره، مشروعه النقدي للحداثة الغربية وتغولها المادي العاتي والعادي على تراث البشرية الديني والروحاني والمتوغل في تصورات الإنسان للكون والحياة ونسيانه للخالق سبحانه وتعالى وإستغراقه في ظلمات النسيان والإنحطاط الأخلاقي: كتابه الفذ “بؤس الدهرانية: النقد الإئتماني لفصل الأخلاق عن الدين”.

وتكمن أهمية القراءة لمولانا في أيامنا هذه في أنه يعيد تجديد الإيمان إستنادا على النقد والنقض المنطقي التصورات والرؤى والمقدمات الفلسفية التي تشكل واقعنا اليوم من جذورها، وأعني بجذورها الأصول اللغوية والمنطقية والتصورات التي إنطلقت منها منذ إنفصال الدين عن الحياة في بداية “التنوير الأوروبي” والتجربة التي عممت على كل مذهب ومشرب في الحياة حتى أنتجت إنسان العصر اللا مبالي سوى بمصلحته الفردية والباحث عن الخلاص والنجاح والسعادة في المادة وحدها، واللا مبالي واللا مكترث، الذي شاعت بينه نزعة ال”مفيش فايدة” و”العدمية” و”التيه الفكري” و”النسبية المطلقة” العمياء عن كل معيار للقيمة أو عمود للرشد والهداية، حيث الإنسان المتقلب بلا مرجعية سوى نفسه وهواه ورغباته. في خضم كل هذا اللغط، يبرز مولانا طه عبد الرحمن قويا متماسكا، هادما للحجة بالحجة، وبانيا للدليل بالدليل ومستصحبا معه منهجا متكاملا يجعل الإنسان قادرا على الإنتقال من التصور المادي الفاسد للكون إلى الإيماني مجددا، وإعادة بناء الذاكرة الدينية والروحية للإنسان وإحياء القلب بعد موات.

لا يشعر الإنسان بهذا الفرق الكبير في ما كان يتصوره ويعيه عن الحياة حتى يقرأ لمولانا رضي الله عنه وأرضاه، لا يعرف كيف أن هذا العصر يعيش تحت سيطرة فكرية مادية تسري في كل مفاصله بواسطة السلطة السياسية والإقتصادية والإعلامية والأكاديمية التي تعولم العالم اليوم، لا بتبادل التنوع بين مجتمعاته والإعتراف بهذا التنوع والإختلاف في التصورات والحوار بين الأمم، بل بقهره على اتباع طريق واحد فقط في كل الشؤون والتدابير، فلا إعتراف بفلسفة تنبني عليها مؤسسات غير الفلسفة الغربية، ولا اعتراف بأنظمة حكم غير الأنظمة التي نتجت عن الفلسفة الغربية، ولا بطرق لإدارة الإقتصاد ومعاش الناس سوى الطرق التي تحمل فقط التصور المادي للعلاقة بين البشر المبنية على المصلحة ليس للتكافل أو الزكاة أو رجاء الآخرة نصيب فيها، وأخذ الدين على محمل السذاجة والسخرية وتسفيه العقول التي تلهج بقال الله وقال الرسول.

فوق كل هذا وأكثر، فإن مولانا تمكن من صنعته، وأتقن لغات القوم ومناهجهم من أصولها، فهو يتقن اللغات اليونانية القديمة التي كتب بها أرسطو وأفلاطون كتبهم حتى لا يقع في فخ سوء الفهم عبر الترجمة، ثم اللغات الحديثة من الألمانية والفرنسية والإنجليزية حتى يأمن أن لا يخدعه أحد ويصبح حكما على القوم بلسانهم، ثم كان ميدانه التخصص في المنطق وفلسفة اللغة حتى بلغ فيها أعلى كراسي المنطق، فلا بناء بدون أصل، ولا أصل بدون لغة، ولولا اللسان لما كان الإنسان، أو كما قال. ثم تبحر في تراث قومه العربي والإسلامي الفقهي والفلسفي حتى خاض معهم في ما لم يخوضوا فيه وعرف مزاياه وزكاها وأدرك عيوبه فصوبها وعلم أسسه فأرساها، ثم صار يصول ويجول ويبدع المصطلحات ويعيد اللغة العربية إلى مضمار الإنتاج المعرفي، ثم يبلغ أن يشتبك معرفيا مع أنداده في الغرب في ما لم يكتب فيه أهله في الشرق، وباللغة العربية، فالإبداع شرط التجاوز، والتجاوز شرط النهوض والإرتقاء والمساهمة في التراث الإنساني بما يثريه ويحييه.

نحتاج أن نقرأ طه عبد الرحمن هذه الأيام وكل الأيام، لعلنا نجد في قراءته ما يحيي موات قلوبنا، وما ينير طريق أرواحنا إلى الخلاص من أمراض العصر التي جعلت أفراده رغم ما يبدو من شدة إتصالهم معزولين عن أرواحهم، ومنفصلين عن أنفسهم، وفقراء إلى نور يهديهم سواء السبيل.

وقد إفتتح مولانا كتابه بؤس الدهرانية بهذه الآيات، إذ يقول الله جل وعلا في كتابه العزيز:

(أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ۚ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ)

صدق الله العظيم

سورة الجاثية، الآيات: 23 – 24